عاجل:
السعودية: حين تُدار “المحرّمات” كسياسات عامة
حدث وتحليل 2026-01-05 14:01 966 0

السعودية: حين تُدار “المحرّمات” كسياسات عامة

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

من إدارة المنع… إلى هندسة القيم

لم يكن تحريم الخمور في السعودية مجرّد نص قانوني، بل ركيزة رمزية لهوية الدولة ودورها بوصفها حامية لمنظومة قيم دينية وأخلاقية، لذلك، فإن التحولات الجارية اليوم — من افتتاح متجر لبيع الخمور في الحي الدبلوماسي بالرياض، إلى تسريبات السماح بها داخل المنتجعات السياحية المغلقة — لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءات معزولة، بل كجزء من مسار متدرّج لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.

هذا المسار لم يُطرح في إطار نقاش عام، ولم يُناقش عبر مؤسسات تمثيلية، بل اتُبع فيه أسلوب “التغيير الهادئ”: خطوات محدودة، بلا إعلان صريح، مع مراقبة ردود الفعل، ثم التوسّع التدريجي عند غياب الاحتجاج.

غير أن هذا “الغياب” لا يعكس قبولًا اجتماعيًا، بل صمتًا مفروضًا بالخوف والردع، في بيئة جرى تفريغها عمدًا من أدوات التعبير والنقد.

 

البعد السياسي: إعادة هندسة المجال القيمي

سياسيًا، تعكس هذه الخطوات تحوّل الدولة من الاتكاء على الشرعية الدينية، إلى شرعية الإنجاز والترفيه والاقتصاد.

في هذا الإطار، لا تُعامل القيم العامة باعتبارها سقفًا للسياسة، بل باعتبارها حقلًا قابلًا لإعادة الهندسة وفق متطلبات الجذب الاستثماري وصورة “الدولة الجديدة”.

هذا الأسلوب يتقاطع، ولو دون استنساخ حرفي، مع ما دعت إليه بعض مراكز التفكير الغربية منذ سنوات، وعلى رأسها تقارير RAND التي تحدثت صراحة عن تحييد الدين في المجال العام، وإعادة تعريف التدين بوصفه سلوكًا فرديًا منزوع الأثر السياسي والاجتماعي، بما يمنع تحوّله إلى مصدر مساءلة أو تعبئة.

في هذه الصيغة، لا تُقصى القيم دفعة واحدة، بل يجري تفكيكها إداريًا: السماح هنا، الاستثناء هناك، والتنظيم محلّ المنع، إلى أن يفقد المجتمع نقطة الارتكاز التي كان يحتكم إليها.

 

البعد الفقهي: من حكمٍ قطعي إلى استثناء إداري

فقهيًا، تحريم الخمر في الإسلام قطعي الثبوت والدلالة، وهو محل إجماع لا خلاف فيه، غير أن التحوّل الأخطر لا يتمثل في الفعل ذاته، بل في طريقة التعامل معه: إذ جرى نقل القضية من مقام الحكم الشرعي العام إلى خانة “الإجراء الإداري المنظّم”.

حين تتحوّل المحرمات إلى ملفات تنظيمية، فإنها لا تُلغى نظريًا، لكنها تُفرّغ عمليًا من مضمونها، ويُنزَع عنها أثرها العام، وهنا يُختزل الدين في بعد وعظي شخصي، بينما تُجرَّد أحكامه من قدرتها على ضبط الفضاء العام.

هذا المسار، الذي حذّرت منه أدبيات فكرية غربية عديدة، يتقاطع مرة أخرى مع فرضية مركزية في تقارير RAND، تقوم على إعادة تشكيل الإسلام ليكون ثقافيًا/طقوسيًا لا معياريًا ولا تحرّريًا.

 

البعد الاجتماعي: الصدمة الصامتة وتدجين الوعي

في مجتمع ديني مُشدّد، لا يُنتج هذا التحول قبولًا سلسًا، بل تمزّقًا داخليًا.

الفرد لا يستطيع الاعتراض علنًا بفعل القمع، ولا يستطيع التكيّف أخلاقيًا دون شعور بالانفصال عن ذاته.

تنتج عن ذلك حالة واسعة من:

  • التدين الشكلي،
  • أو اللامبالاة القيمية،
  • أو التمرّد الصامت بلا أفق.

الأخطر أن الرسالة التي تُبَث للشباب ليست فقهية، بل سياسية:

ما كان حرامًا بالأمس ليس ثابتًا، بل قابل لإعادة التعريف متى ما اقتضت “المصلحة”.

وهنا بالضبط يتحقق الهدف غير المعلن: نزع الوظيفة التحرّرية للدين، وتحويله من مرجعية أخلاقية عامة إلى خيار شخصي منزوع التأثير، وهو ما يتطابق مع النموذج الذي طالما اقترحته دراسات إعادة “هندسة المجتمعات المحافظة”.

 

الخلاصة: دين مُحايد… ومجتمع مُدار

ما يجري ليس تحديثًا أخلاقيًا، بل إدارة سياسية للمحرّمات، ولا يهدف إلى تحرير المجتمع بقدر ما يسعى إلى تحييده.

دين بلا قدرة على النقد، مجتمع بلا مساحة اعتراض، وقيم تُدار لا تُحتَرم.

إن السماح ببيع الخمور ليس سوى حلقة اختبار ضمن مشروع أوسع:

اختبار حدود الصمت، اختبار قابلية التكيّف، واختبار ما إذا كان المجتمع قد انتقل من موقع الشراكة القيمية إلى موقع الخضوع الإداري.

وهذه بالضبط هي النقطة التي طالما نُبّه إليها في تقارير RAND:

مجتمع متديّن بلا دين فاعل… هو مجتمع سهل الضبط.

آخر الاخبار