مما لا يخفى على الكثير من المحللين والمتابعين للشأن اليمني، هو التنافس بين السعودية والأمارات على النفوذ في اليمن, إذ نشأ هذا التنافس منذ أن بدأ العدوان العسكري لما يسمى بالتحالف العربي، بقيادة الرياض على اليمن عام ٢٠١٩ بعد استيلاء أنصار الله على العاصمة صنعاء. التحالف الذي تشكل بالدرجة الأساسية من السعودية والإمارات ، فالأخيرة وجدت في هذا العدوان فرصة سانحة لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها في أن تكون لاعبا إقليمياً مؤثراً في شؤون المنطقة والعالم، سيما بعدما وجدت سندا لها في هذا التوجه، هو الكيان الصهيوني بعد التطبيع معه, بينما السعودية، وتاريخياً تعتبر اليمن. حديقتها الخلفية . وعمقها الاستراتيجي، يضاف إلى ذلك ثمة تداخل جغرافي وسكاني (ديموغرافي) بين السعودية وبعض المناطق اليمنية، واطماع تاريخية سعودية بضم هذه المناطق إلى المملكة !! أو على أقل تقدير لا توجد, أو ضمان عدم وجود قوة معادية ومهددة للأمن في تلك المناطق! بالطبع ظل هذا التنافس بين الطرفين خفياً، وان تجلى بضربات وبقصف عسكري لمرتزقة الإمارات والسعودية لبعضها البعض الآخر, ولكن سرعان ما تحتويه الإدارتان السعودية والإماراتية. بالادعاء إنه نيران صديقة أو حصل بالخطأ أو بتحميل الحوثيين المسؤولية وهكذا.
على أن حقيقة هذا الصراع والتنافس ظلت تكبر وتتكشف بين الحين والآخر حتى تجلت بشكل واضح وعلني بين الطرفين بالزحف الذي قام به المجلس الانتقالي بقيادة عيد روس الزبيدي واجتياحه عدن وحضرموت والمهرة والسيطرة على مراكزهما الإدارية والنفطية والإستراتيجية، وطرده القوى المحلية التي كانت تلقى الدعم والتحويل من السعودية، ومنها القوات التابعة للإخوان المسلمين التي كانت تتمركز في المنطقة العسكرية الأولى التي تعد بعض مناطق حضرموت جزء منها.. وذلك في إطار أطلق عليها "عملية المستقبل الواعد"!
السعودية حاولت في البداية احتواء الأمر بإرسال مندوب لها هو الدكتور محمد بن عبيد القحطاني وآخرون إلى حضرموت, وفورا التقى الموفد السعودي والوفد المرافق له مع المحافظ هناك سالم أحمد الخنبشي, بالإضافة إلى شخصيات تمثل الطرف الآخر أي الانتقالي, وتوصل المجتمعون إلى اتفاق يقضي بالتهدئة والانسحاب التدريجي لوحدات الانتقالي المتوغلة في حضرموت والمهرة, واحتواء تلك التطورات بصورة هادئة.. وعلى خلفية هذا التحرك السعودي اعتبر البعض من المحللين والمراقبين, أن هناك مسرحية ينفذها السعودي والإماراتي بهدوء لتغيير المشهد اليمني! وذهب البعض من هؤلاء المحللين إلى أن العملية تمت بالاستلام والتسليم بين الرياض وأبو ظبي لتغيير المشهد اليمني, أو تقاسم النفوذ والسيطرة على ثروات اليمن في حضرموت والمهرة!! غير أن احتفالات الانتقالي بما اسماه "تحرير الجنوب" وتصريح رئيسه المتلاحقة التي أعلن فيها أن جنوب اليمن وضع على سكة "الاستقلال", رافضاً كل قرارات السعودية واستمرار الشراكة مع مجلس الرئاسة اليمني بقيادة أو رئاسة رشاد العليمي. وداعياً إلى خروج بقية القوات الموالية للسعودية أو تسليم أسلحتها, حتى أن بعض مساعدي عيد روس الزبيدي اعتبر أوامر العليمي القاضية بالانسحاب من المناطق التي احتلتها, بأنها ستوضع في سلة القمامة!! بحسب تعبيره.. كل ذلك أشار الى أن هذه التطورات تنطوي على تحرك جدي, ثم جاءت التهديدات باستخدام القوة العسكرية إن أصر المجلس الانتقالي الجنوبي على البقاء والتمركز في المناطق الشرقية والجنوبية لليمن, ما عزز ذلك التصور لدى السعوديين بأن الإمارات ناوية عبر أدواتها وعلى رأسها المجلس الانتقالي برئاسة عيد روس الزبيدي نحو السيطرة الكاملة على جنوب وشرق اليمن, وإخراج السعودية من المشهد اليمني أو على الأقل جعل دورها فيه هامشي على صعيد النفوذ في المناطق الجنوبية والشرقية الواقعة تحت سيطرة الاحتلال السعودي والإماراتي ومرتزقة الرياض وأبو ظبي من اليمنيين..
على أن التحرك الآنف لأدوات الإمارات للسيطرة على الجنوب والشرق لم يجر ضمن لعبة التنافس وصراع النفوذ بين الرياض وأبو ظبي المعتادة وحسب, وإنما يعبر عن مشروع خطير تقوده الإمارات ومن ورائها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة, لا يهدد الأمن القومي السعودي واليمن فحسب, بل يهدد منطقة الخليج بأسرها! وما يعزز هذا التصور هو التفاعل الصهيوني مع تحرك الانتقالي نحو المحافظات الشرقية, حضرموت والمهرة, والجنوبية كعدن, فعلى سبيل المثال وصف الخبير "الإسرائيلي" البارز آفي أفيدان السيطرة العسكرية لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي على وادي حضرموت النفطي بأنها نجاحات عسكرية بارعة, وعبقرية خلقتها الإمارات! وكتب هذا الخبير على منصة اكس في تحليل مطول: " إن قوات المجلس الانتقالي استولت على سيئون ببراعة دون مقاومة تذكر". مما وضع أكبر احتياطات اليمن النفطية تحت سيطرة التحالف الجنوبي الطموح. وأثنى الخبير "الإسرائيلي" على الدور الخطير الذي تضطلع به الإمارات في تمرير هذا المشروع الصهيوني الأمريكي على المنطقة قائلاً: "تفكيك بؤر الإرهاب في اليمن, محافظة تلو الأخرى لترسي الإمارات وإسرائيل شرقا أوسطيا أكثر أمانا مزدهرا ومتكاملا وخاليا من الإرهاب" على حد قوله, مشيرا إلى أن اتفاقات إبراهيم الثانية ليست حلما, بل هي انتصار!!" مبينا أن الإمارات "تستحق كل الثناء لتحقيق هذا الهدف, لتحرير الولايات المتحدة من عبء الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط!!"
وفي التفاصيل فأن المشروع الإماراتي الصهيوني في جنوب وشرق اليمن, والذي يتحرك عبر أدوات الإمارات من خلال زحفهم على حضرموت والمهرة, يستهدف تحقيق أهداف إستراتيجية وتكتيكية خطيرة نشير إلى بعضها بما يلي:
1ـ تعزيز القبضة الصهيونية في الجنوب اليمني، فكما هو معروف طبقاً لما كانت قد أعلنته وسائل إعلام يمنية وعربية، أن الأمارات منحت العدو تواجداً أو تمركزاً في بعض المواقع في جنوب اليمن وأنشأت له قواعد عسكرية ومراكز استخبارات ورصد، استخدمها العدو وما يزال في التجسس ضد أنصار الله، ولذلك فأن عملية الاستيلاء على الجنوب والمحافظات الشرقية، هي لتعزيز هذا التواجد الصهيوني وتكريسه في الساحة اليمنية فضلا عن توسيع النشاط الصهيوني إلى السيطرة والاستحواذ على ثروات الجنوب اليمني وتمكين العدو من تعزيز خططه ومؤامراته ضد أنصار الله!
2ـ ما دامت الأمارات تشكل اليوم الغطاء الذي تتحرك من خلاله الصهيونية دون إثارة وردة فعل الشعوب الغاضبة والرافضة، فلا بد- من وجهة نظر الصهاينة- منح الإمارات دوراً وحركة أكثر مما هو لها، من أجل تسريع حركة المشروع الصهيوني في المنطقة وعلى حساب الدور السعودي، لأن السعودية لا تتمتع بالمرونة التي تتمتع بها الإمارات من حيث اتخاذ القرارات والذهاب بعيدا في الاندماج مع الأجندات الصهيونية، وهذا ما أكده تقرير مهام نقله الموقع الفرنسي "ذا دارك بوكس" عن مصدر عربي رفيع المستوى، أكد ما وصفه التنسيق السري بين إسرائيل والإمارات بهدف إضعاف الدور الإقليمي للسعودية داخل الخليج وفي المنطقة ... وأشار التقرير إلى أن الإمارات برزت خلال السنوات الأخيرة بوصفها اللاعب الأكثر نشاطاً وطموحاً, من خلال إستراتيجية تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي على حساب القيادات التقليدية وفي مقدمتها السعودية. ووفقاً لهذا الموقع فإن إسرائيل رأت في هذا الطموح الإماراتي فرصة إستراتيجية لإعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي بما يخدم مصالحها بعيدة المدى ... ويقول التقرير إن صانعي القرار في تل أبيب باتوا ينظرون إلى الرياض بوصفها عقبة أكثر من كونها شريكا استراتيجيا" بسبب ما وصفه التقرير بالحذر السعودي المزمن، الذي تفرضه اعتبارات داخلية ودينية وإقليمية, خصوصاً فيما يتعلق بملفات التطبيع والانخراط العلني في تحالفات جديدة!! وأشار التقرير إلى أن اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والإمارات فتحت مجالات تتجاوز بكثير التعاون التجاري والدبلوماسي لتشمل ـ بحسب الموقع المذكور ـ إنشاء قنوات نشطة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمني, والتخطيط الاستراتيجي المشترك.. ويرى الصهاينة بحسب التقرير أن من خلال دعم صعود الإمارات كشريك إقليمي رئيسي تكسب إسرائيل حليفا منفتحا على التعاون العسكري والاقتصادي, دون أن يملك الثقل الديني أو الرمزي الذي يفرض على السعودية حسابات داخلية وإقليمية معقدة, الأمر الذي يمنح تل أبيب هامش حركة أوسع في تنفيذ أجندتها الإقليمية!!
3ـ أن يتحول اليمن الجنوبي إلى قاعدة إسرائيلية, سيما وأن الزبيدي وطارق عفاش أعلنوا مرارا أنهم على استعداد للتحالف والتعاون مع العدو, ودخول أبواب "التطبيع الإبراهيمي" إلى جانب سيدهم الإماراتي._على حساب الهيمنة السعودية التي تختلف معهم على المكاسب لا على المبدأ_ فقبول أن يتحول اليمن إلى قاعدة عسكرية صهيونية ونقطة تمركز فذلك يشكل خطورة بالغة على اليمن وعلى المصالح السعودية وعلى منطقة الخليج لأنه يمنح إسرائيل نقطة ارتكاز تمكنها من التحكم بالممرات المائية في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار القواعد العسكرية الصهيونية الحالية في أثيوبيا وتلك التي استحدثتها الإمارات للعدو في مقاطعة صومالية فيعني ذلك أن العدو وكعادته حتى مع عملائه وضع مصر والسودان والسعودية وكل منطقة الخليج في كماشة, وفي أي لحظة يمكنه خنق أي من هذه الدول بقطع المياه, بالنسبة لمصر والسودان, أو بالمحاصرة والضغط العسكري بالنسبة للسعودية واليمن وباقي دول الخليج بما فيها الإمارات نفسها.. وهذا ما أوضحه أو أشار إليه ضمنا الخبير الإسرائيلي سابق الذكر آفي أفيدان! فبالنسبة إلى خططهم المعادية لصنعاء, كشف آفيدان عن أن هذا التحرك هو إستراتيجية أوسع وصفها بإستراتيجية "الكماشة" الإماراتية الإسرائيلية التي تهدف إلى التفوق على قوات صنعاء في كل منعطف. ووفقا لهذا الخبير تبدأ هذه الكماشة من جزيرة سقطري الإستراتيجية التي تحتوي على مراكز استخباراتية مشتركة بين الإمارات وإسرائيل, وتمتد إلى عدن لتصل إلى مساحة حضرموت الواسعة! وربط أفيدان صراحة بين هذه التطورات الميدانية والدور الإسرائيلي قائلاً: "إسرائيل تسيطر على السماء والبحر وتشن غارات ضد الحوثيين منذ عام 2023. موضحا أن ذلك أدى إلى تحول القوات البحرية مع حلفائها في البحر الأحمر إلى حاجز منيع ضد الأسلحة الإيرانية. على حد قول هذا الخبير.. وتطرق هذا الخبير إلى الدور الإقليمي الذي تقوم به الإمارات خدمة لأجندات العدو الصهيوني قائلاً: إن ثورة أمنية تصدر الاستقرار إلى بونثلاند في الصومال وليبيا حفتر وحتى شبكات قوات الدعم السريع في السودان, مؤكداً أن هذه الكماشة لن تزول قريباً:! على حد قوله.. وهذا ما أكدته "جي بوست" الصهيونية أيضاً! غذ اعتبرت أن التطورات في جنوب اليمن حال نجحت ستؤدي إلى حصول إسرائيل على حليف رئيسي في المنطقة يتمتع بموقع استراتيجي لإضعاف نفوذ إيران في خليج عدن وضد جماعة الحوثي" وأكدت الصحيفة أن سيطرة مرتزقة الإمارات على جنوب اليمن سيمكن إسرائيل من الاستحواذ على النفط والمعادن وباقي الثروات في الجنوب, بالإضافة إلى إضعاف النفوذ السعودي.
4ـ إن انفصال الجنوب اليمني عن اليمن, وهو ما أعلن انجازه عيد روس الزبيدي وأعوانه وسيده الإماراتي من وراء هذا التمدد, سوف يؤسس للعدو الصهيوني فرصة العمل على تهيئة ظروف الانقسامات داخل الكيانات العربية, سيما وأن نتنياهو اعترف بما اسماه استقلال "صومالاند" في إطار خطوة لتشجيع ظاهرة تجزئة الدول وتفكيكها. تمهيدا لقيام ما يسميه نتنياهو: إسرائيل الكبرى في المنطقة التي تمتد حدودها بحسب "التوراة" من النيل إلى الفرات! واللافت إن الإمارات باتت رأس الحربة في هذا المشروع, ولذلك فإن الأوساط الصهيونية الإعلامية والسياسية لا تتوقف عن الإطراء والثناء على الإمارات ودورها في تحقيق الأحلام الصهيونية!!
على أي حال, السعودية لحد الآن نجحت في تعطيل ووضع حد لهذا الاندفاع السريع للمشروع الصهيوني ـ الإماراتي الرامي إلى تفكيك المنطقة ومحاصرتها وأخرجت الإمارات شكليا من اليمن, وأُخرج الانتقالي من حضرموت والمهرة, وفشلت عملية "المستقبل الواعد", ألا أن هذا المشروع لم يمت ولم يجهض فسوف تنتهز الإمارات والعدو الصهيوني فرصة أخرى لإحيائه, لأن الإمارات لم تخرج من اليمن, لأن سبق وأن أعلنت الخروج, وها هي تعلن مرة أخرى الخروج. يضاف إلى ذلك أن الإمارات أحكمت وجودها في الجنوب اليمني من خلال إيجاد وإنشاء قوى مسلحة من اليمنيين المرتبطين بها, من أمثال الانتقالي وغيره.. ولذلك, فإن خطورة المشروع الآنف تراجعت ولم تنته ويمكن أن ينفذه العدو بأدوات أخرى, فهذا الاحتمال أيضا موجود, مما يتطلب اليقظة والحذر والتصدي لمثل هذه المشاريع الخبيثة.
عبد العزيز المكي