بعد فترة وجيزة من تقرير نشرته وكالة "بلومبيرغ" عن تعثُّر انطلاق العمل في جزيرة "سندالة" على الرغم من الحفل الإفتتاحي الضخم الذي أُقيم له، نشرت صحيفة فاينانشيال تايمز تقريرًا جديدًا يكشف عن تحولات لافتة في مشاريع "السعودية" السياحية الضخمة المرتبطة برؤية 2030، حيث أُعلن عن نقل إدارة مشروع جزيرة سندالة في البحر الأحمر بعيدًا عن إدارة مشروع "نيوم" الصحراوي.
ويأتي ذلك في وقت يتعرض فيه المشروع الذي تبلغ تكلفته المعلنة أكثر من 500 مليار دولار لسلسلة من النكسات والإعادة الهيكلية بعد تعثرات متكررة.
بحسب ما ورد في الصحيفة، ستنتقل إدارة الجزيرة إلى شركة البحر الأحمر العالمية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة. الشركة سبق أن تولت إطلاق منتجعات سياحية فاخرة، ما دفع جهات القرار إلى اعتبارها أكثر قدرة على تسلّم زمام الأمور في مشروع سندالة مقارنة بـ"نيوم" التي غارقت في التأجيلات وتجاوز التكاليف والخلافات الإدارية.
جزيرة سندالة كان من المفترض أن تُفتتح في أوائل عام 2024، لتضم مرسى لليخوت الفاخرة ونادي جولف، إلا أن المشروع لم يُفتتح للجمهور حتى الآن، رغم تنظيم تجربة محدودة في أكتوبر من نفس العام لعدد من المستثمرين وكبار الشخصيات. لكن سرعان ما تزامن ذلك مع إقالة الرئيس التنفيذي لـ"نيوم" نظمي النصر بشكل مفاجئ، وهو ما سلط الضوء على عمق الأزمات الإدارية داخل المشروع.
أوضحت الصحيفة أن خليفة النصر، أيمن المديفر، بادر بإطلاق "مراجعة شاملة" لمشاريع "نيوم"، قد تقود إلى تجميد بعضها أو تقليصها أو تأجيلها. ومن بين المشاريع التي تواجه تحديات "ذا لاين"، المدينة المفترضة الممتدة على طول 170 كيلومترًا، والتي أُعلن عنها باعتبارها نموذجًا حضريًا مستقبليًا. إلا أن المشروع يعاني اليوم من تقليصات عن أهدافه الأصلية التي كانت بالغة الطموح.
وذكرت فاينانشيال تايمز أن نقاشات جرت مؤخرًا بين المسؤولين حول إمكانية إيجاد دولة بديلة لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، بسبب المخاوف من عدم قدرة مجمع "تروينا" للتزلج على الالتزام بالجدول الزمني أو البقاء ضمن الحدود المالية الموضوعة له. هذه المعطيات كشفت أن النظام يجد نفسه أمام تحديات كبرى في تنفيذ وعوده المتكررة حول تحويل شمال غرب البلاد إلى مركز عالمي للسياحة والابتكار.
تقرير الصحيفة أشار كذلك إلى أن شركة البحر الأحمر العالمية، بقيادة المدير التنفيذي الكندي الأصل جون باجانو، استطاعت خلال العامين الماضيين افتتاح عدة منتجعات، منها فنادق تديرها علامات فاخرة مثل ريتز كارلتون وسانت ريجيس. غير أن الأرقام التي أفصح عنها باجانو نفسها أظهرت الفجوة الكبيرة بين الطموح والواقع، حيث استقطبت مشاريعه نحو 50 ألف زائر فقط العام الماضي، بينما كان الهدف المعلن في البداية يصل إلى 300 ألف زائر.
عمليات الدمج التي ينفذها صندوق الاستثمارات العامة تعكس سعيه لتقليص الخسائر وتوحيد الموارد. فقد دمج الصندوق في عام 2022 شركة "سفن" التابعة له مع مشروع القدية، وهو مجمع ترفيهي ضخم غربي الرياض، كما دمج مشروع "أمالا" الصحي في شركة البحر الأحمر العالمية العام الماضي. هذه الخطوات توضح أن مشاريع السياحة الفاخرة لا تحقق النتائج المرجوة رغم الحملة الدعائية المكثفة التي ترافقها.
الضغوط على المسؤولين التنفيذيين داخل شركات الصندوق باتت متزايدة، خاصة مع الانخفاض المستمر في أسعار النفط، ما يضع برنامج التنويع الاقتصادي برمته في موقف هش. فالمشاريع العملاقة التي يُفترض أن تفتح أبوابًا جديدة لاقتصاد "السعودية" تبدو اليوم محاطة بالأسئلة حول جدواها، ومستقبلها الفعلي على أرض الواقع.
في السياق ذاته، يثير استمرار تعثر "نيوم" وما يتفرع عنها من مشاريع مثل "ذا لاين" و"أوكساجون" و"تروينا" تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام على تحويل شعاراته إلى إنجازات ملموسة. فبينما يُضخّم الخطاب الرسمي من الإنجازات المستقبلية، تكشف الوقائع التي تنقلها الصحف الدولية، مثل فاينانشيال تايمز، عن صورة مغايرة تتسم بالفوضى الإدارية والتحديات المالية.
إن نقل مشروع سندالة إلى إدارة البحر الأحمر العالمية لا يمكن اعتباره مجرد قرار إداري بسيط، بل هو مؤشر إضافي على أزمة بنيوية تعيشها المشاريع التي جرى الترويج لها باعتبارها محركات أساسية لمستقبل "السعودية".
ويبدو أن السنوات المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه المشاريع قادرة أصلًا على الصمود أمام التحديات الواقعية، أم أنها ستظل مجرد عناوين براقة بلا محتوى حقيقي.