سالم الزهراني - التغيير
جددت السعودية التأكيد على التخبط الذي يعاني منه النظام الحاكم هناك وعلى رأسه ولي العهد محمد بن سلمان نتيجة تورطه بمقتل الاعلامي جمال خاشقجي، بعد ما اعلنته النيابة العامة السعودية التي قدمت رواية جديدة تقوم على محاولة التستر على المسؤول الحقيقي عن عملية القتل التي تمت داخل القنصلية السعودية باسطنبول بهدف ابعاد التهم عن محمد بن سلمان بالدرجة الاولى ومن ثم محاولة ابعاد التهمة اكثر فاكثر عن الدائرة القريبة من الرجل من امثال احمد عسيري رئيس الاستخبارات العسكرية ومحاولة إلصاق التهم فقط بالاشخاص الذين ارسلوا لتنفيذ المهمة وتقديمهم ككبش فداء عن ابن سلمان.
فقد أعلنت النيابة العامة السعودية ان "التحقيقات جارية مع 21 موقوفا في قضية قتل خاشقجي بعد استدعاء 3 أشخاص آخرين، حيث تم توجيه التهم إلى 11 منهم، مع المطالبة بقتل من أمر وباشر جريمة القتل منهم وعددهم 5 أشخاص وإيقاع العقوبات الشرعية المستحقة على البقية"، وزعمت ان "الآمر بالمهمة هو نائب رئيس الاستخبارات السابق والآمر بالقتل هو رئيس فريق التفاوض".
وما تحاول اليوم السلطة السعودية العمل عليه هو القول ان من قتل خاشقجي قام بذلك من تلقاء نفسه من دون اوامر من قبل ابن سلمان، وان من نفذ الجريمة اجتهد وتجاوز الاوامر الموجهة له وقام بقراره الشخصي بقتل خاشقجي وتقطيعه ومن ثم تذويب الجثة، والمضحك في الرواية السعودية الكوميدية والساذجة ان السلطة السعودية تريد اقناع العالم كله ان ابن سلمان ارسل فريقا من المحققين والامنيين ومعهم خبير في الطب الشرعي ومختصين في إخفاء البصمات وغيرهم من الاشخاص الذين اختيروا بدقة فائقة لاتمام مهمة في غاية الاجرام، ومع كل ذلك ابن سلمان طلب من هذا الفريق إقناع الاعلامي السعودي بالعودة الى البلاد للاقامة فيها، لكن لماذا يفعل ابن سلمان كل ذلك؟ هل يريد من خاشقجي ان يعارضه من الداخل؟ وهل المعارضة جائزة في الداخل بينما هي محرمة من الخارج؟ أليس كل من يعارض في الداخل يزج به بالسجن ويقتل ويختفي في ظروف لا يعلم بها إلا الله؟
فهذه الرواية السعودية الجديدة (والتي تغيرت اكثر من مرة منذ انتشار خبر مقتل خاشقجي وحتى اليوم) تريد بكل بساطة إستغباء الرأي العام العالمي وعقول الناس واجهزة الاستخبارات العالمية والمؤسسات القضائية والامنية التي لا يمكنها إلا ربط جريمة قتل خاشقجي بأعلى مستوى من السلطة السياسية في مملكة آل سعود، خاصة ان في تلك البلاد لا يمكن لاي احد ان يقوم بمثل هذه الجريمة بدون ضوء اخضر بل بطلب مباشر من محمد بن سلمان، وهل يجرؤ أحد على فعل مثل هذا الامر بدون ان يكون مرسل بمهمة من قبل ولي العهد؟
الرواية السعودية اليوم تريد القول إن ما جرى هو مجرد جريمة قتل عادية قام بها بعض الأفراد بحق شخص عابر، وتريد نسف كل الحيثيات والوقائع التي تحمل البصمات الرسمية السعودية لارتكاب جريمة قتل سياسية بحق احد المعارضين الذين رفعوا الصوت بوجه شخص بعينه هو محمد بن سلمان، وبحق شخص لا يحارب اساسا وجود آل سعود في السلطة رغم كل ما ارتكبوه طوال عشرات السنوات بحق الشعب في الداخل وبحق الامتين العربية والاسلامية وبحق الكثير من الدول عبر نشر الارهاب في مختلف أصقاع الارض والادلة اكثر من ان تعد او تحصى، فكل الدلائل تشير بقوة الى تورط النظام السعودي بهذه الجريمة ولا مجال لرفع المسؤولية عنه بل ان في كل يوم تزداد القناعة حول هذا التورط.
ولعل من ابرز الهفوات التي تضمنتها رواية النيابة العامة السعودية ان احد الاشخاص من ضمن فريق القتل هو من قام بتسليم الجثة لاحد المتعاونين المحليين في تركيا، وان السلطة السعودية ستعطي السلطات التركية رسما تشبيهيا لهذا المتعاون، وكأن المسألة أشبه بأحجية لا يستطيع ابن سلمان وفريقه من البحث عن اجوبة لها، لان الواقع الصعب الذي لا بد ان تعترف به الرياض انه لا يوجد اي متعاون محلي (وهذا ما تدركه جيدا العديد من الاجهزة الامنية العالمية وعلى رأسها الاستخبارات التركية والاميركية)، بل ما جرى هو تذويب جثة خاشقجي والتخلص من آثار الجريمة والمواد الكيماوية المستخدمة في مجاري الصرف الصحي.
والغريب ان الادارة الاميركية على لسان المتحدثة باسم الخارجية الاميركية هيذر ناورت ذهبت للترحيب بهذه الخطوة السعودية، حيث اعبترت انها خطوة تحتاج الى خطوات اضافية عبر استكمال التحقيقات، في دلالة واضحة على الحماية الاميركية المستمرة لابن سلمان في ظل تواصل الابتزاز لسحب المزيد من الثروات من خزينة الدولة وجيوب الناس، إلا ان الاميركيين حاولوا التعمية على الحقيقة الدامغة بتورط محمد بن سلمان عبر اصدار قرار بفرض عقوبات على عدة اشخاص تعتبر الاجهزة الاميركية انهم تورطوا بشكل او بآخر بقتل خاشقجي، وهذا الموقف الاميركي وإن ظهر للوهلة الاولى انه يحمل في طياته تحركا ضد النظام السعودي الذي قتل خاشجقي إلا انه يدلل على مدى التورط الاميركي في السعي لاخفاء الحقيقة عن الرأي العام العالمي بما يخدم الاجندة السياسية للادارة الاميركية الحالية التي لا تريد خسارة "البقرة الحلوب" التي تدر الاموال على الرئيس الاميركي دونالد ترامب ومشاريعه السياسية والانتخابية، ما يؤكد ان الاميركيين يعتمدون الكيل بمكيالين وبتلاعبون كعادتهم بالمبادئ وتفسيراتها بحسب ما تفرضه مصالحهم.
ولكن مهما حاول النظام السعودي من المناورة والتهرب عن الاعتراف بمسؤوليته الكاملة والحصرية عن اغتيال خاشقجي، فهو سيضطر في النهاية للرضوخ امام الوقائع الدامغة التي تضييق الخناق يوما بعد يوم على محمد بن سلمان، الامر الذي سيفتح الباب عن سيل لا محدود من التساؤلات عن الجرائم التي ترتكب يوميا بحق المعتقلين في سجون آل سعود وعن أعداد النشطاء والمعتقلين الذي قتلوا وقطعوا وذوبت اجسادهم كما حصل مع خاشقجي في القنصلية السعودية بتركيا، فما جرى هو نقطة في محيط الاجرام الذي يغرق به آل سعود منذ عشرات السنين وحتى اليوم، وكل ذلك سيدفع عاجلا ام آجلا الى محاكمة هؤلاء الحكام ومحاسبتهم امام التاريخ لارتكابهم كل هذه الجرائم ضد الانسانية.