بقلم: طلال حايل
تحدثنا بالأمس عن الألفي عام التي ينتظرها بن سلمان حتى تبدأ المخاطر التي تنتظر حكم عشيرته، متناسيًا أنّ هذه المخاطر بدأت منذ وصول جدّه إلى سُدّة الحكم، وسيختمها بن سلمان من خلال تبديد ثروة السعوديين الوحيدة والمتمثلة بشركة "آرامكو" النفطية العملاقة، بعد أن أبرز عن رغبته بيع أسهمها من خلال الإكتتاب العام في أسواق البورصة العالمية، حيث يخشى الكثير من السعوديين من أن بن سلمان سيتخلّى عن دُرّة التاج السعودي للأجانب وبأسعار زهيدة للغاية.
الشركة التي كانت وطوال السنين الماضية سعوديةً خالصة، وكانت تُعبر أيضاً عن السطوة الاقتصادية السعودية في العالم، والتي كانت تُعتبر مُلكًا لكافة السعوديين، تبدو صفقة بيعها أشبه ببيع أحلام وثروة السعوديين، لتبدأ تخرج أصوات معارضة تُطالب بأخذ رأي السعوديين حول نيّة بن سلمان إدراجها في أسواق الأسهم العالمية، سواء كان باستفتاء تجريه الدولة أو وسيلة أخرى تعبر عن حقيقة موقف الشعب السعودي من بيع ممتلكاته، وقاموا في سبيل ذلك بإطلاق هاشتاغ تحت اسم "الناس ضد بيع شركة أرامكو"، لكن هذه المطالب تبدو أنها تدور في فلك الأحلام مع سيطرة واستبداد بن سلمان بالقرار النهائي بكل ما يخص أمور المملكة ويؤكد سعوديون على أنّ بيع أسهم آرامكو في سوق الأوراق المالية المحلية أو الأجنبية سيؤدي بالضرورة إلى تقليص فوائد الثروة النفطية للسعوديين من ذوي الدخل المنخفض؛ إذا سيتسبب ذلك في تحويل مُلكيّة الثروة السعودية إلى جيوب بعض الأثرياء السعوديين وبعض الاجانب (إن لم نقل الدول الأجنبية).
وهنا يدّعي بن سلمان أن رغبته ببيع أصول شركة "آرامكو" يهدف لتنويع مصادر الدخل في المملكة متناسيًا ذلك الأحمق أن منابع طاقة جديدة بدأت تظهر للعلن، وبعد أن أعلن بن سلمان عن رؤيته المسماة (2030) والتي تحدثت فيما يخص الطاقة عن أن بن سلمان يهدف إلى أن تُصبح المملكة رائدة في مجال الطاقة الشمسية وهو الأمر الذي أثار سخرية كبيرة من أحلامه السخيفة.
وفي السياق ذاته أسال هذا العرض المُغري لُعاب المستثمرين الأجانب، وخصوصًا أسواق البورصة العالمية، وشهد الجميع النزاعات التي شهدتها بورصات الأسهم بما في ذلك في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهونغ كونغ، وذلك لتأمين حصة من تركة الرجل المريض مُطالبةً حكوماتها بدعم رغبتها في شراء تلك الأسهم.
أكثر من ذلك؛ وعلى الرغم من كافة التدخل الغربي الذي يُعشعش في أرجاء المملكة والذي يُسيطر على دوائر القرار فيها، تبدو صفقة آرامكو سببًا آخر للتدخل الغربي في السعودية، فبعد أن سيطر الأوروبيون والأمريكيون خصوصًا على القرار السياسي السعودي؛ ستكون صفقة بيع آرامكو بابًا آخر
للتدخل والسيطرة على القرار السعودي، ولكن هذه المرة سيكون الأمر اقتصايًّا، وهنا سيصبح آل سعود حُكامًا بلا قرار سياسي أو حتى قرار اقتصادي، ولن يكون أمامهم سوى مغادرة البلاد بعد أن أفقروها وباعوا مُقدراتها للغرب.
وعلى أيِّ حال؛ وعلى عكس ما يُروّج له بن سلمان من أنّ هدف البيع هو تحقيق تنوع حقيقي في الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط وجمع مبالغ كبيرة من المال للحكومة للقيام بمشاريع؛ فإن الحصة التي ينوي بن سلمان بيعها صغيرة جداً بحيث لا يمكن معها القيام بأيّة مشاريع إضافية، فبيع 5 في المائة من الشركة لا يكفي لتحقيق تخفيض حقيقي في اعتماد الحكومة على النفط، وحتى إذا كانت قيمة الشركة وكما يقول بن سلمان تُساوي بمبلغ 2 تريليون دولار فإن بيع 5 في المائة يُقدر بـ 100 مليار دولار وهذا مبلغ لن يدر الأموال الكافية لإحداث فرق كبير ولن تكون كافية لتمويل مشاريع التحول الاجتماعي والاقتصادي الطموحة التي حددتها رؤية بن سلمان الخياليّة.
إذاً وبناءً على ما أوردناه سابقًا فإنّ المخاطر التي تُهدد أي بلدٍ أو حكم دائماً ما كانت بدايتها من داخل البلاد، وناتجة في أغلبها عن تسلط الحاكم وتضييع حقوق الشعب، وهو ما يسعى إليه بن سلمان وعن سابق إصرار على تحقيقه من خلال إنفاق أموال المواطنيين على مشاريعه الخاصة التي يظن واهمًا أنها ستؤمن له الحكم، غير أن تصرفاته هذه تُعدّ مساميراً يدق الواحد تلو الآخر في نعشه ونعش حكم آل سعود، وستكون الطلقة الأخيرة في هذا الحكم الأسود الذي أذاق أبناء جزيرة العرب مرّ الذلِّ والهوان.