* جمال حسن
كلهم على ذات الشاكلة امتهنوا سرقة قوة ولقمة عيش المواطن منذ بداية دويلتهم الثالثة على يد والدهم عبدالعزيز وحتى يومنا هذا، لكن الحفيد بات أكثر طمعاً وحرصاً ولصوصية من جده وأعمامه، فبات مضرب للأمثال واعتلاء نسبة الفقر والبطالة والتمييز المناطقي على عهده لا حد له ولا وصف.
المشكلة أنه عندما تسرق السلطة لقمة عيش المواطن وتدفعه للبحث عنها حتى في مزابل ولائمها وتسكعه في الشوارع، ونسبة الفقر في طبقاته باتت مخزية لأغنى بلد في العالم وأكثره تصدير للثروة النفطية حيث أرتفع الى أكثر من 45% وفق الاحصائيات الدولية رغم إنعدام الشفافية في تعامل السلطة السعودية في موضوع أرقام وحقائق الفقر في بلاد الذهب الأسود.
لسنا من يجعل من الحبة قبة بل هذه وزارة مالية الكيان السعودي تعترف وفي بيان رسمي لها عجزاً قدره 82 مليار ريال خلال العام الجاري 2023 مقارنة بفائض 16 مليار ريال في تقديراتها السابقة، حيث ارتفاع إنفاق ولي العهد وحاشيته الى مستوى عالٍ يفوق التقديرات السابقة لتتجاوز 26ر1مليار ريال، ستحل الكارثة على لقمة عيش المواطن فقط وفقط.
ومع التغييرات الاقتصادية الكبيرة خلال السنوات الأخيرة التي جاءت بفضل تصرفات محمد بن سلمان على شكل لصوصيته للمال العام أو سياسته الاقليمية والدولية ومشاركته الواسعة في الحروب بالوكالة؛ تضرر حجم كبير من الأسر في الجزيرة العربية وازدادت الأعباء عليها، ما دفع السلطة الإعلان عام 2017 عن إنشاء برنامج يسمى "حساب المواطن"، كاشفة فيه من أن 10 مليون شخص تقريبا يستفيدون من برنامج الدعم هذا!! أي أكثر من ثلث الشعب، ما يعكس الى حد بعيد أرقام الفقر في السعودية.
ووفقا لأحدث تعداد أجري في البلاد ، والذي أصدرته الهيئة العامة للإحصاء، في آيار/ مايو الماضي، فقد بلغ إجمالي عدد سكان البلاد 32.12 مليون نسمة خلال العام الماضي 2022؛ حيث يشكل أبناء الجزيرة العربية 58.4% من إجمالي السكان، في حين أن 41.6% هم من الأجانب.
فعندما تسرق السلطة الحاكمة بمختلف مؤسساتها، المواطن ومُستعملةً مختلف الوسائل وعلى كافة المستويات؛ وعندما تتصرف إستطراداً وكأنها المالك لرقاب الشعب ولقمة عيشه وما يملك، وعندما تستند بسلطتها الى قوانين تكرس الاستغلال والتنمر وجبروت الاستبداد، يطرح السؤال نفسه عن ماهية المسؤولين في هذه المدرسة المشؤومة في سن كل هذه القوانين الجائرة ومن يحمي المواطن من مثل هذه السلطة وجبروتها وتعسفها ؟.
والسؤال يطرح نفسه، لماذا تكون الحكومة في خدمة الأسرة الحاكمة بعينها على حساب المواطن وحقوقه، وتجعل من المواطن خادماً للسلطة الجبائية المستفحلة عوضاً عن أن تكون الدولة هي الخادم للمواطن والحامي لحقوقه؛ فعندها يصبح المواطن في أزمة، وتصبح حياته جحيماً لا يطاق، ويصبح كاظماً للغيظ قابضاً على الجمر، من الذي يدافع عن حقوقه المسلوبة بوضح النهار؛ ولكن الى متى؟؟
ولكن ما يثير السخرية المبكية على حالنا هو أن عوائد البترول الكبيرة جداً والتي تتصدر دول العالم، تذهب سدى في خدمة محمد بن سلمان وأفكاره ورغباته الطائشة التي تصب كلها في خدمة إبقائه في السلطة واعتلائه العرش بأي ثمن كان؛ فبدلاً من استثمار عوائد البلاد من النفط والسياحة الدينية لبناء البنى التحتية في البلاد وإعداد فرص عمل لجيش البطالة في صفوف شبابنا نراه يلبي رغبات أسياده بتهريب المال العام الى خارج البلاد.
ففي هذا الاطار نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن "جاريد كوشنر" صهر رئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وكبير اصدقاء ومستشاري محمد بن سلمان وقائد أعماله، قوله بأن لديه الإذن من ولي العهد لاستثمار رؤوس الأموال السعودية وبحجم كبير في «إسرائيل»؛ ثم إعتراف السلطة السعودية الحاكمة بهذا الأمر بكل وقاحة!!.
كما كشف صندوق الثروة السيادية السعودي، ممثلا في ذراعه الإستثماري الخاص "سنابل"، عزمه ضخّ استثمارات مالية "مكثفة وكبيرة" في عدد من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، كاشفة عن اعتمادها موازنة لنحو 60 مشروعاً اسرائيلية، حسب ما ذكر أحدث تقرير لموقع "غلوبس" الاسرائيلي.
وتشمل رغبة محمد بن سلمان استثمار المال العام السعودي في شركات اسرائيلية حديثة التأسيس مثل “إنسايت بارتنرز”، “كوتو”، “جنرال أتلانتيك”، “كولابوراتيف”، “سترايبس” و “كيه كيه آر”؛ لا يعرف مستقبلها، في الوقت الذي أوقفت السلطة الحاكمة مشاريع البنى التحتية خاصة في قطاع الخدمات في المملكة بذريعة العجز في الموازنة المتسلسل منذ صعود مدلل سلمان الى السلطة.
ووفق التقارير الرسمية فإن الفضيحة الكبرى في مسلسل سرقة المواطن المغلوب على أمره المتنامي من الفضائح تكمن في قطاع الطاقة الذي تستعمله الحكومة لسرقة الشعب بشكل علني متفاقم ووقح الى درجة جعلت أكبر مصدر للبترول، ضمن أغلى دول العالم في أسعار المشتقات النفطية والطاقة الكهربائية وسط إرتفاع مخيف في نسبة التضخم والبطالة.
ويشدد تقرير "سنابل" الحكومي على أن الاستثمارات السعودية في الشركات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة وخارجها خلال السنوات الأخيرة قد نُفذت سراً. ورغم أن صناديق رأس المال الاستثماري الحكومية لاتكشف عادةً عن هوية المستثمرين، إلا أن الخطوة التي يقوم بها صندوق "سنابل" مُنسقة بصورة مؤكدة مع محمد بن سلمان لتؤكد لأفراد الأسرة الحاكمة والمواطن أن ولي العهد هو لا غيره صاحب قرار العبث في مقدرات البلاد.
فرغم أن أعضاء المجلس الاستشاري للصندوق السعودي يشككون في نوايا وحكمة العمل مع كوشنر، وفقًا لمسؤولين سعوديين، لكن محمد بن سلمان يرفض مخاوفهم ويمضي قدماً في الخطط معه على أي حال، لأنه يرى أن عمل كوشنر في اتفاقيات أبراهام أظهر فطنة تجارية كبيرة، وفق عقله الناقص وتجاربه الطائشة التي أثبتت فشلها منذ 2015 وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى بعض مستشاري ولي العهد إن التزامه يُنظر إليه على أنه استثمار سياسي أكثر من كونه استثماراً مالياً، أي حركة نحو التطبيع.
من جانب آخر فقد أبلغ رئيس اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات في مجلس الشيوخ الأمريكي، الديمقراطي ريتشارد بلومينتال، ممثلي رئيس صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان بأن المملكة عليها الخضوع للقانون الأمريكي إذا ما أرادت الاستثمار التجاري في الولايات المتحدة، وفق تقرير نشر على الموقع الرسمي لبلومنتال؛ ما يعني أن الاستثمارات السعودية في سندات الخزانة الأمريكية هي في مهب الريح في كل لحظة.
ثم أن مؤسس ورئيس مركز أبحاث IVC “زئيف هولتزمان” شدد بقوله “إن المشاركة السعودية في أكبر صناديق السليكون فالي وسائر الشركات الاسرائيلية، كانت سراً مكشوفا لنا فقط طيلة ثماني سنوات"، مشيراً الى أنه لا يرى خطراً سياسياً على الشركات الإسرائيلية التي تستثمر فيها السلطة السعودية التي تفصل الاستثمارات المالية الاستراتيجية ولا تستخدمها كرافعة سياسية".
ثم هناك سؤال آخر يطرح نفسه، وهو أن الضريبة في دول العالم تأتي مرتبطة مع الدخل وتهدف الى جسر الهوة بين الطبقات من خلال الضريبة التصاعدية من جهة كما تأتي منسجمة مع مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة من جهة أخرى بإستثناء السعودية؛ فأين تذهب أموال الضرائب والجباية ناهيك عن العوائد النفطية؟ وما هي مشاريع البنية التحتية والاستثمارية في العقود الأخيرة التي قد تستعمل لتبرير مثل هذه الجباية الجائرة؟.