طلال حايل
عشرات أو مئات الآلاف من مريديه يقفون اليوم حائرين فاغري أفواههم بعد النكوص المخزي الذي بدا عليه الداعية السعودي عايض القرني بعد أن أعلن أنّ كلّ الفتاوى التي صدرت إبان "الصحوة الإسلامية" -والتي امتدت من أواخر السبعينات مرورًا بالثمانينات والتسعينات والبدايات الأولى لهذا القرن- ما هي إلّا خزعبلات من بنات أفكاره، وأنّ تلك الصحوة كانت تقوم على المظهر مع إهمال المضمون، وإنّه اليوم يعود عن تلك الفتاوى بعد أن اعتنق المذهب الإسلامي الجديد الذي يُمثله ويقوده ولي عهد آل سعود محمد بن سلمان.
نكوص القرني اليوم يُفسّر التدخل الغربي والأمريكي خصوصًا في السياسة الخارجيّة والدينيّة لآل سعود، وتسيير "الإسلام السعودي" بحسب ما تقتضيه المصالح الأمريكية، وبغض النظر عن المصلحة الحقيقة لشعوب الجزيرة العربية أو حتى المصلحة الحقيقيّة للإسلام، مُتخذًا من آل سعود وشيوخهم أدوات لتنفيذ تلك المصالح.
الصحوة المزعومة
الصحوة التي تحدث عنها القرني والتي كان أبرز مُنظّريها والتي نكص عنها اليوم تُفسر الاستغلال التاريخي للإسلام من قبل آل سعود وذلك بحسب ما تقتضي مصالحهم، وما كانت "الصحوة" المزعومة إلّا نوعًا من التماهي مع السياسات الغربيّة ولا سيما الأمريكية منها، حيث كانت تقتضي تلك المرحلة تشكيل جماعات تُقاتل باسم الإسلام ظاهريًّا، ولكنها في الحقيقة تُنفذ الرغبات الأمريكية، وقد عبّر ابن سلمان ذاته غير مرّة أنّ التشدد الذي شهدته الجزيرة العربية كان بدفعٍ من الأمريكيين، لتفادي الزحف الشرقي "السوفييتي" حينها، وهو ما دفع الآلاف من الشباب إلى الاتحاق بالـ "جهاد" في أفغانستان وهم من باتوا يُعرفون بالأفغان العرب، واستمرّت "الصحوة" تلك إلى ما بعد انسحاب الروس من أفغانستان، ليبدأ بعدها "شحن" المُقاتلين حسبما تقتضي الحاجة لهم، لتكون المُفاجئة الكبرى لأمريكا ويأتي الحادي عشر من سبتمبر وتضرب تلك المجموعات التي شكلتها وسلحتها ودربتها أحد أبرز رموز السيطرة والهيمنة الأمريكية على العالم، لتبدأ بعدها حملة أمريكية جديدة لتبديل الدين في الجزيرة العربية لتتماهى مع الغرب والتوجّهات الأمريكية الجديدة، والتي رأت في الانحلال السبيل الأمثل للسيطرة على الجزيرة العربية.
الإسلام الأمريكي
الصحوة سابقًا، أو الانفتاح والإسلام الوسطي، جميعها أسماء للإسلام الذي تُريده أمريكا، وتريد من آل سعود تطبيقه عبر شيوخهم، وخيرُ مثالٍ على ذلك ما قاله ابن سلمان ذاته في إحدى مقابلاته، حين أكّد أنّ الأمريكيين طلبوا منهم تشكيل الجماعات المقاتلة في أفغانستان وهو ما توجّب تغيير نهج آل سعود من الوهابية إلى التكفير، واليوم يخرج ابن سلمان ليؤكد أنّ نهجه يقوم على مُحاربة الوهابية والتطرف والتكفير يقول ابن سلمان: "نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان، لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفوراً"، وتابع: "سوف نقضي على التطرف في القريب العاجل"، وهو اعتراف ضمني بأنّ ما كانت عليه مملكة آل سعود لا يغدو كونه تطرفًا وإرهابًا و.....
واليوم أيضًا يُباهي ابن سلمان بالإسلام الأمريكي المُنفتح القائم على الانحلال التام تماهيًا مع الرغبات الأمريكية، ولهذا السبب جيّش جيوشًا من مُدعي التدين والمعرفة كالقرني والعريفي والكلباني والكثير من هؤلاء بهدف تمييع المجتمع، وفي الوقت ذاته زجّ الكثير من العلماء من الرافضين لهذا التوجيه في أقبيته الأمنية ليكونوا عبرةً لغيرهم من العلماء ممن يُفكرون بمواجهة الرغبات الأمريكية.
وفي النهاية يمكن الخروج بنتيجة مفادها أنّ آل سعود وشيوخهم وإسلامهم لا يُمثلون الإسلام الحقيقي بأيِّ شكلٍ من الأشكال، وأنّ كلَّ ملكٍ من ملوكِ آل سعود يُحوّر الإسلام بحسب ما تقتضيه المصلحة الأمريكية، كما وأنّ شيوخ السلطان الذي يعتمدهم آل سعود في تسيير شؤون الرعيّة ما هم إلا أدوات يستخدمهم آل سعود ومن خلفهم الأمريكيون تارةً للخروج بإسلام مُتشدد وتارةً أخرى لتمييع الإسلام مُتخذين من المكانة الدينيّة للحرمين الشريفين الموجودين في جزيرة العرب، ولا عجب إذا خرج علينا القرني لاحقًا ليقول وبعد رحيل ابن سلمان بأنّه غيّر منهجه من الإسلام الوسطي "الصحوة" إلى الإسلام المُعتدل "السلماني" وفي المستقبل ربما نسمع أنّه غيّر منهجه إلى الإسلام "الصحيح" في حال تولّى الحكم أحدًا من آل سعود وأراد أن يُغير الإسلام حسب المصلحة الأمريكية اللّاحقة.