هي ليست المرة الأولى التي تعلن فيها جماعة الحوثي شن هجمات بطائرات مسيرة على أعدائهم السعوديين والاماراتيين، لكن الهجوم الأخير الذي استهدف منشئات نفطية في الرياض بدى مختلفاً عن غيره لأكثر من اعتبار، فعلاوة عن عدد الطائرات الملغمة الذي بلغ سبعة، واضافة الى العمق الذي دخلت اليه لتصيب أهدافها فيما يبدو بدقة عالية ضمن عملية واسعة ومباغتة لم تمنح الجيش السعودي فرصة استباق هجومها، استبقت طائرات الحوثي أبعاداً وبعثت برسائل إقليمية ودولية تجاوزت الحرب في اليمن لجهة تزامنها مع الهجمات التي تعرضت لها ناقلات تجارية في ميناء الفجيرة الاماراتي في الوقت الذي يتصاعد فيه الخلاف بين طهران وواشنطن حتى بلغ مرحلة التحشيد العسكري.
اذاً هي عملية عسكرية كبرى، هكذا سماها اليمنيون وبدت لخبراء عسكريين عملية نوعية، فوسيلة الهجوم ودقة العملية وطابعها المباغت والمدى الذي بلغته تدعم كلها ذلك التوصيف. ففي العمق السعودي تضرب مصالح المملكة الاقتصادية والاستراتيجية بطائرات مسيرة مفخخة. ويحرص اليمنيون اليوم على استهداف المنشئات النفطية السعودية في سياق محلي مرتبط بحرب اليمن وأداء السعودية هناك. وكأنما يؤكدون مرة أخرى أن حرب السنوات الأربع لم تنل من قدراتهم العسكرية بل انها مضت في تطور مبهر.
فيما تكشف على الطرف الآخر، عجز الدفاعات الجوية السعودية وصواريخها عن الاستباق والاعتراض، لكن السعوديين أنفسهم وهم يقرون بضرب محطتين ضخ لمواد بترولية تابعتين لشركة أرامكو، ينظرون الى الصورة الأكبر، حيث ربط المسؤولون السعوديين المسألة باستهداف الناقلات النفطية لها في ميناء الفجيرة، وقالت إن ذلك كله يستهدف أمن امدادات الطاقة والاقتصاد العالمي. والآن ومع مهاجمة مرافق ومنشآت حيوية سعودية في هذا التوقیت الحرج، لا يبدو أننا بصدد رسالة حوثية بحتة، وبقوة المنطق يفرض السياق الإقليمي نفسه وإذا كانت هذه الهجمة بالطائرات المسيرة رسالة إيرانية أوصلها اليمنيون، فما فحواها؟
وكما يرى المحللين، فلعل الهجوم هو تمرين تعبوي لما قد يأتي، في حال تحول التوتر الأمريكي الإيراني المتصاعد الى مواجهة مباشرة. فقد تقرأ الرسالة أن القدرة الإيرانية على الأذى في حال اندلعت المواجهة مع واشنطن وحلفائها الإقليميين، ونتساءل هنا ان كان هذا هو حال قدرات حلفاء إيران فما بلك بطهران التي تقدر على اشعال المنطقة برمتها بصواريخها وطائراتها وغيرها من الأسلحة الغير مكشف عنها حتى يومنا هذا.
كما انها قادرة أيضاً على تحقيق ضرر مهول على الساحة الاقتصادية الخليجية، حيث أنه بعد هجوم الطائرات المسيرة تعرضت السوق السعودية الى ضرر كبير خلال دقائق، وبلغت خسائر البورصة السعودية بعد حادث أرامكو 10 مليارات دولار وهي قرابة (2%) من القيمة السوقية الإجمالية للبورصة التي تقدر بـ 520 مليار دولار، بحسب وكالة "رويترز". ووفق وكالة "CNBC" الاقتصادية، فإن خسائر البورصة السعودية في اليومين الماضيين بلغت 21 مليار دولار.
بالتالي نحو قوى دولية وإقليمية تتجه هذه الرسائل، بان إيران قادرة على اشعال المنطقة برمتها في حال فكر أحد بالمساس بأمنها ونفطها، أما بالنسبة للأمريكيين وحلفائهم الخليجيين فان الهجمة الأخيرة لليمنيين على المنشآت النفطية فإنها قد تكون بمثابة تحد لقوة يستعرضونها منذ فترة عبر ارسال حاملة الطائرات وقاذفات مائية وجوية، وقد تكون تحدياً أيضا لتحذيراتهم المتكررة لإيران من مغبة الاقدام على أي تحرك ضدهم.
وحول الرد الأمريكي والذي ينتظره محمد بن سلمان بعد الهجمات الأخيرة، فإننا نقول له أن أمريكا لن تتدخل الا أن رأت أن مصالحها الشخصية تتعرض للهجوم، فهي لا يهمها أمن عملائها وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خلال الساعات الماضية بأننا لا نسعى للحرب مع إيران" .. " لا نريد الحرب مع إيران"، تصريحات أخرس بها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مقرعي طبول الحرب، والمطبلين لما وصفوها بـ "حرب الخليج الثالثة" كما يطبلون بالضبط لأنظمتهم، رغم أن الـ 48 ساعة ماضية أثبتت بما لا يدعو للشك كذب مستشاري السوء والإعلاميين المطبلين أن الكل خاسر في هذه الحرب ولا أحد بمأمن منها. فالكل يعلم اليوم بأن المواجهة مع طهران ليست عماد السياسة الأمريكية وانما الدأب على ما يوصف بخطر إيران وحلفائها باستنزاف الحلفاء من عرب الخليج وسكان الجزيرة.