بقلم: فيصل التويجري
"بناء اقتصاد مزدهر وتأسيس مجتمع حيوي ووطن طموح"، هي عناوين ارتبطت بترويج لرؤية محمد بن سلمان 2030 لكنها على ما يبدو صارت سراباً فقد زادت الضغوط الاقتصادية على كاهل السعوديين ونكبت ملايين الوافدين بعدما فرضت عليهم وعلى أسرهم رسوماً مالية باهظة، حيث اضطر أكثر من مليون وثلاثة مئة وستون ألف منهم الى مغادرة السعودية حتى نوفمبر من العام الماضي بعدما أفنوا أعمارهم في بناء السعودية والعدد يواصل الارتفاع اذ أشارت تقارير هذا الشهر الى أنه تجوز عدد الهاربين من السعودية المليون وستمئة الف وهو يتحرك صعوداً مع تراجع أسعار النفط وتجميد الأعمال وعدم سداد مستحقات الشركات الخاصة لدى الحكومة.
وقف بن سلمان متفرجاً غير آبه بما يحدث على الصعيد الداخلي بل على العكس تماماً أخذ بتوزيع مليارات الشعب السعودي على مشاريعه الخارجية التي لا تقدم ولا تأخر في محاولة منه لتحسين صورته أمام الرأي العام الدولي بعد تورطه بقضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده العام الماضي في أسطنبول، فحاول شراء الذمم في باكستان والهند والصين وهو اليوم يضخ ملياراتنا لدعم الاقتتال في ليبيا والسودان ولا يكف عن التدخل في لبنان عبر أموالنا أيضاً.
وبسبب هذا البذخ هنا وهناك تضررت شركات القطاع العام والخاص مما دفع ببعض الشركات المتوسطة والصغيرة الى اغلاق أبوابها ما دفع الحكومة السعودية الى البدئ بمراجعة سياسة فرض الرسوم على العمالة الأجنبية وتخصيص فقط 3 مليارات من الدولار كتعويض للقطاع الخاص عن زيادة الرسوم على العمالة الوافدة. وهنا يطرح السؤال التالي هل ترمم هذه الإجراءات الاضرار وتحد من الخسائر الاقتصادية؟ وهل تسريح العمالة الأجنبية كاف لتخفيض البطالة بين السعوديين؟
وفي هذا السياق طالب رجال أعمال ورؤساء الغرف التجارية والصناعية في السعودية وزير العمل علي الغفيص بتجزئة المقابل المالي على العمالة الأجنبية في الشركات ليتم تحصيله شهريا أو كل ثلاثة أشهر بدلا من سنة كاملة مقدما. وقال رجال أعمال حضروا لقاء الوزير مساء أمس الأحد لوكالة الأناضول إنهم طالبوا بتمديد التوازن المالي للرسوم حتى العام 2025، أي التدرج في رفع الرسوم حتى 2025 بدلا من 2020. ودعا المجتمعون أمس إلى اعتبار تلك الرسوم رصيدا للشركات لدى وزارة العمل في حالة الخروج النهائي للموظف الأجنبي نتيجة توطين المهنة التي يعمل بها.
كما وبدأُ السعوديون في الشكوى من ارتفاع تكاليف العمالة جراء ترحيل مئات الآلاف من العمال الأجانب المخالفين لقوانين العمل والإقامة منذ بداية العام الجاري، رغم أن اقتصاديين يشددون على الفوائد التي يمكن جنيها على المدى البعيد من هذا الترحيل في تنظيم سوق العمل. وذكر مهنيون سعوديون ومقيمون أن مشاهد تجمع أصحاب الحرف الحرة في ساحات عمومية سعيا وراء العمل اختفت منذ بدأت قوات الأمن الاثنين الماضي حملة مشددة لمحاربة العمالة المخالفة عقب انتهاء المهلة التي منحتها الرياض لتصويب أوضاعهم القانونية، وقد تم اعتقال آلاف العمال المخالفين في العديد من المدن السعودية مثل الرياض وجدة وغيرهما.
وبالرغم من كل هذه الإجراءات وسعودة القطاعين العام والخاص كشفت تقارير رسمية أنه خلال العامين الماضيين 2017 و2018 تراجعت معدلات البطالة من 12.8 الى 12.7% فقط أي أن تدمير القطاع السعودي وطرد العمالة الأجنبية الكفؤة وسعودت القطاع السعودي كان ثمرته خلال العامين الماضيين 0.1% فقط!
كما أن معدلات الفقر في السعودية بقيت على حالها، حيث قدرت تقارير غير رسمية أن نسبة الفقر في السعودية ما بين 15 و25%، الا أن صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية كان لها رأي آخر حيث كشفت في تقرير سابق، تزايد معدلات البطالة والفقر، مشيرة إلى أن "ما بين مليونين وأربعة ملايين سعودي يعيشون على أقل من 530 دولارا شهريا أي (17 دولارا يوميا)، وأن الدولة تخفي نسب الفقر".
كما وتفيد إحصائيات منظمة العمل الدولية بأن البطالة تتفشّى وسط الشباب السعودي، لا سيَّما الإناث منهم، فقد بلغ معدل البطالة للفئة العمرية (15-24 سنة)، بحسب تقديرات المنظمة، 25% في 2017، وقُدِّر بين الذكور لنفس الفئة العمرية الشابة بـ 18.4%، مقابل النسبة الصارخة للإناث والمقدّرة بـ 46.9%.
في الختام لا يسعنا الا أن نقول كان الله في عون الشعب السعودي الذي تحمل الكثير والكثير من الاضطهاد والقمع وهدر للأموال بسبب رؤية محمد بن سلمان الذي أظهر للكثيرين أن وعوده ما هي إلا وعود رنانة تفتقر الى الواقعية والانسجام مع واقع مرير أضحى أكثر مرارة بسبب سياساته الاقتصادية والسياسية المجنونة.