عاجل:
الدوري السعودي بين مقامرة الخصخصة وتقليص الإنفاق
من الإعلام 2025-08-31 08:38 1672 0

الدوري السعودي بين مقامرة الخصخصة وتقليص الإنفاق

يدخل الدوري السعودي لكرة القدم مرحلة جديدة من مساره المثير للجدل، وسط تحولات تتراوح بين تقليص الإنفاق الباذخ الذي طبع فترة العام 2023،

يدخل الدوري السعودي لكرة القدم مرحلة جديدة من مساره المثير للجدل، وسط تحولات تتراوح بين تقليص الإنفاق الباذخ الذي طبع فترة العام 2023، والانطلاق نحو الخصخصة التي تُسوّقها السلطات كحل مالي يضمن الاستدامة ويجذب الاستثمارات الأجنبية.

غير أن تقارير صحافية غربية، بينها ما نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية وشبكة CNBC الأميركية، تؤكد أن هذا التوجه محفوف بالمخاطر، وأنه قد لا يحقق النتائج المرجوة بقدر ما يكشف عن طابع المشروع السياسي الدعائي الذي يوظف الرياضة لتلميع صورة النظام.

فبحسب إندبندنت، أنفقت أندية الدوري السعودي للمحترفين أكثر من مليار ونصف المليار دولار منذ الطفرة الكروية في 2023، والتي توجت باستقدام أسماء عالمية كان أبرزها كريستيانو رونالدو.

هذا الانتقال أحدث صدى واسعاً، وفتح الباب أمام موجة من اللاعبين الدوليين الذين انجذبوا إلى الرواتب الضخمة التي لم تستطع الأندية الأوروبية منافستها. ولم يكن مستغرباً أن يتصدر رونالدو قائمة "فوربس" لأكثر الرياضيين أجراً في العالم لثلاث سنوات متتالية منذ انضمامه إلى النصر.

إلا أن هذا الإنفاق الباهظ، والذي اعتبره مراقبون ناقوس خطر شبيه بما حدث في تجربة الدوري الصيني الممتاز، لم يكن قابلاً للاستمرار. فالمليارات التي ضُخت لم تحقق توازناً اقتصادياً أو رؤية طويلة الأمد، بل سرعان ما بدأت السلطات في البحث عن وسائل للحد من التكاليف وإضفاء الحوكمة على الأندية.

في يوليو/تموز الماضي، أعلنت وزارة الرياضة السعودية عن لوائح مالية جديدة، نقلت بموجبها مهمة الإشراف على الاستدامة المالية من الوزارة إلى رابطة الدوري السعودي للمحترفين تحت إشراف لجنة رقابة حديثة التأسيس.

ونقلت رويترز عن عمر المغربل، الرئيس التنفيذي للرابطة، قوله إن الهدف الرئيسي يتمثل في "تعزيز القدرة المالية للدوري وضمان استدامته"، مضيفاً أن اللوائح الجديدة تساعد الأندية على التخطيط المالي للمستقبل بدلاً من الاعتماد على الإنفاق غير المنضبط.

وضمن هذه الخطوات جرى تقليص أحجام الفرق من 30 لاعباً إلى 25، وفرض تخصيص مقاعد للاعبين تحت 21 عاماً، ما يتيح مشاركة أوسع للشباب السعوديين ويخفض متوسط أعمار اللاعبين من 29 إلى 26 عاماً.

ويرى المغربل أن هذه السياسة تفتح الباب أمام مسار مختلف يقوم على تنمية المواهب محلياً بدلاً من الاكتفاء بشراء الأسماء العالمية.

لكن مع تراجع الإنفاق، جاء الرهان الجديد: الخصخصة. ووفقاً لما نشرته CNBC، فإن السلطات السعودية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق أهداف متداخلة، تبدأ بالبحث عن الاستدامة المالية بعد الإنفاق المفرط، ولا تنتهي بمحاولة جذب رؤوس الأموال الخارجية لتسويق صورة "السعودية" كاقتصاد متنوع وحديث بعيد عن النفط. فقد تم بالفعل بيع ثلاثة أندية، بينها نادي الخلود الذي استحوذت عليه مجموعة "هاربورغ" الأميركية في أول صفقة أجنبية من نوعها، فيما يجري الحديث عن إمكانية طرح حصص في الأندية الأربعة الكبرى التي يسيطر عليها صندوق الاستثمارات العامة.

ورغم ما يقال عن كون الخصخصة فرصة لجلب خبرات أجنبية واستثمارات جديدة، إلا أن خبراء اقتصاديين حذروا من أنها مقامرة عالية المخاطر. فالمحلل كيران ماجواير، في حديثه للشبكة الأميركية، أكد أن "الأندية السعودية لن تكون مربحة بطبيعتها، وأن تحقيق أرباح من الاستثمار في كرة القدم أمر شبه مستحيل".

وهو ما يعني أن المستثمرين قد يجدون أنفسهم أمام مغامرة مالية غير مضمونة العواقب. كما أشار بول ويليامز، مقدم بودكاست "اللعبة الآسيوية"، إلى أن "إنفاق مليار دولار سنوياً أمر غير مستدام"، وأنه لا بد للأندية من تقليص ميزانياتها إذا أرادت الاستمرار.

من جانب آخر، حاول بعض المستثمرين الترويج لرؤية أكثر تفاؤلاً. فالمستثمر الأميركي بن هاربورغ، الذي اشترى نادي الخلود، أوضح أن ضخ الأموال في الأندية دون عوائد لا يمكن أن يدوم، وأن النموذج البديل يتمثل في الاستثمار بالمواهب الشابة وإعادة بيعها كما تفعل الأندية الأوروبية.

أما الباحث في معهد بيكر كريستيان كوتس أولريشسن، فقد رأى أن دخول مستثمرين أجانب يمنح الأندية السعودية "مصداقية وشبكات عالمية"، فضلاً عن تحسين البنية التحتية والتدريب، وهو ما قد يجعل الدوري أكثر جذباً للمواهب الكروية.

غير أن خلف هذه المبررات الاقتصادية تكمن أهداف سياسية أوسع. فبحسب CNBC، ليست كرة القدم مجرد لعبة في "السعودية"، بل تحولت إلى أداة سياسية مباشرة في إطار مشروع "رؤية 2030" الذي يروّج له ولي العهد محمد بن سلمان كمحاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

ويأتي التركيز على الرياضة العالمية في سياق سعي النظام إلى تسويق المملكة كمركز ثقافي وتجاري، فيما يظل الهدف الحقيقي هو تلميع صورة النظام أمام الغرب في ظل استمرار الانتقادات لانتهاكاته الحقوقية والسياسية داخلياً وخارجياً.

ويبدو أن ارتباط الخطط الكروية بالتحضير لاستضافة كأس العالم 2034، والذي حصلت "السعودية" على فرصة تنظيمه عبر تفاهمات سياسية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، يوضح بشكل أكبر أن كرة القدم بالنسبة للرياض ليست غاية رياضية، بل وسيلة دعائية وسلاحاً سياسياً. وهو ما يعيد إلى الأذهان النقاش الواسع حول "الغسيل الرياضي" الذي تُتَّهم السعودية باستخدامه للتغطية على سجلها الحقوقي.

فلطالما أشارت العديد من التقارير الحقوقية الدولية إلى أن الإنفاق السعودي الضخم في المجال الرياضي لم يكن معزولًا عن البعد السياسي والدعائي. فقد استُخدم في السنوات الأخيرة كأداة لما يُعرف بـ"الغسيل الرياضي"، حيث سعت السلطات إلى تلميع صورتها الدولية عبر استقطاب نجوم عالميين وتنظيم بطولات كبرى، في وقت تتعرض فيه لانتقادات حقوقية واسعة.

هذا التوظيف المكثف للرياضة كواجهة خارجية، إلى جانب التغييرات المفاجئة في خطط الاستثمار والخصخصة، يعزز الانطباع بأن الاستراتيجية الرياضية ليست قائمة على حسابات اقتصادية أو تنموية صلبة بقدر ما هي انعكاس لهواجس سياسية ورغبة في تحسين السمعة على المدى القصير.

وتشير إندبندنت إلى أن الدوري السعودي، رغم نموه السريع وتصدّره تصنيفات الأندية القارية وبثه لمبارياته في أكثر من 180 دولة، ما زال يسعى لتقديم نفسه كمنتج تنافسي لجماهيره في الداخل أولاً، ثم لتصدير "قصة كرة القدم السعودية" إلى العالم.

غير أن مراقبين يشككون في أن هذه القصة قادرة فعلاً على الاستمرار، خصوصاً أن التجربة الصينية، التي انهارت بعد سنوات من الصرف المفرط، تظل ماثلة في الأذهان.

بالمحصلة، فإن الانتقال من الإنفاق الضخم إلى الخصخصة لم يُنهِ المخاطر، بل ربما زادها تعقيداً. ففي حين تبدو الخطوات الحالية محاولة إنقاذ لمشروع رياضي ضخم، إلا أن واقع السوق يشير إلى أن كرة القدم نادراً ما تحقق أرباحاً، وأن الاعتماد على المستثمرين الأجانب قد يضع الأندية السعودية في مواجهة صعوبات كبيرة مستقبلاً.

وبينما يواصل النظام إنفاق المليارات على الملعب، يبقى السؤال الحقيقي: هل يمكن لكرة القدم أن تعوّض عن غياب الإصلاحات السياسية والاقتصادية العميقة، أم أن الخصخصة لن تكون سوى طبقة جديدة من الطلاء البراق لإخفاء هشاشة المشروع برمّته؟

وهكذا، كما خلصت CNBC، فإن الدوري السعودي يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول الخصخصة إلى وسيلة تتيح له البقاء والاستمرارية ولو بتكلفة عالية، أو أن تكشف التجربة عن حدود الرهان على الرياضة كبديل عن إصلاحات حقيقية.

وفي كل الأحوال، يظل المشهد محكوماً بالمخاطر، بين مقامرة مالية غير محسوبة ومحاولة سياسية مكشوفة لغسل الصورة عبر كرة القدم.
 

آخر الاخبار