بقلم: يارا بليبل...
ترتكز الطائفية السياسية على استغلال الانتماءات الفرعية لتحقيق أهداف سياسية، حيث تُستخدم الهوية الدينية أو المذهبية كأداة لتعبئة الجماهير وتشكيل تحالفات سياسية، غالباً ما تكون على حساب الوحدة الوطنية.
تظهر الطائفية في الشرق الأوسط كاستجابة لتهديد حقيقي أو متصوّر للموارد أو الأمن أو التمثيل الكافي في النظام السياسي. وقد يكون الوصف الأفضل للطائفية، بحسب دراسة لمؤسسة راند، أنها قضية متداخلة مع كونها على وجه العموم ظاهرة ذات شقين: داخلي وخارجي. تحدث الطائفية الداخلية على المستوى الداخلي للدولة وعادة ما تنشأ عن قادة الدولة أو القيادات الدينية الذين يستخدمون الهوية الطائفية لأغراضهم السياسية. ويُفضي الضغط من أعلى لأسفل غالباَ إلى الخلاف الطائفي الشائع.
يتخذ النظام السعودي من الفتنة الطائفية ميدانا ينطلق منه في حروبه في الداخل والخارج. سنقوم باستعراض الدور الفتنوي الذي تلعبه "السعودية" من البوابة الطائفية في العالم العربي.
طوفان الأقصى- "السعودية": استثمار في فتنة ميتة شعبيا:
فرضت عملية طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من حرب إبادة صهيونية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فرضت واقعا لم تتمكن "السعودية" من تغييبه ، وذلك على الرغم من امتلاكها لأهم واكبر آلة إعلامية في المنطقة.
فشل محمد بن سلمان في الموقف الأخلاقي والديني والسياسي إزاء القضية الفلسطينية، وانتصرت المقاومة في لبنان والعراق وكذا اليمن في تثبيت وتأكيد موقفها المبدئي والأخلاقي إزاء القضية بفتحها لجبهات إسناد استمرت لأكثر من عام. قدمت خلالها المقاومة في لبنان، شهيد الأمة السيد حسن نصر الله ونخبة من القادة في "حزب الله".
فرضت الحرب الصهيو-أميركية على القطاع ولبنان سؤالا عن دور القيادات والزعامات السنيّة في السعودية، الأردن ومصر. في كل مرحلة من الحرب المستعرة والمستمرة كان الصمت والتخاذل العربي الثابت الوحيد.
ركزت "السعودية" في إدارتها لخطابها السياسي في الحرب على أمرين: الأول، شنّ حملة إعلامية وسياسية ضد حماس وتحميلها مسؤولية الدموية الصهيونية وتبرير عدائها لها بالخلفية الفكرية المنبثقة منها حماس والعداء السعودي للإخوان المسلمين. أما الأمر الثاني، يتمثل في المسعى السعودي للعب دور المفاوض والمساوم على شروط التطبيع مع الصهاينة عبر امتطاء صهوة رعاية السلام ووقف حمام الدم في غزة، ومزاعم تمسك النظام بقيام دولة فلسطينية كشرط أساسي للتطبيع. ليتبين لاحقا، أن الصهاينة غير مستعجلين على الأمر، بل يعملون وفقا لمخطط منفصل لم يمنعهم من دعوة "السعودية" لتخصيص مساحة لاستضافة الفلسطينيين المهجرين عنوة من غزة، حال تطبيق مخطط دونالد ترامب وتحويله القطاع لـ"ريفييرا الشرق الأوسط" بحسب قوله.
جبهة الإسناد اللبنانية تُجهض حلم الحرب الأهلية والفتنة:
في لبنان، استبشر النظام السعودي في الحرب الاسرائيلية، ورأى فيها أملا متجددا بالقضاء على حزب الله، أحد أهم أذرع إيران في المنطقة، بحسب مفهومه. لم يخجل الإعلام السعودي وكتّاب البلاط باستعجال إعلان النصر المزمع، والاعتقاد بتمكن الصهاينة وأميركا من "قصقصة جناح" الحزب. فانبرت في سياسات "تدفيعه" الثمن داخلياً عبر حملة أوامر تقتضي تحييد حزب الله عن الحكومة وقبلها فرض اسم جوزيف عون رئيسا للجمهورية كإسم وحيد مطروح على الطاولة.
استغل النظام السعودي سقوط النظام السوري في الفترة التي تلت وقف الحرب على لبنان، لتذكية نار الخلاف بين سنة وشيعة لبنان حول الدور الذي لعبه حزب الله إلى جانب النظام حينها، وتكرار مسؤوليته عن دماء "السوريين" وغيرها من الشعارات التي كانت قد طوتها الأشهر الـ15 على غزة، دون أن تحظى بالفعالية المرجوة.
لقد احتضن اللبنانيون على اختلاف مذاهبهم أبناء الضاحية والبقاع والجنوب المهجرين خلال الحرب في مشهد أسقط الحسابات الأميركية- الإسرائيلية ومعها "السعودية" في إشعال نار الفتنة والترويج لشعار "لبنان ما بدو الحرب".
كما أنه خلال تشييع سيد شهداء الأمة، سماحة السيد حسن نصر الله ظهرت واضحة المشاركة الشعبية الواسعة من مختلف الطوائف في لبنان. وعلى الرغم من كل الضغوط السياسية والرسائل التي وصلت عبر السفارات، كان السيد بين أهله وناسه، ودّعوه بشيبهم وشبابهم. شكروا له سعيّه وصدقه على مدار سنين طوال.
أتى حسم قرار العودة السعودي بعد سنين من "الحياد" السلبي وبالتوازي مع سقوط النظام السوري السابق، في مشهد تقرأه الرياض على أنه بداية لـ "فكفكة" الأجنحة الإيرانية في المنطقة ورسم مشهد سياسي مغاير فيها، ما يدفعها لضمان مصالحها وتجديد الشراكات مع أدواتها في لبنان، وفقا لقاعدة "إفعلوا وإلّا..".
الفتنة ليست حكرا على السياسة..للفن حصّة:
بعد ذكر أهم الساحات السياسية التي تنشط فيها الرياض فتنويا، لا يغب النظام السعودي عن أي مجال يسمح باستغلاله بغرض الفتنة.
رأت الرياض أن رهانها، مرة جديدة، على الفتنة السنية الشيعية سقط. وأن التحولات والدور الذي تصدت له الشيعة في منطقة الشرق الاوسط أجهضت التجييش الطائفي .
وربطا بما سبق، انطلقت قناة أم بي سي بعرض الحلقات الأولى من مسلسل معاوية بعد تأجيل عرضه لمدة عامين.
توقيت العرض يشي بأن محمد بن سلمان ضاق ذرعا من حالة التلاحم بين المسلمين وما عكسته من حقيقة موقف "الشيعة" بمختلف فصائل المقاومة كمناصرين وأصحاب قضية، الأمر الذي يبرر قرار عرض المسلسل الآن، في محاولة لإحياء أجواء الفرقة بين المسلمين واللعب على الوتر الفتنوي من جديد.
العمل حتى الآن يتعرض لملاحظات على مستوى الأحداث التاريخية وبيئة التصوير غير الملائمة للزمان والمكان المراد مقاربته. مع الوقت ستكتمل الصورة بشكل أكبر، وسيتولى المدققون متابعة سير الأحداث ومدى ملامستها للواقع.
ختاماً، كل ما يفعله النظام السعودي لا يعدو كونه تبديل للأوجه بقلب ومضمون واحد. فـ"سعودية اللحى" كـ"سعودية الترفيه" خارج متغيّر بأهداف واحدة.