* جمال حسن
كشف محمد بن سلمان في حوار له قبل ايام مع مجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية، أن إجمالي الاستثمارات السعودية في أمريكا هو 800 مليار دولار. مضيفاً كما لدى السعودية استثمارات بقيمة 100 مليار دولار لدى الصين؛ في الوقت الذي تعيش المملكة وشعبها التقشف وسوء الاقتصاد، والبطالة والفقر بنسب كبيرة لا تصدق وذلك وفق الأرقام الرسمية.
فبعد عامين من التخفي والابتعاد عن الظهور اعلامياً منذ اتهامه بمقتل وتجزير وحرق الصحفي المعارض جمال خاشقجي، انبرى ولي عهد سلمان وفي تصريحات لافتة وتحت عنوان “السلطة المطلقة”، للظهور خلال حوار مبرمج مسبقاً مع الإعلامي الأمريكي "جرايمي وود"، على صفحات مجلة " The Atlantic" الأمريكية.
وقد شمر محمد بن سلمان عن ساعدي عقله وتلعثم لسانه، مشيداً في البداية بعمق العلاقة التاريخية بين الراعي والبقرة الحلوب، ومؤكداً أنه يسعى على الدوام الى تعزيزها في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، بما يرغب به الحليف الأمريكي.
وشدد بالقول: نؤكد أننا لا ننسخ المشاريع في المملكة، بل نحن نحاول أن نكون إبداعيين، وعلى سبيل المثال المدينة الرئيسية في نيوم، فهي تمثل "مشروعاً فريداً" من نوعه تم إنشاؤه وصنعه بواسطة السعودية، ما أثار سخرية المحاور لكنه سرعان ما كتم الابتسامة خوفاً من أن يزج في "ريتنز" الرياض وفق قوله.
الحوار المذكور ووجه بعدم اهتمام من قبل الادارة الأمريكية خاصة تلك الجملة التي تبجح بها ولي عهد سلمان بقوله "لا يعنيني ما إذا كان بايدن يسيء فهمه، ببساطة لا أهتم.. التفكير في مصالح أمريكا شيء يرجع لبايدن"، وهو على نقيض ما قاله في مواقع مختلفة من الحوار، ما ينم عن سخطه وغضبه الشديدين من رفض الرئيس الأمريكي جو بايدن حتى هذه اللحظة من التحدث اليه رغم المحاولات العديدة من قبل محمد بن سلمان وبعض الوسطاء.
وقبل شهر من هذا الحوار أوفدت الادارة الأمريكية "آموس هوكستين" المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة الى الرياض أجرى خلالها محادثات مع ولي العهد وبعض الوزراء حول سبل التصدي للتأثيرات المحتملة على أسواق النفط في حالة وقوع غزو روسي لأوكرانيا، وذلك قبل أسبوع من اندلاعه وحصل على ضمانات مكتوبة من الرياض في هذا الإطار.
ومن أجل جلب رضى وإستعطاف إدارة بايدن، ألغى "بن سلمان" رحلته للصين لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وطلب من والده أن يجري اتصالا هاتفياً مع الرئيس الأمريكي يستجدي لضمان إبعاد نجله من اتهام قتل خاشقجي على غرار ما فعله سلفه ترامب، والمضي قدماً في دعمه لبلوغه العرش في المملكة، لكن دون جدوى.
وكتب"جرايمي وود" في مجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية يقول: لقد “تسببت الأسئلة الصعبة في تحرك ولي العهد بسرعة، وكان صوته يهتز بتردد أعلى. في كل دقيقة أو دقيقتين، كان يقوم بتشنج حركي معقد. إمالة سريعة للرأس للخلف، يتبعها بلع، مثل بجعة تبتلع سمكة. اشتكى من أنه تعرض للظلم، وأظهر شعورا بعقلية الضحية وبهوس العظمة بمستوى غير عادي حتى بمعايير حكام الشرق الأوسط”.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أكد في تصريح صحفي عقب زيارة "هوكستن" للرياض، قائلاً: "أن قضايا الطاقة والأمن لها اعتبارات سياسية مهمة لكلا البلدين، ولن نناقش تفاصيل ترتيباتنا الدبلوماسية الخاصة.. فقد أجرينا مناقشات مع السعودية حول نهج تعاونها معنا لمواجهة ضغوط السوق المحتملة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا".
تصريحات نجل سلمان الأخيرة للمجلة الأمريكية تشير الى عمق مدى الإحباط الذي بلغه بسبب عدم اهتمام إدارة بايدن له وقلة احترامها وتجاهله، ما دفعه الى التخبط في الكلام وحركات الجسد خلال حواره هذا حتى بات يطلق شعارات مضحكة مثل عدم اهتمامه بما يفكر به الرئيس الأمريكي وكذا ليس من حق واشنطن أن تتدخل في شؤون السعودية و..."السلطة المطلقة".
من جانبه أشار "جيمس دورسي" وهو زميل بارز في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية الى مقولة محمد بن سلمان بخصوص "السلطة المطلقة" التي ذكرها في عدة مرات خلال حواره هذا، متسائلاً: "أين تقبع هذه السلطة المطلقة وولي العهد السعودي يشدد بين جملة واخرى على سعيه لتعزيز العلاقات بين الرياض وواشنطن كما ترغب الأخيرة وليس على أساس المصلحة السعودية؟".
شعار "السلطة المطلقة" الذي رفعه محمد بن سلمان هو حقيقة على أرض الواقع في المملكة حيث الأمور كلها سياسياً وعسكرياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً وتجارياً و.. كلها تحت أمرته وفي قبضته دون غيره، وتقارير البنوك الدولية وصندوق النقد الدولي تشير الى أن غالبية عوائد البترول السعودي تذهب الى حساباته المصرفية الخاصة.
ودون أن يشير الى انزعاجه الكبير من تراجع الدعم الأمريكي الواضح لقيادته السلطة في المملكة، قال "بن سلمان": "أين الإمكانيات الواعدة في العالم اليوم؟.. إنها في السعودية. إذا كنت تريد أن تخسرها، فإنني أعتقد أن آخرين في الشرق سيكونون سعداء للغاية"، في اشارة منه الى روسيا والصين في الوقت الذي لا يمكن أن يتنفس باستقلالية فكيف أن يبني علاقات مع أعداء امريكا؟!.
"المملكة لا تملك الحق في التدخل بالشؤون الداخلية للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي لا يحق لواشنطن التدخل في الشؤون الداخلية السعودية (متجاهلاً تبنيها وعزلها ملوك آل سعود).. ليس لنا الحق في إعطاء محاضرات لكم في أميركا.. لدينا علاقات تاريخية مع الولايات المتحدة، ونهدف للحفاظ عليها وتعزيزها”، والكلام لمحمد بن سلمان!!.
يقول "وود" لقد رأيت الخوف والفزع في عيني ولي العهد السعودي والإجراءات الصارمة جداً خلال اللقاءين اللذين اجريتهما معه، الأول في قصره على البحر الأحمر بإجراءات أمنية صحية بالغة الشدة تم بعد ذلك الحوار بعد منتصف الليل في "دار ضيافة غامضة مرئية في صور الأقمار الصناعية ولكن بدون علامات على الخرائط".
فيما اللقاء الثاني قيل لنا سيكون عند الساعة 10 صباحاً وحضرنا قصره في الرياض قبل الموعد بساعات للإجراءات ذاتها، لكننا فوجئنا ايضاً بأن أجبرونا على البقاء في ذلك المكان حتى بعد منتصف الليل حيث حضر محمد بن سلمان وتم اللقاء، هذا ما يعنيه من قوله "السلطة المطلقة".
تذكرت بذلك المثل اللبناني "إما أن تحكي على قد لبساتك ، وإما أن تلبس على قد حكياتك"، كيف يمكن لك أن تطبق "السلطة المطلقة" وأن المقص واللحية سلمتها بيد الراعي وما أنت سوى بقرة حلوب يستحلبها الأمريكي متى ما شاء خاصة وأنك تستثمر 800 مليار دولار هناك وسيف "جاستا" يطال رقبتك، بخصوص تعويض ضحايا أحداث 11 سبتمبر الارهابية؟!.
والمتتبع للحديث الأخير هذا يرى بوضوح التخبط غير المألوف، والعصبية وعدم النضوج في حديث نجل سلمان، ففي الوقت الذي يريد من وجهة نظره أن يرسل إشارات تهديد لسياسة البيت الأبيض تجاهه، يقول:"أنا لستُ أمريكيًّا، لذا لا أعرف إذا كان لدي الحق في الحديث عن المصالح الأمريكية أم لا. ولكنني أعتقد أن أي دولة في العالم لديها مصالح أساسية: اقتصادية، وسياسية، وأمنية. وهذا هو الأساس الرئيسي الذي تقوم عليه السياسة الخارجية لأي دولة".