كان من الممكن أن تُنهي السعودية حربها على اليمن قبل سنة أو سنتين من الآن وتفرض شروطا معينة على اعتبار أنها تملك حلفاً يساندها في قصف اليمن وتدميره كما يحلو لها دون رادع دولي أو اقليمي، إلا أن السنتين الماضيتين كانتا كفيلتين بتغيير موازين القوى لصالح جماعة "انصار الله" خاصة بعد أن تخلى حلفاء السعودية عنها، ولم يبق أحد يناصرها سوى الامارات لتكتشف فيما بعد أن الامارات نفسها تطعنها في الظهر وجميعنا لمسنا ذلك في جنوب اليمن خلال الفترة الماضية، لتنحسر بعدها قوة آل سعود وتتحول اليمن بالنسبة إليهم إلى معضلة لا يمكن حلها، وما زاد الطين بلة بالنسبة لهم هي الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة "انصار الله" على أهداف حساسة في المملكة عبر طائرات مسيرة، كانت آخرها يوم امس السبت من خلال عشر طائرات استهدفت منشآت لشركة أرامكو في كل من مدينة بقيق وهجرة خريص، خلفت حرائق هائلة.
هذه الهجمة هي الثالثة من نوعها على حقول نفط السعودية خلال هذا الصيف، ومن اللافت أن "انصار الله" تبنوا العمليات الثلاثة ونجحوا في اصابة اهدافهم بدقة عالية، وهذا الامر خلف مجموعة من التساؤلات حول القدرات الدفاعية للسعودية ومصير الحرب وكيفية الخروج من هذا المأزق، فلم تعد الكلمة الاولى والاخيرة في اليمن لأل سعود، ويمكننا القول ولا نبالغ في ذلك بأن "انصار الله" اصبحت كلمتهم أقوى وكفة "القوة" ترجح إليهم، والسبب في ذلك يعود إلى عجز المملكة عن تحقيق اهدافها في اليمن ان كان لها اهداف بالاساس، وتخلي الحلفاء عنها، وضعف امكاناتها العسكرية في صد هجوم "انصار الله" وعدم قدرتها على ارضاخهم في اليمن، وتوجيه صفعات موجعة لاقتصاد المملكة من خلال استهداف مصدر دخل آل سعود الوحيد.
في هذا الاطار قالت وكالة "رويترز" عن مصادر، إن الهجوم على منشأتي أرامكو "أثر على إنتاج وتصدير النفط"،وذكرت المصادر أن الهجوم أثر على إنتاج 5 ملايين برميل يومياً من النفط، تمثل نحو نصف الإنتاج الإجمالي للبلاد، والبالغ نحو 10 ملايين برميل يومياً.
وتمثل معامل "بقيق" التي تم استهدافها الشريان في خط أنابيب الشرق والغرب التابع لـ "أرامكو"، والذي يؤدي دوراً حاسماً في ربط منشآت إنتاج النفط في المنطقة الشرقية وينبع على الساحل الغربي، وتوفير المرونة للتصدير من الساحل الشرقي والغربي للمملكة، وتضم منطقة هجرة خريص "حقل خريص" الذي تم استهدافه ويعتبر أكبر مشروع بترول بالعالم حيث يقدر إنتاجه بـ1.2 مليون برميل يومياً من الزيت العربي الخفيف.
ونقلت وكالة "واس" السعودية الرسمية عن المتحدث الأمني بوزارة الداخلية أنه عند الساعة الرابعة من صباح يوم السبت (14 سبتمبر الحالي)، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو بإطفاء حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات من دون طيار (درون)، وأمكنت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما، وقد باشرت الجهات المختصة التحقيق في ذلك.
وقبل حوالي الشهر استهدفت ايضا جماعة "انصار الله" حقل نفط ومصفاة غاز "الشيبة" التابعة لأرامكو في المنطقة الشرقية بالمملكة، وقالت حينها، أنها نفذت "أكبر عملية" منذ بداية الحملة العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وفي 15 مايو الماضي، قالت السعودية إن طائرات مسيرة مسلحة هاجمت محطتي "عفيف" و"الدوادمي" بمنطقة الرياض لضخ نفط أرامكو، لكن الإمدادات لم تتوقف، فيما أعلن "انصار الله" مسؤوليتهم عن الهجمات.
عجز آل سعود عن صد هجمات "انصار الله" يعد امراً محيراً، خاصة وان آل سعود يضغطون على الشعب اقتصاديا للحصول على احدث الأسلحة في العالم، وتعد المملكة من أكبر الدول التي تنفق على التسلح في العالم، والغريب انه بعد كل هذا تستطيع طائرات مسيرة صغيرة ان تخترق الاجواء السعودية وتتوغل في اراضي المملكة مئات الكيلومترات وتصيب اهدافها بدقة بالغة دون أن تعترضها اي دفاعات جوية، ونحن هنا لا نتحدث عن طائرة واحدة بل عن 10 طائرات تسير سوية، ومع ذلك لم تستطع الدفاعت الجوية السعودية حتى التشويش على هذه الطائرات علما ان الامريكان لهم حضور كبير في مطار خالد بن عبد العزيز مما يجعل عدم القدرة على إسقاط هذه الطائرات أمرا غريبا جدا.
العمق السعودي لم يعد آمناً وستتجه السعودية بدون ادنى شك للبحث عن حل سريع قبل ان تتوسع الفضيحة أكثر من ذلك، لان تكرار مثل هذا الامر سيؤثر على سمعة آل سعود في العالم وستشهد المملكة ضغوط داخلية وخاريجة ولانستبعد فرار المستثمرين من البلاد في المرحلة المقبلة.