ما يجري في السعودية اليوم لا يمكن توصيفه كخطأ في السياسات، ولا كتشدّد أمني عابر، ولا كمرحلة انتقالية قاسية تفرضها التحوّلات، بل نحن أمام منظومة حكم طغيانية ترى السلطة حقًا وراثيًا مطلقًا، وتتصرّف مع الدولة والمجتمع بوصفهما ملكية خاصة، لا ككيانين يقومان على عقد سياسي.
الدولة في السعودية تُدار بالقوة لا باتفاق مع المجتمع، وبالقمع لا بتمثيل الناس.
والصمت المفروض ليس نتيجة جانبية للحكم، بل شرطه الأساسي، فالغاية لم تكن يومًا تنظيم المجال العام، بل إفراغه بالكامل.
القمع: وظيفة الدولة لا استثناءها
القمع في السعودية ليس أداة استثنائية تُستخدم عند الأزمات، بل الوظيفة المركزية للحكم.
السجن لم يعد عقوبة قانونية مرتبطة بجريمة واضحة، بل وسيلة دائمة لإعادة تشكيل المجتمع وفرض الطاعة الكاملة.
من يقبعون خلف القضبان ليسوا قادة تمرّد أو منظّمات مسلحة، بل:
التهمة الفعلية واحدة: الكلام خارج ما يريده الحاكم.
أحكام تُصمم لإلغاء العمر
حين تصدر أحكام بالسجن لعشرين أو ثلاثين أو حتى خمس وأربعين سنة بسبب تغريدة أو رأي، فهذه ليست دولة تطبّق قانونًا، بل سلطة تصدر أحكام إخضاع جماعي.
هذه الأحكام لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تخاطب المجتمع بأكمله:
العمر لا قيمة له، والكلمة قد تكلّف حياة كاملة.
الخوف هنا ليس نتيجة، بل سياسة رسمية تُدار بعناية.
تصفية الوسط السياسي
أخطر ما أنجزه هذا الحكم ليس قمع المعارضين الصريحين فقط، بل تدمير كل مساحة وسطية.
تم إقصاء:
هذه الفئة كانت الأخطر لأنها تمثّل الوسط السياسي: عقلانيون، قابلون للتأثير، وقادرون على كسر احتكار السلطة للصوت العام.
وبتصفية هذا الوسط، لم يبقَ سوى معادلة قاسية: سلطة مطلقة، وشعب إمّا صامت أو خائف.
هذا ليس نموذج دولة واثقة، بل نموذج حكم خائف لا يحتمل حتى أي صوت معتدل.
القضاء كأداة ضبط سياسي
القضاء في السعودية لم يعد سلطة مستقلة، بل جزءًا عضوياً من منظومة القمع.
قوانين فضفاضة، تهم مطاطية مثل “الإرهاب” و“الإخلال بالنظام العام”، ومحاكم متخصصة تُستخدم لتجريم الرأي.
وحين تصبح كل كلمة قابلة للتجريم،
فإن الجميع يتحوّل إلى متهم مؤجَّل.
ما يجري ليس سوء تطبيق للقانون، بل تحويل القانون نفسه إلى أداة طغيان.
الترفيه كقناع
في موازاة ذلك، تُغرق السلطة الداخل بمواسم ترفيه وحفلات ومشاريع استهلاكية تُقدَّم بوصفها حداثة وانفتاحًا.
لكن هذه الواجهة تؤدي وظيفة واحدة: تعطيل السياسة داخل المجتمع.
الرسالة واضحة: استمتع، استهلك، انشغل… لكن لا تسأل ولا تتكلم.
المطلوب ليس مواطنًا، بل فردًا منزوع الصوت، تُقاس علاقته بالدولة بما يستهلكه لا بما يقرّره.
دولة مختزلة في شخص
لا يمكن فهم كل ما سبق دون الاعتراف بحقيقة مركزية:
السعودية اليوم ليست دولة بمؤسسات، بل سلطة مختزلة في شخص واحد.
محمد بن سلمان ليس حاكمًا داخل نظام، بل هو النظام نفسه.
لا توازنات، لا رقابة، لا قابلية للتصحيح، القرار فردي، والمزاج سياسة، والقمع أسلوب حكم.
لهذا، فإن الحديث عن “اكتشاف متأخر” أو “انفصال عن الواقع” هو توصيف مضلّل.
هذه السلطة تعرف تمامًا ما تفعله، لأنها لا تسعى إلى فهم المجتمع أصلًا، ولا تعترف بوجوده ككيان سياسي مستقل.
هي تعرف ما يكفي لإخضاعه، ولا تحتاج أن تعرف أكثر.
خلاصة
السعودية اليوم ليست دولة أخطأت الطريق، بل منظومة طغيان متوارثة تزداد شراسة لأنها بلا محاسبة ولا حدود.
الصمت ليس مرحلة انتقالية، بل شرط دائم لبقاء الحكم.
والقمع ليس سياسة سيئة، بل جوهر الدولة كما تُدار اليوم.
وحين تُختزل الدولة في شخص يرى نفسه مالكًا لا حاكمًا،
فإن ما يُسمّى استقرارًا ليس إلا خوفًا مُدارًا…
والخوف قد يؤجّل الانفجار، لكنه لا يمنعه.