في خطوة قالت الجهات الرسمية إنها تستهدف حماية المنتج المحلي وتعزيز تنافسيته، وافقت وزارة المالية السعودية على تعديل ورفع الرسوم الجمركية على 51 بندًا جمركيًا من السلع الزراعية والحيوانية والغذائية، على أن يبدأ العمل بالقرار اعتبارًا من الجمعة 26 يونيو 2026.
القرار، في ظاهره، يدخل ضمن أدوات السياسة التجارية التي تستخدمها الدول لحماية إنتاجها الوطني وتنظيم السوق، لكنه، في توقيته وطبيعة السلع التي يشملها، يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أثره المباشر على المواطن، خصوصًا أن كثيرًا من هذه السلع يرتبط بالغذاء اليومي للأسر.
ما السلع التي شملها القرار؟
وفقًا لما نُشر في الصحافة المحلية، شملت التعديلات سلعًا متنوعة من المنتجات الزراعية والحيوانية والغذائية، بينها:
وبحسب التبرير الرسمي المنقول، فإن الهدف من القرار هو حماية وتشجيع المنتجات الزراعية المحلية بما يسهم في دعم الإنتاج الوطني وتعزيز تنافسيته في السوق المحلية، مع الالتزام بالسقوف الجمركية التي تعهدت بها المملكة ضمن إطار منظمة التجارة العالمية.
الوجه الآخر للقرار
رغم أن حماية المنتج المحلي هدف مشروع لأي دولة، فإن السؤال الأهم هو: من سيدفع كلفة هذه الحماية؟
عندما تُفرض رسوم جمركية على سلع غذائية أساسية أو شبه أساسية، فإن أثرها لا يبقى عند حدود المستورد أو التاجر، في الغالب، تنتقل هذه الكلفة تدريجيًا إلى المستهلك النهائي، أي إلى المواطن والمقيم الذي يشتري هذه السلع من السوق.
فالتاجر لن يتحمل كامل الزيادة من أرباحه، والمستورد سيعيد احتساب التكلفة، وتاجر التجزئة سينقل الزيادة إلى السعر النهائي وفي النهاية، يجد المستهلك نفسه أمام فاتورة غذاء أعلى، حتى لو كانت الزيادة تبدو في البداية محدودة أو موزعة على عدة سلع.
غلاء الغذاء في سياق أوسع
المشكلة لا تكمن في قرار واحد فقط، بل في تراكم الأعباء على الأسر، فالمواطن لا ينظر إلى الرسوم الجمركية بمعزل عن بقية التكاليف التي تواجهه يوميًا:
ضريبة القيمة المضافة، فواتير الكهرباء والماء والوقود، أسعار السكن، وتكاليف الخدمات الأساسية.
في يوليو 2020، رُفعت ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% في سياق أزمة كورونا وانخفاض أسعار النفط. ورغم أن ذلك قُدم في حينه كإجراء استثنائي فرضته الظروف، فإن الضريبة لا تزال عند مستواها المرتفع بعد سنوات.
واليوم، تأتي رسوم جمركية جديدة على سلع غذائية وزراعية لتضيف عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسر.
وهنا يطرح المواطن سؤالًا منطقيًا:
إذا كانت هذه الإجراءات مؤقتة عند الأزمات، فلماذا تتحول مع الوقت إلى جزء دائم من تكلفة الحياة؟
سوق العمل والبطالة: الجرح المفتوح
لا يمكن فصل كلفة المعيشة عن سوق العمل، فارتفاع الأسعار يصبح أكثر قسوة عندما يتزامن مع ضعف الدخل أو صعوبة الحصول على وظيفة مستقرة.
تشير الأرقام "الرسمية" إلى انخفاض معدل البطالة بين السعوديين في السنوات الأخيرة، لكن هذا لا يلغي أن ملف التوظيف لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصًا بين الشباب والخريجين.
فالمواطن لا يقيس واقعه فقط بالنسبة المعلنة، بل بتجربته الشخصية:
هل وجد وظيفة؟ هل راتبه يكفي؟ هل الفرص المتاحة عادلة؟ وهل يستطيع بناء حياة مستقرة بدخله الحالي؟
وتزداد حساسية الملف مع استمرار الجدل حول توظيف الأجانب في بعض القطاعات والمشاريع الكبرى.
فحين يرى المواطن أن وظائف نوعية أو إدارية أو ذات مزايا عالية تذهب إلى وافدين، بينما يواجه هو صعوبة في الحصول على فرصة مناسبة، يتولد شعور بالاختلال في توزيع الفرص.
هذا الشعور لا يُعالج بالشعارات، بل بسياسات واضحة تضمن أن يكون المواطن في قلب سوق العمل، لا على هامشه.
دولة نفطية كبرى ومواطن يسأل: أين نصيبي؟
السعودية إحدى أكبر الدول النفطية في العالم، وواحدة من أهم مصدري النفط عالميًا، وقد منحتها هذه المكانة موارد ضخمة مكّنتها من بناء بنية تحتية واسعة، وتمويل مشاريع كبرى، وإطلاق برامج تحول اقتصادي طموحة.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن لا يتعلق بحجم المشاريع فقط، بل بمدى انعكاس هذه الثروة وهذه التحولات على حياته اليومية.
فالمواطن لا يعيش داخل أرقام الميزانية ولا عناوين المشاريع، بل يعيش داخل فاتورة الغذاء، وفاتورة الكهرباء، وإيجار السكن، وراتبه آخر الشهر.
ولهذا فإن أي سياسة اقتصادية لا يمكن تقييمها فقط من زاوية الإيرادات أو حماية السوق، بل من زاوية أثرها الاجتماعي والمعيشي. فالإصلاح الاقتصادي إذا لم يُصمم بعناية قد يتحول في نظر الناس إلى سلسلة من الأعباء المتراكمة: ضريبة أعلى، دعم أقل، أسعار أغلى، وفرص عمل غير كافية.
حماية المنتج المحلي لا يجب أن تكون على حساب المستهلك
لا أحد يعترض من حيث المبدأ على دعم المنتج المحلي أو بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على قدراته الداخلية، بل إن تشجيع الزراعة والصناعة والإنتاج الوطني هدف ضروري لأي دولة تريد تعزيز أمنها الغذائي وتقليل اعتمادها على الخارج.
لكن حماية المنتج المحلي لا يجب أن تتحول إلى حماية للأسعار المرتفعة، ولا إلى عبء مباشر على المستهلك، فإذا رُفعت الرسوم الجمركية، يجب أن تكون هناك رقابة صارمة على الأسعار، ودعم حقيقي للإنتاج المحلي، وتوضيح شفاف لكيفية منع استغلال القرار من قبل التجار.
كما يجب أن يترافق القرار مع سياسات تعويضية للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، لأن أثر الرسوم لا يكون متساويًا على الجميع، فالزيادة التي تبدو بسيطة على ورق القرارات قد تكون ثقيلة على أسرة محدودة الدخل تعتمد على راتب واحد.
ما المطلوب؟
المطلوب ليس رفض كل قرار اقتصادي، بل المطالبة بتوازن عادل، حماية المنتج المحلي هدف مفهوم، لكن حماية المواطن يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية.
المطلوب أن تُطرح أسئلة واضحة:
قرار رفع الرسوم الجمركية على 51 سلعة ليس مجرد خبر اقتصادي، بل اختبار جديد للعلاقة بين الإصلاح الاقتصادي ومعيشة المواطن، فحين ترتفع الرسوم على الغذاء، وتبقى الضرائب مرتفعة، وتستمر ضغوط سوق العمل، يصبح السؤال الاجتماعي أكبر من القرار نفسه.
المواطن لا يطلب المستحيل، هو يريد دخلًا يكفي، وفرصة عمل عادلة، وأسعارًا يمكن تحملها، وسياسات اقتصادية يشعر أنها صُممت لحمايته لا لإثقاله.
أما إذا استمرت الأعباء في التراكم من دون شرح كافٍ أو حماية اجتماعية واضحة، فإن النتيجة ستكون مزيدًا من الضغط على الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل، ومزيدًا من القلق حول اتجاه السياسات الاقتصادية.
في بلد نفطي كبير يملك موارد ضخمة وطموحات اقتصادية واسعة، لا ينبغي أن يكون المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة التحول، فنجاح أي رؤية اقتصادية لا يُقاس فقط بما يُبنى من مشاريع، بل بما يشعر به الناس في حياتهم اليومية:
في وظائفهم، ودخلهم، وأسعار غذائهم، وقدرتهم على العيش بكرامة واستقرار.