في قلب “بلاد الحرمين”، حيث نزل الوحي وتوسطت الكعبة المشرفة بقاع الأرض، يواجه المجتمع السعودي ظاهرة لم تكن في الحسبان:
موجة من الإلحاد والانسلاخ عن الدين تتصاعد يوماً بعد يوم، ليس بين عوام الناس فحسب، بل في أروقة النخب العسكرية والمثقفة.
والسؤال الذي يطرح نفسه بحدّة:
هل هو صدفة أن يرتد الشباب عن دينهم في أرض النبوة، أم هو رد فعل حتمي على تحويل الدين إلى “دكان سياسي” لمصالح آل سعود؟
1. الدين كـ “دروع بشرية” للفساد
لطالما تذرع نظام آل سعود بـ “الوهابية” والمؤسسة الدينية كغطاء لشرعنة حكمهم وتثبيت نفوذهم.
لقد استُخدم الدين كأداة تطويع للجماهير، وكدرع يحمي الطبقة الحاكمة من المحاسبة.
ولكن، عندما يرى المواطن – والضابط والمجند – أن “ولي الأمر” الذي يُطالب بالالتزام الشرعي هو أول من ينتهك الحرمات، ويمارس الفساد، ويغرق في ملذات تتنافى مع أبسط قيم الإسلام، فإن النتيجة الحتمية هي سقوط القداسة.
لم يعد الشباب يفرقون بين “جوهر الدين” وبين “سلوك السلطة” التي تدعيه؛ فكفروا بالسلطة، ومعها كفروا بالدين الذي تستخدمه لتبرير طغيانها.
2. “معادلة الحصار” و"حرب اليمن": حين يتحول الدين إلى أداة قتل
كيف يمكن لعقل شاب أن يستوعب خطاباً دينياً يُسمّى “شرعياً” وهو يرى الطائرات السعودية تدك المدن اليمنية، وتقتل الآلاف، وتجوع شعوباً مسلمة، تحت مظلة “نصرة الحق”؟
إن الفجوة بين الخطاب الديني الرتيب وبين الجرائم المرتكبة باسم هذا الدين في اليمن وغيرها، خلقت صدمة أخلاقية (Moral Injury) لدى العسكريين والمدنيين على حد سواء.
إن انشقاق ضباط القوات الجوية، وإعلان الفتيات تخليهن عن الدين، ما هو إلا صرخة احتجاج مدوية ضد نظام “يستبيح الدم باسم الله”.
3. الازدواجية: قانون للفقراء… وحصانة للأمراء
أكبر محرك للإلحاد في السعودية اليوم هو “النفاق الاجتماعي”.
حين يرى الشاب أن أفراد العائلة الحاكمة يعيشون في بحبوحة من المخدرات، والتبذير، والانحلال الأخلاقي، دون أن يجرؤ قانون أو “مطوع” على محاسبتهم، بينما يُجلد المواطن البسيط على أبسط الأخطاء باسم الشريعة، يدرك الشاب أن الدين ليس إلا “قيداً للمحكومين” و"مباحاً للحاكمين".
هذا الإدراك هو الذي دفع الآلاف نحو الإلحاد كفعل “تمرّد” و"احتجاج" وليس كفعل إيماني.
4. التحرر الموهوم: الانفتاح كأداة تضليل
لم يأتِ الانفتاح والترفيه الذي نراه اليوم في المملكة من أجل “تحرير الإنسان”، بل لإلهاء المجتمع عن قضاياه السياسية والحقوقية الحقيقية.
السلطة تحاول اليوم أن تنقل المجتمع من “التشدد الديني” إلى “الانفتاح السطحي” بنفس العقلية الفوقية الاستبدادية، والنتيجة؟
جيل ضائع، بلا مرجعية أخلاقية، يرى في الهروب من الدين وسيلة للهروب من طغيان السلطة التي حولت المعتقد إلى ورقة سياسية محروقة.
الخاتمة: لقد دمرتم العقيدة لتبقى العروش
إن إلحاد هؤلاء الشباب والفتيات هو في حقيقته “إدانة” للنظام الذي سخر المقدس من أجل مآرب دنيوية دنيئة.
إن من يرتكب الموبقات، ويشن الحروب العبثية، وينهب ثروات الأمة، ثم يدعي أنه “خادم الحرمين”، هو المسؤول الأول والمباشر عن موجة الارتداد هذه.
رسالة إلى أحرار الأمة: ما نراه اليوم من انشقاق وإلحاد ليس إلا بداية “انفجار” تراكمات النفاق الديني والسياسي.
إنها طبيعة الأشياء:
عندما تُحول السلطة الدين إلى سوط لجلد شعوبها، لا تستغربوا إذا تمردت الشعوب على السوط… وعلى من يلوح به.