كشف تقرير حديث نشره موقع "سيمافور" (Semafor) الأمريكي، عن مؤشرات قوية تدل على تراجع في طموحات مشروع "نيوم" السعودي الضخم، وإجراءات واسعة لخفض التكاليف قد تشمل تسريح أعداد كبيرة من الموظفين وإعادة توطين آخرين بعيداً عن الموقع. هذه التطورات تأتي لتسلط الضوء على التحديات الحقيقية التي تواجه المشاريع العملاقة المدفوعة برؤية الحكومة السعودية، وتثير تساؤلات حول جدوى الاستثمار بمليارات الدولارات في مشاريع تبدو وكأنها تفقد بريقها بوتيرة سريعة.
ووفقاً للتقرير الصادر بتاريخ 18 يوليو 2025، فإن "نيوم" يدرس بشكل جدي تسريح أكثر من 1000 موظف وإعادة توطين عدد مماثل إلى الرياض. هذه الخطوة تمثل تراجعاً واضحاً عن السياسة السابقة التي كانت تفرض على الموظفين الإقامة في الموقع الصحراوي النائي، مما سيؤدي إلى خسارة الموظفين المستهدفين لامتيازات كبيرة مثل السكن والوجبات التي كانت توفر لهم في نيوم، وهو ما يعادل "خفضاً فعلياً في الأجور" بحسب المصادر.
يأتي هذا التحرك في سياق محاولات "السعودية" للتحكم في التكاليف وتحسين الرقابة على مشاريعها العملاقة، التي يمولها صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي تبلغ قيمته تريليون دولار. لكن هذه الإجراءات لا تنفصل عن الشكوك المتزايدة حول قدرة هذه المشاريع على تحقيق أهدافها الطموحة.
من أبرز المؤشرات على هذا التراجع، ما أورده التقرير من أن "نيوم" قلص بشكل كبير خططه لإنجاز مشروع "ذا لاين" بحلول عام 2030. فبعد أن كان يستهدف إيواء 1.5 مليون شخص، أصبح الرقم المستهدف حالياً 300 ألف نسمة فقط. هذا التقليص الهائل يثير تساؤلات جدية حول واقعية الأهداف المعلنة للمشروع وحجم التحديات الهندسية والمالية التي تواجهه.
كما أشار التقرير إلى مصير جزيرة "سندالة" الفاخرة، التي تكلفت 4 مليارات دولار، والتي كان من المفترض أن تكون واجهة "نيوم" لعرض إمكانياته وإثبات تقدم المشروع للمشككين. فبعد حفل إطلاق مبهر في أكتوبر الماضي، أغلقت "سندالة" أبوابها وبات مصيرها غير مؤكد، في دلالة واضحة على التعثرات التي تلاحق هذه المبادرات الكبرى.
يُعزى قرار نقل الموظفين إلى الرياض جزئياً إلى رغبة صندوق الاستثمارات العامة في تعزيز الرقابة على مشروع "نيوم". فقد كثف مايك تشيونغ، رئيس قسم التدقيق في الصندوق، وجوده في نيوم لقيادة مراجعة شاملة للتقدم والنفقات. هذه الرقابة المشددة، وإن كانت تهدف إلى ضبط الإنفاق، إلا أنها قد تؤثر سلباً على معنويات الموظفين وتزيد من حالة عدم اليقين لديهم.
تكشف هذه التطورات عن واقع المشاريع السعودية الكبرى التي، وعلى الرغم من الإعلانات البراقة والأرقام الفلكية، تواجه صعوبات جمّة في التنفيذ والتمويل، مما يلقي بظلال من الشك على قدرة البلاد على تحقيق رؤيتها الطموحة لعام 2030 بالاعتماد على هذه المشاريع.
وعلى صعيد متصل، أفادت وكالة "بلومبرغ" أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي طلب من المستشارين تحديد مدى جدوى بناء مدينة خالية من السيارات، في إشارة واضحة إلى التحديات التي تواجه هذا المشروع غير المسبوق. وفي أبريل/نيسان، أشارت صحيفة "فاينانشال تايمز" إلى أن الرئيس التنفيذي لمشروع نيوم قد أطلق "مراجعة شاملة" للمشروع ككل.
تأتي هذه المراجعات في أعقاب تقارير سابقة في عام 2024 أفادت بأن السعودية تُخفّض بشكل كبير من خططها لمشروع "ذا لاين". فبدلاً من استهداف 1.5 مليون نسمة بحلول عام 2030، يتوقع المسؤولون السعوديون الآن أن يقل عدد السكان عن 300 ألف نسمة. ومن المتوقع أيضًا أن يكتمل 2.4 كيلومتر فقط من المدينة بحلول عام 2030، وهو جزء ضئيل من الطول الكلي المُعلن.
وقد واجه مشروع نيوم تحديات داخلية كبيرة، تمثلت في رحيل عدد من المسؤولين البارزين. غادر نظمي النصر، الذي أدار بناء نيوم من عام 2018 إلى 2024، منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني. وقد اشتهر النصر بأسلوبه الإداري الهمجي، حيث تفاخر بأنه يُشغّل الجميع "كالعبيد"، مضيفًا: "عندما يسقطون موتى، أحتفل. هكذا أُنجز مشاريعي".
كما غادر اثنان من المديرين التنفيذيين الأجانب الآخرين نيوم بنهاية عام 2024، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال. وورد أن أحد هؤلاء المديرين انتقد الإسلام وأدلى بتصريحات بذيئة، ووصف نساء الخليج العربي بأنهن "متحولات جنسيًا".
تم تعيين أيمن المديفر رئيسًا تنفيذيًا لمشروع نيوم في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد إشرافه على قسم العقارات التابع لصندوق الاستثمارات العامة السعودي.
وبين الفترة والأخرى تسجّل "السعودية" تراجعاً عن مشروع من مشاريع "نيوم"، ومؤخرا ألغت “السلطات السعودية” بصمت عقدًا كانت قد منحته لشركة EDF الفرنسية، الرائدة في تكنولوجيا الطاقة الكهرومائية، في يناير 2024. كان العقد يتعلق بإجراء دراسات أولية حول تصور وبناء محطة للطاقة الكهرومائية في مدينة نيوم. ومع ذلك، وفي مارس الماضي أبلغت البلاد شركة EDF بأنها لم تعد بحاجة إلى هذه المحطة، مشيرة إلى أن “مزيجًا من الألواح الكهروضوئية وطاقة الرياح والبطاريات يكفي” لتشغيل المشروع المعدل.