التاريخ لا يمنح الطغاة صكّاً أبدياً للإفلات، ولا يُعفي المتجبرين من دفع فواتير الدم.
أخطر ما توهمه صناع القرار في الرياض طوال عقد كامل ليس فقط أنهم قادرون على سحق بلد جار بلا حساب، بل ظنّهم الأخرق أن المأساة ستظل للأبد محبوسة خلف الحدود، وأن دماء الآخرين مجرد تفصيل عابر في نشرات الأخبار.
الصورة أمامنا تختزل المعادلة كلها دون حاجة لكثير كلام:
أحد عشر عاماً تفصل بين المشهدين، لكن الحقيقة السياسية واحدة:
من يزرع النار عند جيرانه، سيصحو حتماً على رمادها في مدرج مطاره.
في ربيع 2015، أُطلقت «عاصفة الحزم» وكأنها نزهة عسكرية أو استعراض لقوة ناشئة تبحث عن أمجاد وهمية في ديوان الحكم.
فتحت الرياض سماء اليمن لكل أنواع الفتك:
قُصفت الأسواق، المدارس، والمستشفيات، وبلغت الوقاحة ذروتها في مجزرة «الصالة الكبرى» عام 2016 حين مُزق أكثر من 130 إنساناً في عزاء مدني وصُنّفت كجريمة حرب صريحة.
كانت الفكرة المركزية لدى السلطة في الرياض بسيطة ومفرطة في الغرور:
«نحن نملك المال، والسلاح، ونظام الباتريوت، والحماية الغربية، وأنتم لا تملكون سوى الموت».
لكنهم نسوا ألف باء التاريخ العسكري؛ فالقوة المليارية لا تلغي إرادة الشعوب، والتقنية الرخيصة قادرة في نهاية المطاف على كسر احتكار السماء وإذلال أحدث أنظمة الدفاع الجوي.
المفارقة الفاضحة اليوم تضرب في قلب مشروع السلطة:
ماذا تبقى من بريق «الرؤى المستقبلية»، وناطحات السحاب، ومهرجانات الترفيه، ومحاولات تسويق الرياض كـ«عاصمة عالمية للمال والأعمال»، حين تصبح حركة الطيران المدني نفسها رهينة للصواريخ والردع المقابل؟
لقد بنى النظام الفردي الجديد نموذجه على ركيزتين:
قمع الداخل حتى الصمت التام، والمغامرة في الخارج باسم الهيمنة الإقليمية.
وحين تُفرغ الدولة من أي مؤسسة تسائل أو تعترض، يصبح مصير الملايين معلقاً بمزاج الحاكم الفرد.
لكن غزو صدام للكويت 1990 لم يفشل لضعف سلاحه بل لغروره، وسقوط الطغاة لا يبدأ بانهيار جيوشهم، بل باللحظة التي يعتقدون فيها أنهم فوق قوانين الطبيعة والتاريخ.
حين نشير إلى احتراق الطائرة في الرياض، فلسنا من دعاة الشماتة في الضحايا العُزّل؛ فالراكب السعودي بريء من قرارات القصر، كما كان الطفل اليمني بريئاً من قرارات تحالف الرياض.
الدم البشري ليس له تسعيرة تفاضلية، ولا قيمة لأرواح الأغنياء على حساب الفقراء.
لكن رفض الشماتة لا يعني إسقاط الحقيقة:
المشهدان لا يمثلان حدثاً عابراً في نشرة عاجلة، بل هما صفعة مباشرة لغرور القوة:
إن القصور التي تعيش على بيع الأوهام تصبح فجأة شديدة الهشاشة حين تصل شظايا المعركة إلى قلب العاصمة.
القوة الحقيقية لأي دولة ليست في قدرتها على التدمير والإيذاء، بل في حكمتها لتجنب الحروب وصيانة حياة الناس.
إلى كل مستبد ظن أن أمواله وسلاحه يمنحانه رخصة العبث بأرواح الشعوب:
لا تبنوا أمجادكم فوق جثث وأشلاء اليمنيين؛ فالتاريخ لم ينسَ ركام صنعاء، وهو اليوم يكتب جوابه الصريح وسط دخان الرياض.