بقلم: فيصل التويجري
دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى قبل توليه منصبه على توجيه نقد شديد لمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" واتهامها بالتلاعب بسوق النفط، ويتضامن معه في هذا مشرعون أمريكيون كثر. ولكن الأمر هذه المرة فهو مختلف، حيث انتقل من النقد الى إجراءات قانونية في الكونغريس بإعادة طرح مشروع قانون " نوبك" الذي يسمح لواشنطن بمقاضاة دول أوبك. وقد وافقت السعودية ودول أخرى على زيادة محدودة في انتاجها النفطي لكن ذلك لم يوقف اتجاه الأسعار التصاعدي ولم يرضي ترامب أيضاً. وهنا تخشى الرياض أن يحاكي مشروع "نوبك" قانون العدالة بحق رعاة الإرهاب "جاستا".
اليوم بلغت أسعار النفط أعلى مستوياتها منذ أربعة أعوام، هذا الارتفاع أبهج أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، وخاصة السعودية الغارقة في حرب اليمن، بينما استشاطت الولاية المتحدة غضباً، حيث اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منظمة أوبك مراراً باحتكار أسواق الذهب الأسود والتلاعب بأسعاره، وظل على مدى شهور يمارس ضغوطاً على كبار المنتجين من حلفائه لزيادة الإنتاج، وذلك أملاً في أن يهوي ذلك بالأسعار ويعوض نقصاً محتملاً في المعروض من الخام الإيراني على وقع العقوبات الأمريكية.
وبينما قال هو نفسه ذات مرة إن السعودية انصاعت لطلبه رفع انتاج النفط لمليوني برمل يومياً، فان أوبك وشركائها المنتجين من خارج المنظمة تتمسك باتفاق خفض الإنتاج المبرم في الجزائر. أوبك اذاً قد أصبحت مصدر ازعاج لواشنطن، ولا بدّ لها من نوبك، وهو قانون يمنع التكتلات الاحتكارية لإنتاج النفط وتصديره، والذي يزيل الحصانة السيادية عن دول أوبك ويتيح مقاضاتها بتهمة التواطؤ. كما أنه في الأصل مقترح مستوحًا من قانون "شيرمان" الذي فكك امبراطورية "روكفلير". وقد حالت تهديدات رؤساء أمريكيين سابقين مثل جورج بوش الابن وباراك أوباما باستخدام الفيتو ضده دون تحوله الى قانون. أما اليوم يتجه المشرعون الأمريكيون لإحياء نوبك متشجعين بموقف ترامب العدائي تجاه أوبك والذي يعود الى ما قبل دخوله البيت الأبيض.
في المقابل تنف الدول المصدرة للنفط الحاقها ضرراً بالمستهلكين، وتحاجج في أن السوق هي التي تتحكم في الأسعار. فهل يعصمها ذلك من عقوبات محتملة تعارضها مجموعات أعمال وشركات نفط أمريكية.
ألا تشمل معاقبة المنظمة أكبر منتجيها السعودية؟ وهنا قيل أن بن سلمان يحاول ثني واشنطن عن إقرار القانون المجمد مخافة أن يهدد استثمارات بلاده المقدرة بنحو تريليون دولار في الولايات المتحدة. وبرأي متابعين، فان خشية بن سلمان الأكبر من أن يأتي القانون إذا أقر على منوال قانون العدالة الأمريكي بحق رعاة الإرهاب "جاستا"، الذي يسمح لعائلات ضحاياً أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001 بمقاضاة الرياض. وهنا يرجح مراقبون أن يكون ذلك القانون العامل الرئيسي وراء تردد شركة آرامكو السعودية التي تديرها الدولة في ادراج أسهمها في الأسواق الأمريكية.
خوف بن سلمان من القانون زاد أكثر بعد خطاب ترامب في فيرجينيا، وزاد أكثر وأكثر بعد خطاب الرئيس الأمريكي يوم أمس في ساوثافن في مسيسيبي، حيث عاد للحديث مرة أخرى عن مكالمته الهاتفية الأخيرة مع ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، حيث كشف أنه وجّه له إهانات أثناء حديثهما، قائلا إنه حذر الملك سلمان من أنه لن يبقى في السلطة "لأسبوعين" دون دعم الجيش الأميركي. وأضاف "نحن نحمي السعودية. ستقولون إنهم أغنياء. وأنا أحب الملك، الملك سلمان. لكني قلت: أيها الملك نحن نحميك، ربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين من دوننا، عليك أن تدفع لجيشنا".
ويرى خبراء ومحللون أمريكيون أن كشف الرئيس الأمريكي عن فحوى مكالمته الهاتفية مع الملك السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز يأتي في هذا السياق، حيث يريد ترامب من السعودية أن تزيد إنتاجها من النفط كي تتراجع أسعاره وبهذا فإنه يطالبها بأن تلعب ضد نفسها. وهنا يرى خبراء ان السعودية لا تملك إمكانات لزيادة مستوى انتاجها النفطي، اما اذا فعلت فسوف يضرب ذلك مصالحها وسيكون ذلك كما يعلق إيرانيون أشبه من الانسحاب من أوبك إرضاءً للأمريكيين.
فكيف سيتصرف بن سلمان الآن وشبح قانون عقابي آخر يحوم فوق رؤوس أبناء السعودية بسبب سياسة الانصياع التام للأمريكي التي ينتهجها، صحيح أنه لا تعرف حتى الساعة جدية واشنطن في تفعيل قانون نوبك، لكنه ليس معروفاً أيضاً في المقابل مدى قدرة الرياض والنظام الحاكم على الضغط لمنع صدوره. فهل سيبذل بن سلمان كدأبه مالاً في سبيل ذلك، ام يغامر بالخروج عن اجماع أوبك برفع الإنتاج بشكل آحادي وينصاع مرة أخرى للأمريكي؟