التغيير –طلال حايل
الحديث عن الإصلاح الذي يقوم به محمد بن سلمان حديث ذو شجون، وربما لا ينتهي؛ فالمتابع لتطورات الأحداث في مملكة آل سعود يرى أنّ هذه العائلة اختزلت كل أنواع الانفتاح والاصلاح بدعواتٍ للتفلت والانحلال، وآخر صرعات الانفتاح البن سلماني جلب المغنية الأمريكية "مارياكاري"للغناء في جزيرة العرب وذلك في تناغم واضح مع ما قاله سابقًا بأنّه يريد للإسلام أنّ يكون وسطيًا، وبمعنى أدق "إسلامًا أمريكيًا" وذلك في سبيل رسم صورة ورديّة عن الحالة التي يعيشها أبناء نجد والحجاز، وايهام الخارج بحجم التغيير الحاصل بالمملكة، مُتناسيًا في الوقت ذاته حال السعوديين الممنوع عليهم حتى الكلام.
في هذا التقرير سنُحاول تسليط الضوء على الحريات الإعلامية في بلاد نجد والحجاز، وهي الغائبة منذ تسلط أبناء سعود على مقاليد الحكم، وما يدفعنا إلى الحديث عن هذا الموضوع الآن هو الاصلاح الذي يدّعيه بن سلمان، وكأن الإصلاح يستثني كل مفاصل الحياة مُنحصرًا بالاصلاح الغنائي، أو ما بات يُطلق عليه بالترفيه.
اعتقال الصحفيين والناشطين والتضييق عليهم ليس بالأمر الجديد في سجل آل سعود، حيث يقبع حالياً عشرات الصحفيين في سجون آل سعود بسبب عملهم الإعلامي أو نشاطهم على مواقع،التواصل الاجتماعي، وبالإضافة إلى قتل الصحفي جمال الخاشقجي،يُعتبر الصحفي طراد العمري في عداد المعتقلين منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وما تزال سلطات آل سعود تنكر معرفتها بأيِّ معلومة عن العمري.
قمع مُقونن
ولو أردنا تتبع حالات قمع الحريات في مملكة آل سعود لوجدنا أنّه تمّت قوننتها بشكل قوانين ومراسيم ملكيّة ومنها على سبيل المثال لا الحصر مشروع النظام الجزائي لجرائم الإرهاب وتمويله والذي تنص المادة 44منه على أنه"يُعاقب بالسجن مدّة لا تقل عن خمس سنوات لكل من روّج بالقول أو الكتابة بأي طريقة لأي موضوع مناوئ للتوجهات السياسية للملكة أو أي فكرة تمس الوحدة الوطنية أو دعا إلى الفتنة وزعزعة الوحدة الوطنية بما في ذلك من استغل أي نشاط مشروع لهذا الغرض".
وكانت أجهزة آل سعود قد أصدرت قانون "الجرائم المعلوماتية"وهو نظامٌ للجرائم من شأنه تمكين مخابرات آل سعود وأجهزته القمعية من معاقبة أي مواطن وذلك لوجود مساحة واسعة من الاجتهاد في المفاهيم التي حملها ذلك القانون بدون أي ضابطة قانونيّة، ويمكن تشبيهها بـ "قانون الطوارئ" فيمكن أن نُشاهد في مادته السادسة مثلا: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ينتج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي".
وبقراءة سريعة لتلك القوانين نرى أنّ كل أبناء البلاد وليس فقط الصحفيين والناشطين باتوا مُتهمين بنظر آل سعود، وعلى هذا أساس هذا القانون الفضفاض بدأت استخبارات آل سعود بملاحقة كافة الناشطين والصحفيين مستخدمة في هذا السبيل كافة أساليب الملاحقة، التضييق، القمع وانتهاءً بالاخفاء القسري.
إلى متى؟
يتسائل الكثير من المراقبين عن قدرة نظام آل سعود على الاستمرار في ممارسة ضغوطه على الصحفيين والناشطين على المدى الطويل، فمنذ انتشار وسائل التواصل التكنولوجية، بالإضافة إلى الإنفجار الديموغرافي في الجزيرة، الأمر الذي أدى لوصول شريحة كبيرة من الصحفيين والناشطين السعوديين وبلا حدود إلى كافة المعلومات والتي كانت إلى وقتٍ قريب غير مُتاحة إلّا في أروقة أجهزة المُخابرات، ومشاركة الصحفيين والناشطين تلك المعلومات مع العامة، أصبح سلوك آل سعود ورجال مخابراتهم أقرب إلى محاكم التفتيش التي كانت منتشرة في أوروبا في العصور الغابرة.
وبالإضافة إلى ما سبق؛ أصبحت قدرة الصحفيين والناشطين على إشراك العامة من الشعب في النقاشات الكبيرة المتعلقة بالديمقراطية والمشاركة السياسية وضرورة الاصلاح، هاجسًا آخر يقضُّ مضاجع آل سعود.
وفي النهاية يمكن القول أنّ حكومة آل سعود اتخذت من مكافحة الإرهاب شمّاعة لسن قوانين جديدة تمكّنت من توظيفها لمعاقبة النشطاء والصحفيين وأي مطالب بالحرية في مملكة الظلم السعودية، واليوم يخرج للعلن السؤال الجوهري في هذه المملكة خصوصًا في زمن حرية المعلومات والفضاء المفتوح، كيف سيمكن آل سعود وأزلامهم من رجال المُخابرات من مجاراة جيل شاب منفتح على العالم يطالب بحقه في التعبير بدون وصاية آل سعود على أجهزة إعلام أكل عليها الزمن وشرب؟