اعتمدت إدارة آل سعود لمراسم الحج هذا العام -مع توافد أكثر من 1.5 مليون حاج إلى مكة المكرمة وفقا للإحصاءات الرسمية- بشكل متزايد على التكنولوجيا لإدارة أكبر تجمع ديني سنوي في العالم. هذا الاعتماد الكبير أثار تساؤلات حول التناقض بين الجوهر الروحي للحج والجو الذي يخلقه الاعتماد المتزيد والمفرط على التقنيات الحديثة في ظل التحديات المتزايدة، بحسب ما أشار إليه انضمام رشيد في موقع "monocle".
ومن أكثر هذه الوسائل الإلكترونية التي تم استخدامها في إدارة الحج إثارة للجدل كانت الطائرات المسيرة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم لمراقبة الحشود.
كما استخدمت خطوة "مُثيرة للجدل، وإن كانت جوهرية" بحسب الكاتب، بمنع دخول أكثر من 270 ألف حاج غير مسجلين لمنع الازدحام.
وقد شهد هذا العام الظهور الأول لطائرة "فالكون" بدون طيار، التي طورتها المديرية العامة للدفاع المدني.
في نظرة عامة حول مميزات هذه الطائرة، لا تقتصر مهامها على المراقبة فحسب، فتتميز طائرة "فالكون" بقدرتها على الطيران لمدة تصل إلى 12 ساعة، حمل حمولة بوزن 40 كجم، وبث صور حرارية وبث مباشر إلى مراكز القيادة. صُممت هذه الطائرة للعمل في "البيئات المعقدة، من المباني الشاهقة والحشود الكثيفة إلى المناطق الصناعية والمواقع الخطرة".
"على الرغم من ضرورة هذه الإجراءات لضمان السلامة"، يتأمل الكاتب إنزامام رشيد، الذي عاش في الشرق الأوسط وأدّى فريضة الحج بنفسه، في التغيير الذي تحدثه هذه التكنولوجيا في الأجواء الروحانية للحج. يرى رشيد أن "الجوهر الروحي للحج ـ مناسكه من التواضع والسكينة والخضوع ـ يُقام الآن على خلفية طنين الآلات وأزيز طائرات المراقبة بدون طيار". ويضيف: "قد يبدو هذا للكثيرين وكأنه طبقة من البؤس مُضافة إلى أحد أقدس تقاليد العالم."
تتواصل فصول الإهمال الطبي واللوجستي خلال موسم حج 2025، مع ارتفاع أعداد وفيات الحجاج من عدة دول، وسط ظروف مناخية قاسية وغياب واضح للإجراءات الوقائية من قبل السلطات السعودية، التي تكتفي بالصمت أو تحميل المسؤولية للضحية. دول عديدة أعلنت وفاة عددا من مواطنيها خلال أدائهم الفريضة، في وقت تشير فيه الوقائع إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، دون حماية كافية أو خدمات طبية مناسبة، أصبحت سيفًا مسلطًا على رقاب الحجاج.
يعيد سوء إدارة "السعودية" لموسم الحج طرح العديد من الأسئلة حول قدرة الأخيرة على حماية أرواح الحجاج، ومدى استحقاقها ذلك. فعلى الرغم من الإمكانيات المالية الهائلة، والبنية التحتية التي تروّج لها السعودية سنويًا، إلا أن مشاهد التكدس، وضربات الشمس القاتلة، ونقص الخدمات الإسعافية في مواقع رئيسية، تعيد إلى الواجهة تساؤلات جدية حول قدرة الرياض على إدارة واحد من أقدس وأكبر التجمعات الدينية في العالم.
في موسم الحج الماضي، توفي أكثر من 1300 حاج، معظمهم نتيجة الإجهاد الحراري وسوء ظروف الإقامة والتنقل، وسط غياب ملحوظ للتدخلات الوقائية في الوقت المناسب. ورغم هذه الكارثة الإنسانية، لا تزال السلطات السعودية تتعامل مع الحج بمنطق “الاستعراض التنظيمي”، متجاهلة الحاجة الفعلية لمراجعة عميقة وشاملة في إدارة الحشود والخدمات الصحية.
إن تكرار حوادث الوفيات الجماعية، سواء بسبب التدافع، أو الإهمال الطبي، أو نقص المياه والتبريد، يُظهر أن هناك خللا منهجيا لا يمكن تبريره بشدة الحرارة فقط. فمن غير المقبول أن يلقى هذا العدد من الحجاج حتفهم في بلد يدعى فيه النظام تخصيص مليارات الدولارات سنويا لموسم الحج، بينما الحاج البسيط يواجه ظروفا قاسية، ويُترك في بعض الحالات بلا إسعاف أو مأوى مناسب.
يُضاف إلى ذلك غياب تام للشفافية والمساءلة، حيث لم تُنشر حتى الآن تقارير تفصيلية مستقلة عن أسباب الوفيات، ولا عن خطة الطوارئ التي يُفترض أنها وُضعت لتفادي تكرار المآسي. كما لم يُسمع عن أي محاسبة لمسؤولين رغم فداحة الخسائر البشرية. هذه الإخفاقات المتكررة تطرح اليوم بجدية مطلبا تتبناه جهات وشخصيات دينية وإنسانية دولية، وهو إشراك هيئات إسلامية مستقلة في الإشراف على إدارة موسم الحج، بما يضمن حماية الأرواح وكرامة الحجاج، وتحقيق مبدأ العدالة في توزيع الخدمات دون تمييز سياسي أو اقتصادي.
في ظل هذا التعتيم الإعلامي على شؤون الحج، طالب سفير أوغندا لدى "السعودية"، عيسى سِماتيمبا، بضرورة مراعاة "الشفافية والمساءلة" في تنظيم شؤون الحج، داعيًا الحجاج الأوغنديين إلى توخي الحذر والتعامل مع الوكالات الموثوقة. جاءت هذه المطالبة على خلفية تقارير وثّقت وفاة مئات الحجاج بظروف غامضة، وعمليات الاحتيال التي طالت حجاجًا أوغنديين عبر وكلاء سفر، ما يسلط الضوء على ضعف الرقابة السعودية على الوكالات التي تنشط داخل أراضيها.
من جهته، أكد المجلس الأعلى للمسلمين في أوغندا أهمية "التحقق من مصداقية أي وكالة قبل دفع الأموال"، في مؤشر على انعدام الثقة بالإجراءات التنظيمية المعمول بها في السعودية. ورغم إعلان السلطات السعودية نيتها التحقيق، فإن تكرار الانتهاكات يعكس فشلًا في ضمان بيئة آمنة للحجاج، ويطرح تساؤلات أخلاقية حول التساهل في حماية حقوق الحجيج.
النفي من مكة مستمر:
وأما على صعيد الاعتقالات فالوضع خلال الموسم الحالي لم يشهد تحسّنا، ولعلّ من أبرز القضايا التي أثارت جدلاً واسعا كانت منع الدكتور أحمد أبي بكر جومي، أحد أبرز العلماء والدعاة في نيجيريا، من إتمام مناسك الحج رغم حصوله على تأشيرة رسمية ووصوله إلى أراضي شبه الجزيرة العربية، وذلك دون تقديم أي مبرر شرعي أو قانوني.
مرصد انتهاكات الحج والعمرة لفت إلى هذه القضية، لتُثير تساؤلات جدية حول تسييس فريضة الحج واستخدامها أداةً للضغط على الأصوات المستقلة، وهو ما يُنافي مبادئ الإسلام التي تُؤكد على أن الحج حق مكفول لكل مسلم، لا يُمكن ربطه بالمواقف السياسية أو الآراء الشخصية.
وفقًا للتقرير الصادر عن المرصد، فإن الهيئة الوطنية للحج في نيجيريا (NAHCON) كانت قد وجهت دعوة رسمية للدكتور جومي للمشاركة ضمن فريق المفتيين والمستشارين الدينيين المرافقين لحجاج نيجيريا لهذا العام، للاستفادة من خبراته العلمية والدعوية الواسعة في تقديم الإرشاد الديني لأكثر من 35 ألف حاج نيجيري.
وعقب وصوله إلى المدينة المنورة، خضع الدكتور جومي لإجراءات الدخول المعتادة، بما في ذلك التحقق من الوثائق وأخذ البصمات.
وقد أكدت جميع الفحوصات الأولية خلو سجله من أي موانع أمنية، حيث لم يظهر اسمه ضمن قوائم الممنوعين من الدخول أو أية قوائم سوداء سعودية. وتمت مراجعة شاملة لقواعد البيانات الأمنية من قِبل مسؤولي هيئة الحج النيجيرية، بالتعاون مع مسؤول سعودي رفيع، وقد نوه المرصد إلى أن هذه الفحوصات أكدت أنه لا يوجد ما يمنع دخوله من الناحية القانونية أو الإجرائية.
ورغم ذلك، فوجئ الدكتور جومي بقرار تعسفي بمنعه من الدخول، دون إبداء أي أسباب رسمية. وقد نقل له مسؤول سعودي رفيع – بشكل غير رسمي – أن "المملكة لا ترغب في دخوله"، وقدم اعتذارًا شخصيًا دون أن يصدر أي توضيح رسمي من السلطات السعودية.
اضطر الدكتور جومي لمغادرة السعودية على نفقته الخاصة، رغم عدم توفر رحلة مباشرة إلى نيجيريا في ذلك اليوم، حيث غادر عبر رحلة للخطوط التركية مرورًا بإسطنبول، وقضى خمس ساعات في الترانزيت قبل أن يعود إلى بلاده، حيث استقبله كبار مسؤولي الحكومة النيجيرية بما يليق بمكانته العلمية والدينية.
ولم يُخفِ الدكتور جومي السبب الحقيقي وراء هذا المنع، مؤكدًا في تصريح له أن "بسبب بعض الأسباب المتعلقة بآرائي في السياسة العالمية، فإن السلطات في السعودية لا تريدني أن أحضر الحج، رغم أنها منحتني تأشيرة الدخول." وتُشير هذه التصريحات بوضوح إلى أن السبب الرئيسي للمنع يعود إلى مواقف الدكتور جومي السياسية، وتضامنه العلني مع القضية الفلسطينية، وهو ما لفت المرصد إلى أنه يُؤكد دلالات التسييس في هذه القضية.
أدان "مرصد انتهاكات الحج والعمرة" بشدة هذا التصرف الذي يُعدّ انتهاكًا صارخًا لحقوق المسلمين في أداء فريضة الحج.
كما أكد المرصد أن من حق الدكتور جومي، كغيره من المسلمين، أن يؤدي مناسك الحج دون قيد أو منع بسبب مواقفه أو آرائه.
وندد المرصد بأن تسييس الحج يُمثّل خروجًا عن مبادئه السامية، ويُسيء إلى مكانة المملكة كخادم للحرمين الشريفين. كما شدد المرصد على أن السلطات السعودية يجب أن تُدرك أن الحج فريضة إسلامية وحق مكفول لكل مسلم في أنحاء العالم، ولا يجوز شرعًا ولا قانونًا حرمان أي مسلم من أدائها لمجرد ممارسته حقه المشروع في التعبير عن رأيه.