تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي، ومنها السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، والبحرين، وعُمان، بشكل كبير على العمالة المهاجرة لدعم اقتصاداتها. وتُشكل النساء العاملات في القطاع المنزلي شريحة واسعة من هذه القوة العاملة، وهن من أكثر الفئات عرضة للانتهاكات. على سبيل المثال، وصل عدد العاملات المنزليات في الكويت وحدها إلى حوالي 1,426,000 عاملة في الربع الثالث من عام 2023، وهو ما يمثل 26.9% من إجمالي العمالة الوافدة في البلاد. وتأتي أغلبهن من الفلبين والهند وسريلانكا وبنغلاديش، وتتصدر الفلبين القائمة بحوالي 193,000 عاملة منزلية.
نظام الكفالة: بيئة خصبة للاستغلال:
ينظم عمل العمالة المهاجرة في دول الخليج بصورة رئيسية من خلال نظام الكفالة، وهو إطار قانوني يربط الوضع القانوني للمهاجر بالكفيل، والذي غالبًا ما يكون صاحب العمل. يمنح هذا النظام أصحاب العمل سلطة واسعة على حرية تنقل العاملات وشروط عملهن، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى ممارسات استغلالية. أوضحت منظمة "أميركيون من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان في البحرين" أن هناك تقارير وثقت حالات تتعرض فيها العاملات لساعات عمل طويلة دون راحة، ومصادرة جوازات السفر، وتأخير دفع الأجور أو الامتناع عنها، وأشكال مختلفة من الإساءة الجسدية والنفسية.
ونظرًا لإقامة معظم العاملات داخل منازل أصحاب العمل، فإن هذه الانتهاكات تحدث في أماكن يصعب على السلطات القانونية والاجتماعية الوصول إليها أو التدخل فيها.
الفجوات القانونية والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي:
على الرغم من دعوة الاتفاقيات الدولية إلى حماية حقوق العمال، غالبًا ما تُستثنى العاملات المنزليات في دول الخليج من قوانين العمل الوطنية. هذا الاستبعاد يبرز الحاجة إلى إصلاحات شاملة تعالج الآليات البنيوية، مثل نظام الكفالة، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي تساهم في استغلال العاملات المنزليات الوافدات. سلّطت الورقة التحليلية الضوء على الأشكال المنهجية لاستغلال النساء العاملات في المنازل بدول الخليج، من خلال تحليل التفاعل بين البنى المؤسسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
كما تدعو إلى آليات دولية للمساءلة وإصلاحات قانونية تعترف بالعمل المنزلي كعمل حقيقي، مما يكفل الحماية والكرامة لهذه الفئة المستضعفة من العمالة.
أفادت المنظمة بأن النساء العاملات في الخدمة المنزلية بدول مجلس التعاون الخليجي يواجهن انتهاكات ممنهجة قائمة على النوع الاجتماعي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية القانونية لنظام الكفالة.
تتقاطع تجاربهن في الاستغلال مع عوامل أخرى مثل العرق، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، مما يزيد من هشاشتهن. يسهم الطابع الخاص والمعزول للعمل المنزلي، إلى جانب الأطر القانونية والاجتماعية السائدة في المنطقة، في خلق بيئة تفتقر إلى آليات المساءلة وتسمح بانتهاك حقوق الإنسان بشكل منهجي.
أشكال الانتهاكات وتداعياتها:
تفيد تقارير متكررة بأن عاملات المنازل يتعرضن للعنف الجسدي والجنسي من قبل أصحاب العمل أو أفراد من أسرهم. وغالبًا ما يتم التستر على هذه الانتهاكات خوفًا من الانتقام أو الترحيل، أو بسبب عدم تصديق الجهات المعنية لرواية الضحايا. في بعض الحالات، تعاقب الناجيات أنفسهن عبر اتهامهن بـ "الهروب" أو بتقديم بلاغات كاذبة. نوهت المنظمة نقلًا عن تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2020، بأنه نادرًا ما تتم محاسبة مرتكبي هذا العنف، في ظل غياب المساعدة القانونية، وحواجز اللغة، وقوانين هجرة تمنح الأفضلية لشهادة الكفيل على شهادة العاملة. وفي تقريرها العالمي لعام 2024، وثقت المنظمة انتشار الانتهاكات بحق عاملات المنازل في دولة الإمارات، مشيرةً إلى حالات عنف جسدي وجنسي، بما في ذلك الضرب والاعتداء الجنسي، ترتكب في كثير من الأحيان دون محاسبة. كما أشار التقرير إلى احتجاز العاملات في منازل أصحاب العمل ومصادرة جوازات سفرهن، مما يمنعهن من الهروب من هذه الأوضاع.
ظروف العمل القاسية والعزلة الاجتماعية:
يُكلف عدد كبير من عاملات المنازل في الخليج بأعمال شاقة تمتد من 15 إلى 18 ساعة يوميًا، دون فترات راحة كافية أو إجازات منتظمة. على عكس قطاعات أخرى، لا تشمل قوانين العمل في معظم الدول الخليجية العمالة المنزلية، مما يحرمهن من ضمانات قانونية مثل تحديد ساعات العمل أو الحصول على أجر مقابل العمل الإضافي. في كثير من الحالات، لا تتلقى العاملات أجورهن بانتظام، أو تحجب عنهن لأشهر، كوسيلة للسيطرة. وفقًا لتقرير منظمة العمل الدولية لعام 2023 بعنوان "الطريق نحو عمل لائق للعاملات المنزليات"، فإن 81.2% من العاملات في هذا القطاع عالميًا يعملن ضمن الاقتصاد غير الرسمي، ما يعني افتقارهن إلى الحماية القانونية.
تؤدي هذه الثغرة إلى تفاقم وضع العاملات في الخليج، حيث تم تسجيل حالات تجبر فيها النساء على العمل في أكثر من منزل، أو يحرمن من الطعام والرعاية الصحية الأساسية.
كما أوضحت المنظمة أنه نظرًا لطبيعة العمل المنزلي القائم على الإقامة داخل منزل صاحب العمل، تعاني كثير من العاملات من عزلة اجتماعية شديدة، مع تقييد أو منع تواصلهن مع العالم الخارجي. غالبًا ما يمنعن من استخدام الهواتف أو التواصل مع عمال مهاجرين آخرين، مما يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية وزيادة الشعور بالخوف والعجز. تتفاقم هذه الظروف بفعل بنية نظام الكفالة التي تسمح بإساءة المعاملة النفسية، مثل المراقبة الدائمة، والإهانات اللفظية، والتهديد بالترحيل أو التعنيف الجسدي. تحتجز بعض العاملات في منازل الكفلاء لأشهر أو حتى لسنوات، دون حرية الحركة أو التواصل، مما يرقى في حالات كثيرة إلى ظروف شبيهة بـ العمل القسري.
تقاطع العرق والنوع الاجتماعي والطبقة:
تتشكل تجربة النساء العاملات في الخدمة المنزلية بدول مجلس التعاون الخليجي من خلال تقاطع معقد بين العرق، والنوع الاجتماعي، والطبقة، ووضع الهجرة. تؤدي هذه العوامل المتداخلة إلى تعزيز هشاشتهن البنيوية داخل نظام الكفالة، وتكرس دائرة من الاستغلال والتهميش. تأتي العاملات المنزليات في الخليج من دول مثل الفلبين، وإندونيسيا، وسريلانكا، وبنغلاديش، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، وهن يشكلن جزءًا محوريًا من القوة العاملة في المنازل. وفقًا لمنظمة العمل الدولية، شكلت النساء 73% من مجموع العاملين في القطاع المنزلي عالميًا بحلول عام 2021، مع كون جنوب وجنوب شرق آسيا أكبر المناطق المصدرة للعمالة. رغم الاعتماد الكبير على هذه القوى العاملة في رعاية الأسر، تظل العاملات في موقع الهامش، سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية.
أفادت المنظمة بأن العمل المنزلي في دول الخليج يتسم بكونه مشحونًا بالتمييز القائم على العرق والنوع. ففي دولة الإمارات مثلًا، تعرض وكالات التوظيف رواتب العاملات بحسب بلد المنشأ، حيث تمنح العاملة الإندونيسية أجرًا مختلفًا عن العاملة الإثيوبية، استنادًا إلى تصورات نمطية أو ما يسمى "القيمة السوقية"، وليس بناءً على الكفاءة أو طبيعة العمل. تعكس هذه التفاوتات هياكل استعمارية وعنصرية قديمة، تعيد إنتاج التمييز في الفضاءات الخاصة داخل المنازل. كما يُنظر إلى العمل المنزلي باعتباره "عملًا نسائيًا"، مما يجعله أقل قيمة من الناحية الاقتصادية والقانونية. تسهم هذه التصورات الجندرية في ترسيخ ثقافة الإهمال واللامبالاة بحقوق ورفاه النساء العاملات.
ضعف آليات الرقابة والحماية:
يؤدي تقاطع النوع الاجتماعي مع العرق والطبقة إلى مضاعفة التحديات التي تواجهها العاملات المهاجرات، حيث تحتل العاملات المنزليات موقعًا متدنيًا في السلم الاجتماعي، وتحدد جنسيتهن وأصولهن العرقية الأجر الذي يتقاضينه، والمعاملة التي يتلقينها، وظروف الإقامة. وثقت منظمات حقوقية، منها "فريدوم هاوس" و"منظمة العفو الدولية"، تعرض عاملات من إفريقيا لمعدلات أعلى من العنف الجسدي، والإهانات اللفظية، والاحتجاز القسري. تبرز هذه الوقائع كيف يتقاطع التمييز العنصري مع التفاوت الطبقي لتطبيع الاستغلال. كما تعد النساء أكثر عرضة للتحرش والعنف الجنسي، في ظل غياب خدمات دعم كافية. تعيق الوصمة الاجتماعية والعوائق القانونية جهودهن في الوصول إلى العدالة أو التبليغ عن الانتهاكات.
نوهت المنظمة إلى أن آليات الرقابة الحكومية تعاني من ضعف كبير، خاصة فيما يتعلق بتفتيش المنازل الخاصة حيث تُشغل العاملات. يؤدي هذا القصور إلى تفشي الانتهاكات دون محاسبة. وحتى عندما تُقدم شكاوى، غالبًا ما تتقاعس السلطات في اتخاذ إجراءات فعالة، مما يترك العاملات دون وسائل إنصاف حقيقية.
غياب الالتزامات الدولية وضعف التنفيذ:
رغم وجود صكوك قانونية دولية تهدف إلى حماية حقوق العاملات المنزليات، لا تزال النساء المهاجرات في دول مجلس التعاون الخليجي يتعرضن لأشكال ممنهجة من الاستغلال وسوء المعاملة. يعود هذا التفاوت إلى غياب التصديق، وضعف التنفيذ، وغياب آليات الإنفاذ الفعّالة لهذه المعايير داخل دول الخليج. اعتمدت منظمة العمل الدولية اتفاقية رقم 189 الخاصة بالعمل اللائق للعمال المنزليين عام 2011، وتهدف هذه الاتفاقية إلى ضمان ظروف عمل عادلة، تشمل الأجور المنصفة، وساعات العمل المعقولة، والحماية من سوء المعاملة، والحق في التنظيم النقابي. وتؤكد الاتفاقية على ضرورة معاملة العمال المنزليين بكرامة واحترام، ومنحهم حقوقًا متساوية كباقي فئات العمال.
مع ذلك، لم تصادق أي من دول مجلس التعاون الخليجي على هذه الاتفاقية، ما يترك العاملات المهاجرات دون مظلة قانونية تضمن لهن شروط العمل اللائق، أو سبل الحماية من الانتهاكات المتعلقة بالأجور، وساعات الراحة، وظروف العمل. إضافة إلى ذلك، فإن اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29 تفرض على الدول الأعضاء القضاء على جميع أشكال العمل القسري أو الإجباري. ورغم أن دول الخليج قد صادقت على هذه الاتفاقية، فإن استمرار العمل بنظام الكفالة والممارسات المرتبطة به يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام الفعلي، لا سيما أن هذه الممارسات تنتج ظروفًا تماثل العمل القسري.
أوضحت المنظمة أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1979، تنص على إطار شامل للقضاء على التمييز ضد النساء في مجالات التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية. وتلزم الاتفاقية الدول باتخاذ تدابير ملموسة لضمان المساواة بين الجنسين، ومعالجة الحواجز القانونية والاجتماعية التي تعيق حقوق المرأة. ورغم تصديق دول الخليج على الاتفاقية، فإن التحفظات الواسعة، لا سيما تلك المتعلقة بالمساواة في الزواج والعلاقات الأسرية، إلى جانب التحفظات العامة المستندة إلى أولوية الشريعة، تضعف فعالية "سيداو" في المنطقة. وقد اعتُبرت هذه التحفظات غير متوافقة مع القانون الدولي، لأنها تقوض الغايات الجوهرية للاتفاقية. وبالتالي، تستثنى العاملات المنزليات المهاجرات من حمايات أساسية، خاصة في حالات التمييز القائم على النوع، مما يحرمهن من الوصول المنصف إلى العدالة.
إن عدم التصديق على الاتفاقيات الدولية المحورية مثل اتفاقية رقم 189 يعكس ترددًا واضحًا لدى دول الخليج في توسيع مظلة الحماية القانونية للعاملات المنزليات. وحتى في الحالات التي تم فيها التصديق، كما هو الحال مع الاتفاقيتين رقم 29 و105، فإن التنفيذ غالبًا ما يكون غير فعال، ويُفتقر إلى آليات رقابة ومساءلة قوية. في العديد من دول الخليج، مثل السعودية وقطر والكويت والإمارات وسلطنة عُمان، تُستثنى العاملات المنزليات المهاجرات كليًا من قوانين العمل العامة، ما يعني حرمانهن من الحقوق الأساسية مثل أيام الراحة الأسبوعية، وساعات العمل المنظمة، والحماية من الفصل التعسفي. وحتى في الدول التي أعلنت عن إصلاحات، فإن التطبيق العملي لهذه القوانين يظل متباينًا، والعاملات غالبًا ما يجهلن حقوقهن بسبب الحواجز اللغوية، أو نقص التوعية.
حذّرت المنظمة أن هذه الاستثناءات القانونية تثير مخاوف جدية بشأن مدى التزام دول الخليج بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والعمل، وتزيد من هشاشة وضع العاملات المنزليات المهاجرات. وبسبب هذا الغياب القانوني، تعتمد العاملات بالكامل على أصحاب العمل في الإقامة والعمل، مما يجعل أي محاولة للهرب من الانتهاكات أو السعي للمساءلة القانونية محفوفة بخطر الاعتقال أو الترحيل. إن هذا الوضع القانوني الهش يثني العاملات عن التبليغ عن الانتهاكات، ويطيل من عمر أنماط الاستغلال والإفلات من العقاب.