التغيير - طلال حايل
بعلمٍ أو غير علم؛ خرج بن سلمان في مؤتمره الإستثماري الفاشل ليُبشرنا برغبته بتحويل شرقنا الإسلامي إلى شرقٍ أوروبي، وكأنه لا يعلم أن تبعات مثل هذا الحُلم بعيدُ المنال؛ وإن تحقق (لا سمح الله) سيحول بلاد الحرمين الشريفين وشوارعها وفنادقها إلى حاناتٍ وملاهي ومراتع يرتادها السكارى والمخمورين وقطّاع الطرق، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى ربما ذلك الفتى الطائش لا يعلم أنّ تحوّل أوروبا لما هي عليه اليوم تطلب منها فصلًا كاملًا للدين عن الدولة والسياسة، وهو الأمر الذي يشبه المستحيل في شرقنا الإسلامي الذي تربى في كنف الإسلام، وبات الإسلام جزءً لا يتجزأ من تركيبته الاجتماعية.
وإذا نظرنا إلى أوروبا بعين المُتمعّن من السهولة بمكان رؤية ما يحاول بن سلمان تناسيه، فأوربا اليوم أكبر سوق لتجارة البغاء في العالم، فاستصدار رخصة لبيت دعارة أسهل بكثير من استصدار وثيقة خاصة بكلب أو قطة، حتى أنّ العاملين في الدعارة والبغاء بات لهم جمعيات ونقابات من أجل المُطالبة بحقوقهم!.
أكثر من ذلك؛ فإنّ حالات الخيانة الزوجية في المجتمع الأوربي الذي يعدنا به بن سلمان وحسب إحصائيات الجمعية الأوربية للأبحاث الاجتماعية كانت واسعة الانتشار، حيث تُشير تلك الأبحاث التي أقيمت على الأزواج في عدد من البلدان الأوربية إلى أن 45 إلى 50٪ من الرجال المتزوجين يُقيمون علاقات خارج إطار الزواج، كما أنّ ما بين 30 إلى 35٪ من النساء المتزوجات كان لديهنّ أيضًا علاقة خارج نطاق الزواج خلال حياتهم، كما اعترف 60٪ من الرجال و53٪ من النساء "بإقامة زاوج غير قانوني"، وذلك خلال محاولتهم إقناع شخص آخر بإقامة علاقة معهم.
البغاء ذاته الذي يُبشرنا به بن سلمان حمل للمجتمعات الأوروبية التفسخ الأسري وانتشار أطفال الشوارع حيث باتت ظاهرة الأبناء غير الشرعيين؛ من أخطر الظواهر التي تُهدد القارة العجوز، حيث بات الأطفال مجهولي النسب يُشكلون نسبة هائلة من السكان، ففي فرنسا وحدها أكثر من أربعة مليون من الأطفال مجهولي النسب، الأمر الذي دعا الأمم المتحدة لتحذير الدول الغربية وخاصة أوروبا من تداعيات ظاهرة "التخلى عن الأطفال الرضع"، ووضعهم في حضانات أمام المستشفيات والكنائس والبلديات وفي الطرق المزدحمة خلال الفترة الماضية، والتي شهدت تنامي خطير لتلك الممارسات في المجتمع الأوربي.
على صعيدٍ مختلف؛ وإذا استطاعت أوربا في وقتٍ من الأوقات الخروج من عباءة الكنيسة؛ فهذا يعود إلى طبيعة الديانة المسيحية التي وكما يعرف الجميع حُرِّفت أكثر من مرّة، وباتت تقتصر تعاليمها على بعض الإرشادات الأخلاقية البعيدة كل البعد عن الحياة العملية للناس واقتصر دورها على أداء المناسك الدينيّة، إذ لا شأن لها بتفاصيل الحياة السياسية للدول التي وجدت فيها.
أما فيما يخصُّ الإسلام فالوضع مختلفٌ تمامًا، فمنذ ظهور الإسلام مثّل الرسول (ص) ومن بعهده الخلفاء والملوك وإلى اليوم منصبًا سياسيًّا ودينيًّا في آنٍ معًا، واستمرّ هذا التقليد حتى هذا اليوم، حيث تتشعب من الإسلام عدّة مؤسسات من مساجد ودور إفتاء ومجالس للعلماء وغيرها من المؤسسات الدينية، حيث يمكن رؤية حضور الدين في كل أوجه الحياة والأنشطة الإنسانية فكيف يُروّج بن سلمان وكيف يتم فصل الإسلام عن الدول التي تأكد في كل دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة وأن الرئيس يجب أن يكون مُسلمًا.
أما الطّامة الكُبرى التي ظهرت في حديث بن سلمان عن أوروبا الشرق أوسطية هي ما كشفته الأبحاث الغربية ذاتها، حيث كشفت تقارير صحفية أنّ الدين يختفي وبسرعة من حياة الأوروبيين وانحدر الدين إلى الحضيض من حيث الأهمية في حياة الناس هناك، ففرنسا وعلى سبيل المثال لديها غالبية سكان من العلمانيين، كذلك هي هولندا إسبانيا، كما ستفتقد كل من المملكة المتحدة وأستراليا قريبا الأغلبيات المسيحية.
خلاصة القول إنّ أوروبا التي يُريدها بن سلمان هي دولة لا تعترف بالله ربًّا ولا بالإسلام دينًا، بل فصّل لبلاد الحرمين والشرق الأوسط الإسلامي بِرُمّته قانونًا ودستورًا وضعيًا مستمدان من حياة الأوربيين وتجاربهم، وعلى هذا الأساس يحاول بن سلمان جر المنطقة برمتها إلى حالة من الانحلال الأخلاقي والعقدي من خلال اعتماده على النموذج الأوروبي من جهة، ومن جهةٍ أخرى من خلال تمييع الدين واعتماد "الإسلام الأمريكي" كنموذج مشوّه للإسلام.