تتصاعد طموحات "السعودية" في أن تصبح قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بوعود "النفط الجديد" الذي قد يحل محل الثروة النفطية المتناقصة.
فمن خلال إطلاق شركة "هومين" (Humain) المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، تعلن الرياض عن خططها لبناء إمبراطورية بيانات ضخمة، معلنة أنها تسعى لتكون ثالث أكبر مزود للذكاء الاصطناعي في العالم. لكن وراء هذه الأرقام البراقة والشراكات العملاقة مع شركات مثل "إنفيديا" و"أيه إم دي" و"جروك"، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا ومجموعة من التساؤلات التي قد تنسف هذه الأحلام قبل أن تبصر النور.
بدا مؤكدا أن الرهان السعودي على الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو محاولة يائسة لتلميع صورة النظام عالميًا وتحقيق "الرؤية" التي تروج لها. في ظل المشاريع الضخمة التي لا تزال غارقة في الغموض والتأخير، مثل مدينة نيوم المستقبلية، يأتي مشروع "هومين" كجزء من استراتيجية إلهاء كبرى. فبينما تتحدث الرياض عن بناء مدن ذكية ومراكز بيانات عملاقة، لا تزال تداعيات قضايا حقوق الإنسان والتقارير عن اعتقالات وتضييق على النشطاء تطرح تساؤلات جدية حول البيئة التي يسعى النظام السعودي لإنشائها. السؤال الأهم الذي يُطرح هنا: هل يمكن حقًا جذب كفاءات عالمية للعيش والعمل في بلد يفتقر إلى الحريات الأساسية ويفرض قيودًا اجتماعية صارمة؟
لا يمكن فصل مشاريع الذكاء الاصطناعي عن سياقها البيئي، وهذا ما يبدو أن "السعودية" قد أغفلته تمامًا. إن فكرة بناء وتشغيل وتبريد "أميال من مراكز البيانات" في صحراء حارقة هي فكرة عبثية من الناحية البيئية، وفق ما يؤكد عليه المراقبين. تتطلب هذه المراكز كميات هائلة من الطاقة والمياه لتبريد الخوادم، مما يثير تساؤلات خطيرة حول الاستدامة في بلد يعاني من شح الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة. وهنا أيضا تساؤلات إضافية تُضاف: هل تستطيع البلاد حقًا تحمل التكلفة البيئية والمادية الهائلة لتوليد هذه الطاقة والحفاظ على هذه المراكز باردة؟ أم أن هذا المشروع هو مجرد واجهة أخرى لإهدار ثروات النفط المتبقية في مشاريع لا تخدم إلا الصورة الإعلامية؟
بالإضافة إلى التحديات البيئية، يواجه المشروع عقبة رئيسية تتمثل في الموارد البشرية. فوفقاً لتقرير حديث نشره موقع CNBC فإن صناعة الذكاء الاصطناعي لا تُبنى بالبنية التحتية وحدها، بل بالمهندسين والباحثين والمبرمجين المبدعين. وهنا تبرز مشكلة "السعودية" الأكبر: عدم قدرتها على جذب هذه الكفاءات والاحتفاظ بها. يعترف وزير الموارد البشرية السعودي نفسه بوجود فجوة توظيف بنسبة 50% في الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكد أن الرؤية السعودية تبقى حبرًا على ورق ما لم يتم دعمها بكوادر بشرية مؤهلة. ورغم الرواتب المجزية التي قد تقدمها البلاد، إلا أن الخبراء يشككون في قدرتها على منافسة دول مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تقدم بيئة أكثر انفتاحًا وتنافسية، ناهيك عن دول الغرب.
يصف بغداد غراس، الشريك في شركة "أنتلر" الاستثمارية، الاستراتيجية السعودية بأنها "تتركز بشكل كبير في القمة"، مع وجود "تأخير في الإدارة الوسطى" في ترجمة الرؤية على أرض الواقع. هذا يعني أن المبادرات الضخمة لا تتغلغل في النسيج العملي للدولة، مما يؤدي إلى جمود بيروقراطي يحول دون تحقيق الأهداف المعلنة.
تتفاخر "هومين" بشراكاتها مع عمالقة التكنولوجيا مثل "إنفيديا" و"جروك"، وتعلن عن استثمارات بمليارات الدولارات. لكن هذه الشراكات لا تعني بالضرورة أن "السعودية" ستحقق أهدافها. فالشركات الأمريكية العملاقة تسعى لتحقيق أرباحها أولاً وقبل كل شيء، وهي على استعداد للشراكة مع أي جهة تضخ الأموال، بغض النظر عن مدى جدية المشروع أو قابليته للتطبيق. ووفقا لCNBC فإن "توظيف السعودية للكثير من رأس المال" في البنية التحتية لا يضمن لها تحقيق الذكاء الاصطناعي المتكامل الذي تتحدث عنه، بل قد يكون مجرد وسيلة لتمويل الشركات الأجنبية دون بناء قدرات محلية حقيقية".
وإن كانت "السعودية" تتباهى بأن شركة "جروك" بنت ما وصفته بأنه "أكبر مجمع استدلال ذكاء اصطناعي في المنطقة" في شبه الجزيرة العربية، فإن هذا الإنجاز لا يضعها تلقائيًا في صدارة السباق. فبينما تضخ الحكومة السعودية المليارات في مشاريع فردية، "تمضي الإمارات العربية المتحدة قدمًا في استراتيجية أكثر اتساقًا، تتضمن شراكات مع كيانات عالمية مثل "أوبن إيه آي" و"سوفت بنك"، مما يعكس نهجًا أكثر تكاملاً وشمولية" وفقا للموقع.
كما يقارن الموقع أرقام النمو المتوقعة لسوق مراكز البيانات في "السعودية"، التي قد تصل إلى 3.9 مليار دولار بحلول عام 2030، بأنها تبدو ضئيلة للغاية مقارنة بحجم السوق الأمريكية الذي يتجاوز 200 مليار دولار حاليًا. هذا التباين الهائل يضع طموحات السعودية في سياقها الصحيح: أحلام كبيرة لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع.
في نهاية المطاف، يبقى مشروع "هومين" وغيره من المشاريع العملاقة في "السعودية" مجرد واجهة لسياسة تهدف إلى التباهي بقوة المال، دون معالجة المشاكل الهيكلية الأساسية التي تعيق التطور الحقيقي. وفي حال لم يتم حلّ قضايا البيئة والموارد البشرية والحريات الأساسية، فإن هذه المشاريع ستظل مجرد هياكل ضخمة وفارغة، تستهلك المليارات من الدولارات وتتلاشى مثل السراب في الصحراء.