عاجل:
"برنامج جودة الحياة"..أو عندما تحلّ الأرقام محل المفاهيم التي تتقوّم بها الحياة!
حدث وتحليل 2025-06-15 15:06 1260 0

"برنامج جودة الحياة"..أو عندما تحلّ الأرقام محل المفاهيم التي تتقوّم بها الحياة!

بل اي جودة لحياة شعب يتم الحكم على أفراده بعشرات السنين سجناً لمجرد كلمة انتقد فيها ما يراه اعوجاً في بلاده. أُفّ لحياة بلا شرف، وبلا إحساس، وبلا وعي سياسي بما يجري في الجوار. إن الحديث عن الرفاهية بينما يُباد شعب شقيق، ليس مجرد مفارقة أخلاقية، بل سقوط إنساني مدوٍّ. أي "جودة" ونحن في ذلّة وجودية؛ استبداد يتحكم في المصير وعدو تاريخي ماضٍ في مشروع الهيمنة على كل منطقتنا.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

 

 

         بقلم عبد الرحمن الهاشمي 

 

نشرت جريدة عكاظ "السعودية" يوم الخميس 12 يونيو مقالا تحت عنوان: "برنامج جودة الحياة يتجاوز تحقيق مستهدفات 2030 بـ 130%"، زاعمة أن "السعودية" تتقدّم في مؤشرات السعادة العالمية، وتتطلّع إلى الجيل التالي من تكنولوجيا الترفيه.

تقرير "جودة الحياة" هذا، لا يخلو من مفارقات صارخة تستوجب التوقّف، لا من باب المماحكة السياسية، بل انطلاقا من أن الحياة الكريمة المتقوّمة بالحقوق والحريات مصادرة، فضلا عن جودتها.

في هذا التقرير، تتحوّل حياة الناس إلى نمط من القياسات والأرقام، يُختزل الإنسان في رقم، ويُعرض المجتمع كما لو أنه منتَج استهلاكي يُقدَّم للعالم. النموذج المزعوم ليس سوى حزمة قرارات فوقية، صيغت بلغة دعائية، لتُفرض على مجتمع حيّ مركّب، له ذاكرة وتاريخ ، وله معاناة وتطلعات وصوت مقموع. من صاغوا هذا التقرير لا يخاطبون الداخل بقدر ما يخاطبون الخارج، حيث يُقدَّم المواطن "السعودي" وكأنه يعيش طفرة رفاه غير مسبوقة، فيما هو في الواقع مجرد من كل حقوق المواطنة.

حتى لو سلّمنا بالمنطق الاقتصادي المحض، فثمّة مفارقة سياسية فادحة لا يمكن التغاضي عنها؛ كيف نتحدّث عن "جودة حياة" في بلد تُدار موارده الطبيعية بمنطق الريع، وملياراته تصبّ في حسابات مراكز الصناعات الغربية، وعلى رأسها الصناعات العسكرية الأمريكية؟  فنحن أمام نموذج استهلاكي تابع، لا نموذج سيادي مستقل. جودة الحياة الحقيقية لا تُبنى بالإنفاق، بل بتحرير الإرادة الشعبية وإنبثاق المجتمع المدني.

ثم أين موقع الإنسان في كل هذا؟ الإنسان بما هو كائن يبحث عن المعنى قبل الترفيه، وعن الكرامة قبل مستهلكات المدنية؟ التقرير يخلو من أي بعد روحي أو فلسفي، فلا أثر فيه للأسئلة الكبرى، لما يشكّل جوهر الحياة؛ الحرية، المشاركة، العدالة، الإحساس بالذات، والانتماء. نحن أمام رؤية مُصمّمة لعزل المواطن عن واقعه، لا لدمجه فيه. تُقدَّم له الحياة كأنها باقة من الخدمات للاستهلاك.

ويصبح الأمر أكثر فظاعة حين نستحضر السياق الإسلامي ونتساءل، كيف يمكن الترويج لمفهوم "جودة الحياة" بينما قطاع غزة ومشهديته الدامية تدخل كل بيت؟ أي حياة هذه وأشلاء الأطفال الفلسطينيين تُدمي الصخر، فيما الضمير العربي في حالة موت سريري؟ أليس من المفترض بشعب الحرمين، قبل غيره، أن يكون في طليعة الشعوب المنكوبة وجدانيا مما يجري؟ أليس حريّا بالعرب جميعا أن يكونوا في حالة حداد قومي واكتئاب نفسي طالما أن غزة تُباد، والقدس تُهوّد، ونكبة فلسطين تتلوها نكبات على طريق "إسرائيل الكبرى"؟

بل اي جودة لحياة شعب يتم الحكم على أفراده بعشرات السنين سجناً لمجرد كلمة انتقد فيها ما يراه اعوجاً في بلاده. 

أُفّ لحياة بلا شرف، وبلا إحساس، وبلا وعي سياسي بما يجري في الجوار. إن الحديث عن الرفاهية بينما يُباد شعب شقيق، ليس مجرد مفارقة أخلاقية، بل سقوط إنساني مدوٍّ. أي "جودة" ونحن في ذلّة وجودية؛ استبداد يتحكم في المصير وعدو تاريخي ماضٍ في مشروع الهيمنة على كل منطقتنا. 

ليس عبثا أن تغيب الحرية عن التقرير، ولا سهوا أن لا نجد ذكرا للعدالة، أو لتمكين المجتمع المدني، أو حتى لمؤشرات الفقر والبطالة الواقعية. لقد جرى استبدال ذلك بمعطيات رقمية؛ 173 مبادرة، 85% نسبة إنجاز، مليون شجرة، 390% نمو في صندوق الاستثمارات… لغة متذاكية، لكنها بلا روح، بلا أي حسّ إنساني.

"جودة الحياة" لا تعني مجرد طول العمر، أو سهولة التنقل، أو ازدياد المساحات الخضراء، فهذه مقاييس سطحية إذا عُزلت عن السياق السياسي والأخلاقي. الجودة الحقيقية للحياة تبدأ حين يشعر الإنسان أنه سيّد في وطنه مواطن بكل حقوق المواطنة، حرّ في رأيه، مرتبط بمجتمعه، متفاعل مع تاريخه، ومسؤول عن تقرير مصيره. الحياة الجيدة لا تمنحها سلطة متعالية تمنّنا، بل تُصنع بالوعي، وتقوم على الكرامة، وتُقاس بقدرة الإنسان على تجسيد خياراته عبر الآليات السياسية واستطرادا الهيآت السياسية.

ما يجري في (السعودية) اليوم ليس تحديثا حقيقيا، بل تغليف تقني لفراغ سياسي وروحي عميق. كل هذه الإنجازات الإستعراضية، في غياب الإنسان الحرّ والمواطن الكريم، لا تعني شيئا، بل تتحول إلى صورة مسرحية سوداء. دون بناء ذات حرّة، تعي وتشعر وتغضب وتقاوم وتفكّر وتقرّر مصيرها، فإن كل ما يُعرض في أجهزة النظام الإعلامية ليس إلا تجميلا للموت الرمزي.

إن رؤية 2030 ليست إلا رحما مثقلة بالأهواء والأحلام المجنونة، ولن يتولد منها إلا تمييعا للحياة بفصلها عن جذورها وتقعيرها، فالحياة ليست سلعة يمكن تجويدها بالترفيه وبأصباغ التحديث السحطي، بل الحياة تحتمل صفة واحدة مكثفة الدلالات والمعاني، وهي الحياة الكريمة، فإما أن تكون كريمة أو لا تكون.

آخر الاخبار