واجهت القيادة السعودية والحكومة برئاسة ولي العهد محمد بن سلمان خلال هذا الأسبوع حزمة من التحديات والقرارات الاستثنائية، شملت إجراءات عسكرية وأمنية لمواجهة الانكشاف الميداني وتداعيات التصعيد، وتجميد مشاريع كبرى تابعة لـ«رؤية 2030» وصندوق الاستثمارات العامة تحت وطأة انكماش اقتصادي وعجز مالي متصاعد، بالتوازي مع تعثر بيئة الأعمال وارتفاع الأعباء المعيشية، واستمرار الانتقادات الحقوقية لسياسات القضاء والنيابة العامة وأحكام الإعدام.
سياسياً وأمنياً وإدارة الحكم
كشفت مصادر متطابقة أن ولي العهد محمد بن سلمان فرض إجراءات أمنية وعسكرية استثنائية؛ إذ أصدر توجيهات بوقف نظام الإنذار المبكر الذي يحذر السكان من مخاطر الهجمات الصاروخية الوشيكة، في خطوة فُسرت بمحاولة فرض التعتيم والتقليل من حجم الهجمات للحفاظ على صورة القيادة أمام الرأي العام.
كما أمر محمد بن سلمان بتجنيد نحو 50 ألف جندي في القوات البرية بصورة عاجلة مع تخفيف شروط مدة التدريب، وسط تحديات تنظيمية وتشغيلية تواجهها قيادة الجيش في توفير مواقع لاستيعابهم.
وتزامن ذلك مع تفعيل الإنذارات وإطلاق صفارات الإنذار في المناطق الجنوبية (أبها وخميس مشيط وجازان ونجران وعسير)، وسط روايات محلية عن غياب أمراء المناطق الثلاثة — تركي بن طلال (عسير)، وجلوي بن عبدالعزيز (نجران)، ومحمد بن عبدالعزيز (جازان) — عن مقار إماراتهم ومتابعة أعمالهم من جدة إلكترونياً، وعدم ظهورهم لمتابعة المنشآت المتضررة أو التواصل مع عائلات العسكريين القتلى.
وعلى صعيد التحالفات الأمنية، أعلنت السلطات السعودية تفعيل ما يُسمى «حلف مكة الدفاعي» واستدعاء قوات وعتاد من باكستان وتركيا لنشرها داخل أراضي المملكة، واستخدمت وكالة الأنباء الرسمية «واس» رمزية المقدسات للترويج للخطوة بالحديث عن «استهداف مكة والمدينة»، مع تعيين الفريق المتقاعد الباكستاني نعمان محمود كأول أمين عام للحلف لثلاث سنوات.
وأشار تقرير لـ«لوس أنجلوس تايمز» إلى نشر نحو 8 آلاف جندي باكستاني وطائرات «JF-17» بالمملكة، في ظل تراجع التدخل الأميركي المباشر لحماية الرياض في البحر الأحمر، وتسريبات عن تعاون أمني واستخباري بين الرياض والكيان الإسرائيلي، وهو ما أكده أيضاً موقع «شير بوست» الأميركي بوجود تنسيق ميداني وحملة سرية مشتركة لمواجهة التهديدات في باب المندب.
كما أعلن رئيس أركان الجيش الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، خلال جلسة برلمانية، أن باريس والرياض تدرسان نشر واستخدام أصول عسكرية فرنسية لحماية ميناء ينبع النفطي بعد تعرضه لأضرار هددت تجارة الهيدروكربونات، مشيراً إلى وجود ألفي جندي فرنسي في الخليج.
سياسياً، استقبل محمد بن سلمان في الرياض رئيس الإدارة المؤقتة في سوريا أحمد الشرع (الجولاني) برفقة وزير خارجيته أسعد الشيباني، في زيارة غير معلنة تتكتم الرياض على تفاصيلها، في إطار مساعي فرض الوصاية وترتيب النفوذ الإقليمي.
وفي تعز، اتهم الضابط في التحشيدات السعودية اللواء عبدة فرحان المخلافي القيادة السياسية والعسكرية لحكومة الرياض والجانب السعودي برفض السماح للقوات المحاصرة بالانسحاب ووصف موقفهم بالخيانة ودفع القوات نحو الانتحار، بعد رفض تفاهم محلي بالانسحاب، خشية الخسائر المالية وعجز توفير الإمكانات والمخاوف من خلافات مع الفصائل التابعة للإمارات.
وعلى المستوى الإعلامي الخارجي، قدمت قناة «العربية إنجليزي» المملوكة للدولة تغطية لحادثة هبوط طائرة «فلاي دبي» اضطرارياً في مطار تبوك بعد طعن قائدها، واستضافت المتحدث باسم مكتب نتنياهو، دوران سبيلمان، الذي أشاد بتعامل الحكومة السعودية وحمايتها لـ174 راكباً أغلبهم إسرائيليون دون تفرقة، في خطوة عكست توظيفاً إعلامياً سعودياً أثار تساؤلات سياسية.
اقتصادياً ومالياً واستثمارات الرؤية
توقعت وزارة المالية السعودية تسجيل عجز مالي أعلى من التقديرات السابقة مصحوباً بانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6%، فيما وثقت بيانات رسمية سابقة انكماش الأنشطة النفطية بنسبة 25% والناتج المحلي بنسبة 5% خلال الربع الثاني من 2026.
وأكدت وكالة «فيتش» اتساع العجز المالي وتفاقم الضغوط على ميزانية الدولة بفعل مخاطر اضطراب التصدير وإغلاق مضيق هرمز والحظر البحري، في حين أقر رئيس «أرامكو» أمين الناصر بانخفاض مقلق لمخزونات النفط العالمية.
وألقت هذه الأزمة المالية بظلالها على «رؤية 2030» وصندوق الاستثمارات العامة برئاسة محمد بن سلمان؛ إذ كشفت وكالة «رويترز» عن توجه السلطات لتجميد بناء «ملعب نيوم» المخصص لكأس العالم 2034 والمقدرة تكلفته بـ2.5 مليار دولار داخل مشروع «ذا لاين»، حيث صنفته منصة «ميد بروجكتس» رسمياً كمشروع متعثر دون موعد إنجاز، وجاء ذلك عقب إقرار محافظ الصندوق ياسر الرميان بإسقاط «ذا لاين» من الأولويات وعدم الالتزام بإنهاءه في موعده عام 2030، فضلاً عن تعليق بناء ناطحة سحاب «المكعب» في مشروع «نيو مربّع» بالرياض.
وفي ملف الطاقة، أعلن وزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان استئناف الضخ عبر خط أنابيب «شرق-غرب» بمعدل 5.8 مليون برميل يومياً بعد استهدافه، والقدرة على رفعه إلى 7 ملايين، مؤكداً إعادة تشغيله خلال 5 إلى 6 أيام وداعياً لإبقاء منظومة الطاقة متاحة لدول الخليج، وسط مخاوف حول حماية المنشآت.
وواجهت أرامكو عجزاً في تسويق فائض إنتاج حقل «الجافورة» البالغ 50 مليار متر مكعب سنوياً بعد استثمار 100 مليار دولار، ما دفعها لتجميد محطات تسييل الغاز والتخطيط لـ«مشروع غاما» لفصل أصول الغاز وبيعها لتوفير سيولة للميزانية.
محلياً، أصدرت المحاكم التجارية في الرياض وجدة أحكاماً قضائية بإفلاس وتصفية شركات شملت:
شركة نظام الصحة للتجارة، شركة سيرين لتقديم المشروبات، شركة ألف ومية للتجارة، مؤسسة صفوق حمدي دهيمش العنزي، وشركة البتول الدولية بجدة.
كما هوى مؤشر البورصة «تاسي» بنسبة 1.57% إلى 10,376 نقطة نحو خسارته الأسبوعية السادسة، مع هبوط سهم البنك الأهلي السعودي 2.6%.
الأضرار الميدانية والبنية التحتية
تعرض العمق السعودي لضربات مباشرة؛ حيث أصاب صاروخ باليستي مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأقرت «رويترز» نقلاً عن ثلاثة مصادر باشتعال وتضرر بالغ لطائرة تجارية تابعة للخطوط السعودية، مع شلل في الملاحة وتسجيل «فلايت رادار» 24 اضطراباً وتأخيرات واسعة.
واستمر حريق هائل في الرياض لأكثر من 12 ساعة وفق صور الأقمار الصناعية، وسط اعتراضات جوية وتحويل مسار رحلات، ما دفع الخارجية الأميركية لفرض قيود استثنائية على استخدام موظفيها للمطار وحظر الاقتراب من الحدود، فيما دعت أستراليا رعاياها للابتعاد عن المنشآت وقواعد الطاقة لاحتمال إغلاق الأجواء.
وفي منشآت الطاقة، أظهرت الأقمار الصناعية تدمير خزان نفط بالكامل وأضراراً بعدة خزانات وأوعية ضغط في مصفاة أرامكو برابغ إثر هجمات 5 أكتوبر.
كما أظهرت صور قاعدة الأمير سلطان الجوية أضراراً كبيرة لحقت بطائرة التجسس التابعة للجيش السعودي «RE-3A» بفقدان ذيلها الأفقي وتسرب وقودها، واستمرار آثار دمار طائرتي التزود بالوقود والإنذار المبكر الأميركيتين.
المعيشة والخدمات
أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي «ساما» قفزة في فاتورة الاستهلاك اليومي للمواطنين إلى 16.51 مليار ريال (نحو 4.4 مليارات دولار) للأسبوع المنتهي في 3 أكتوبر، بارتفاع 23.4% عن الأسبوع السابق.
وقفز الإنفاق على التعليم بأكثر من 142% تزامناً مع المدارس، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأغذية والمشروبات والنقل والصحة، مقابل هبوط الإنفاق الفندقي 9.8%، ما يعكس تزايد الضغوط المالية على الأسر وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
حقوق الإنسان والسياسات القضائية والرياضية
في ملف القضاء والانتهاكات، روّج النائب العام خالد بن محمد اليوسف في اجتماع منظمة شنغهاي بمدينة قازان لحماية الأسرة والأطفال واستحداث نيابات متخصصة ضمن «رؤية 2030»، بينما اتهمته منظمات حقوقية بتوظيف قوانين الإرهاب والجرائم المعلوماتية لمطالبة النيابة بإعدام قاصرين اعتُقلوا بسبب آراء بمواقع التواصل أو مشاركات سلمية في طفولتهم، ومنهم يوسف المناسف المهدد بالإعدام الوشيك، بحسب «هيومن رايتس ووتش».
وقضائياً، أصدرت محكمة الاستئناف في سبتمبر حكماً بتشديد العقوبة إلى الإعدام بحق العامل السريلانكي أنوجان سيفاراسا (24 عاماً) بتهمة منشور على فيسبوك اعتُبر مسيئاً باللغة التاميلية رغم حذفه والاعتذار عنه، بعدما كانت المحكمة الجنائية بالأحساء قد حكمت عليه في 28 يوليو بالسجن 5 سنوات وغرامة 3 ملايين ريال، وانقطعت أخباره عن أسرته منذ 28 سبتمبر، وسط تحرك من الرئيس السريلانكي لطلب العفو من الملك سلمان.
وأكدت المنظمات الحقوقية (العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، والمنظمة الأوروبية السعودية) استمرار قمع الحريات؛ بتنفيذ السلطات ما لا يقل عن 356 إعداماً في 2025 كأعلى حصيلة، و345 في 2024، و96 إعداماً حتى يونيو 2026، وتجاوز الإعدامات ألفي شخص منذ تولي الملك سلمان عام 2015.
كما استمر سجن معتقلي الرأي مثل وليد أبو الخير (15 سنة)، ومناهل العتيبي (11 سنة)، وأسامة خالد (14 سنة)، وعبدالرحمن السدحان (20 سنة)، والشيخ عبد الجليل العيثان (7 سنوات بلا حكم)، والشيخ علي الماء (18 سنة)، ومحمد بن ناصر الغامدي المحكوم بالإعدام لمنشوراته، وقضية الشاعر أشرف فياض سابقاً.
وشددت لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان على أن التنمية وقوة النظام لا تعني ترهيب وتهميش المواطن أو معاقبة أصحاب الشكاوى.
وفي الاستثمار الرياضي، واجه صندوق الاستثمارات العامة انتقادات متجددة من منظمة «القسط» ومجموعات مشجعي نادي نيوكاسل بمناسبة مرور 5 سنوات على الاستحواذ (في 7 أكتوبر 2021 بصفقة 305 ملايين إسترليني برئاسة ياسر الرميان)، معتبرين أن ملكية الصندوق برئاسة محمد بن سلمان للنادي والتوجه نحو مونديال 2034 تُستخدم واجهة لـ«التبييض الرياضي» للتغطية على أحكام الإعدام وتدهور الحريات.
خاتمة:
تُظهر قراءة التطورات الراهنة ومقارنتها بالمسار التراكمي للتقارير السابقة أن المشهد السعودي يتجه نحو مزيد من التعقيد والتأزم على مختلف الصعد.
فبينما كان الرهان قائماً على حسم المشاريع الكبرى وجذب التدفقات المالية، تكشف مؤشرات الميدان عن انكماش اقتصادي متصاعد، وتجميد متتالٍ لأيقونات «رؤية 2030»، وتراجع في مؤشرات البورصة وأداء الشركات المحلية.
ويتوازى هذا العبء المالي مع انكشاف أمني وبنيوي غير مسبوق في العمق والمنشآت الحيوية استدعى الاستعانة بقوات وتحالفات خارجية، في حين يستمر المسار القضائي والحقوقي في تسجيل أرقام قياسية في أحكام الإعدام والتضييق على الحريات؛ مما يعكس انتقال الأزمة من ضغوط عابرة إلى مأزق مركب يطال استقرار الحكم، والوضع المعيشي، وفاعلية إدارة الدولة لمواردها وأمنها الداخلي.