عاجل:
المليارات للخارج والبطالة للداخل:  كيف تُهدر ثروات بلاد الحرمين لشراء الحماية والشرعية؟
حدث وتحليل 2026-08-25 17:08 609 0

المليارات للخارج والبطالة للداخل: كيف تُهدر ثروات بلاد الحرمين لشراء الحماية والشرعية؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

مفارقة الـ 22 ألف وظيفة

في مشهدٍ يختصر واقع السياسة السعودية اليوم، خرجت العاصمة الفرنسية باريس لتعلن بفخر أن المشاريع والاستثمارات السعودية الجديدة ستؤمّن 22 ألف فرصة عمل للمواطنين الفرنسيين.

هذا الإعلان، الذي يُقدَّم في الغرب كإنجاز اقتصادي، ينزل على المواطن السعودي كصفعة صريحة، ويفتح جرحاً غائراً لا يمكن التغطية عليه بالبروباغندا الإعلامية.

السؤال البديهي الذي يفرضه هذا المشهد:

بأي حق وبأي منطق تُضخ مليارات الدولارات من ثروات بلاد الحرمين لتنعش الاقتصاد الأوروبي وتوظف آلاف الشباب الغربي، في حين يقف الشباب السعودي في طوابير البطالة، ويئن المواطن تحت وطأة الضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة وتقليص المساعدات؟

 

أولاً: صفقات الاستثمار… فاتورة لشراء الشرعية لا تنمية الوطن

إن محاولة تصوير هذه الزيارات والاتفاقيات مع واشنطن وباريس على أنها «شراكات استراتيجية» أو «استثمارات رابحة» لم تعد تنطلي على أحد، الحقيقة المجردة هي أن هذه الأموال تمثل «ضريبة بقاء» وفاتورة سياسية تُدفع للقوى الغربية.

بعد سنوات من القمع غير المسبوق، وتصفية المعارضين، واعتقال العلماء والناشطين، بل وحتى تحييد واعتقال أبناء عمومته من الأمراء في سبيل الاستحواذ المطلق على السلطة، وجد محمد بن سلمان نفسه في حاجة ماسة لغطاء سياسي ودبلوماسي خارجي.

ومن هنا، تحول صندوق الاستثمارات العامة وخزينة الدولة إلى «دفتر شيكات مفتوح» لشراء الصمت الدولي، وإعادة تدوير الصورة في المحافل العالمية، وتجاوز ملفات حقوق الإنسان والتحقيقات القضائية الدولية.

 

ثانياً: وهم الحماية الخارجية وفشل الرهان

التاريخ والوقائع أثبتا مراراً أن المليارات التي أُنفقت على صفقات التسلح والاستثمارات لم تضمن حماية حقيقية للبلاد.

  • أين كانت هذه الحماية عندما استُهدفت منشآت النفط الحيوية في الداخل ووقفت المنظومات باهظة الثمن عاجزة؟
  • أين كانت الاتفاقيات الأمنية والتحالفات عندما قالت واشنطن علانية إنها معنية بالدفاع عن مصالحها فقط وليست ملزمة بخوض حروب الآخرين؟

إن الغرب يتعامل مع هذه الصفقات بمنطق تجاري بحت: يأخذ الأموال، يوفّر الوظائف لشعوبه، ويبيع وعوداً سياسية تنتهي عند أول اختبار حقيقي.

الاعتماد على باريس أو واشنطن لحماية الحكم هو رهان خاسر يدفع ثمنه الشعب السعودي من أمنه وموارده.

 

ثالثاً: ضرب الهوية وقيم المجتمع لإرضاء العواصم الغربية

ولم يتوقف ثمن شراء الرضا الخارجي عند حدود المال والاستثمار، بل امتد لضرب العمق الديني والاجتماعي لمهبط الوحي، لقد تم تسويق ما يُسمى بـ «الانفتاح» و«الترفيه» كإصلاح، بينما هدفه الحقيقي تقديم أوراق اعتماد للغرب وإظهار صورة “عصرية” ترضي المؤسسات الإعلامية والسياسية الغربية.

تم تحويل وجه البلاد إلى فعاليات وحفلات تتصادم مع هوية الجزيرة العربية وقيم مجتمعها، وملاحقة وتغييب كل صوت ينصح أو يعترض، ظناً بأن التنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية هو الممر الإلزامي لنيل القبول الدولي وتثبيت أركان الحكم الفردي.

 

رابعاً: غياب الرقابة والانفراد بالقرار

الأزمة الكبرى تكمن في غياب أي شكل من أشكال الرقابة والمحاسبة؛ فالقرارات السيادية والمالية تُتخذ بإرادة فردية مطلقة، دون برلمان منتخب، ودون قضاء مستقل، ودون شفافية تتيح للشعب معرفة أين تذهب أمواله وما هي الجدوى الحقيقية لهذه المشاريع العابثة في الخارج.

المواطن يُطالب بالتقشف، وتُفرض عليه ضريبة القيمة المضافة، وتُلغى عنه أشكال الدعم الأساسي بحجة “ترشيد الإنفاق”، بينما تُصرف المليارات لبناء مدن ترفيهية ومشاريع استعراضية في أوروبا وأمريكا لا ناقة للمواطن فيها ولا جمل.

 

خاتمة: الشرعية الحقيقية من الداخل لا الخارج

إن استقرار الدول وحمايتها لا يُشترى من عواصم الغرب، ولا يُبنى على حساب إفقار الشعوب وتهميشها وتغييب هويتها.

إن استنزاف ثروات الأجيال القادمة لشراء سكوت القوى الكبرى هو سياسة قصيرة النظر لا تزيد البلاد إلا هشاشة وتبعية.

إن أولوية ثروات بلاد الحرمين يجب أن تكون لشعبها: لتوظيف شبابه، وتطوير خدماته، وصيانة كرامته وهويته، لا أن تكون هدايا وجوائز تُوزع يمنة ويسرة لضمان البقاء في السلطة على حساب حاضر الوطن ومستقبله.

آخر الاخبار