بقلم: فيصل التويجري
انتهت في التاسع من هذا الشهر المهلة التي حددتها وكالة التحقيق البريطانية المستقلة للسعودية للرد على طلبها لزيارة الناشطات المعتقلات في سجون المملكة، ولم ترد الرياض عليها. لكن التجاهل لن ينهي القضية كما يبدو فقد أكدت الهيئة التزامها بزيارة الناشطات السعوديات والرجال الداعمين لهن، وأشارت أنها جمعت الكثير من الأدلة والمعلومات الصادمة عن ظروف اعتقال هؤلاء الناشطين ستكشفها في تقرير يصدر لاحقاً. وأوضحت هيئة التحقيق البريطانية أن مجلس العموم يعيدون النظر في تصورهم عن السعودية.
هذه الهيئة تضم أعضاءً في مجلس العموم البريطاني ومحامين دوليين وشخصيات مرموقة تعنى بالحريات عبر العالم. هذه الهيئة خاطبت السعودية عبر سفارتها في لندن في الثاني من هذا الشهر وطالبتها بالسماح لأعضاء فيها بزيارة المعتقلات في سجونهن وبالأخص سجن ذهبان القريب من جدة وأمهلت السفارة حتى التاسع من هذا الشهر لترد بالموافقة والا أن الهيئة ستمضي فيما بدأته، فلا تلمنّ السلطات السعودية الا نفسها.
الرد على الهيئة لم يأتي، وصورة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باتت سيئة بما يكفي في بريطانيا ليضاف اليه عدم تجاوبه مع أي نداءات توجه اليه لتقص أوضاع حقوق الانسان في بلاده. وبحسب التقارير الاستخباراتية البريطانية فان ثمة ما يروع حقاً في تلك البلاد الثرية التي جاء منها ولي العهد السعودي الى بريطانيا. فهناك ناشطات اعتقلن لمطالبتهن بحقوق تعتبر بديهية في المجتمعات المعاصرة فيما يتعلق بحقوق المرأة لكنهن حبسن وضيق عليهن في بلادهن وحدث الأسوء لهن، حيث تأكد تقارير حقوقية عدة تعرضهن للتعذيب بل والتهديد بالاغتصاب. وهو ما قيل إن المستشار السابق للرجل القوي في الرياض، سعود القحطاني، أشرف عليه شخصياً.
وثمة من تحدث أيضاً عن محاولات تحرش حدثت مع بعض المعتقلات في انتهاك فج لا لحقوقهن وحسب بل لثقافة المجتمع نفسه التي يقول ولي العهد السعودي أنه يغيره ليصبح أكثر حداثة وموائماً للمنظومات القيمية للمجتمعات المتقدمة رغم أن ما يقوم به يخالف ذلك.
وبحسب هيئة التحقيق البريطانية فانهم تلقوا كماً كبيراً من المعلومات الصادمة وأن الهيئة ماضية في اعداد تقرير يفترض أن يصدر بحلول نهاية هذا الشهر، وعلى ضوء خلاصاته ربما تكون هناك توصيات باتخاذ إجراءات ضد الرياض. وهنا يقول محللون بريطانيون أنه ستكون هناك إعادة نظر في تصور الكثيرين ومنهم البرلمانيون عن النظام السعودي والتغير الأكبر والأسوء فيه حدث في نظر كثيرين عندما أصبح محمد بن سلمان ولي للعهد. وبنظرهم أن ثمة فرصة يضيعها الرجل برفض سلطاته السماح لأعضاء في هيئة التحقيق بزيارة المعتقلات.
وبحسب محللين أن الأسرة الدولية لم تعد تثق في الرياض وما تقوله بشأن حقوق الإنسان خاصة بعد اغتيال خاشقجي وما صدر منها بعد ذلك من روايات ومواقف هزيلة ومنافية للواقع، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يثق في أنها ستجري تحقيقات فعالة في قضايا السجون، لا سيما أن الجميع يعلم أنها تعذب المعتقلين. كما أن التقرير البريطاني إن صدر قد يستخدم في منابر دولية أخرى لإجبار الرياض على السماح بزيارة سجونها.
ويبقى السؤال هنا هل تتجاوب الرياض؟ لكن الجواب معروف، وهو النفي قطعاً، فالعاهل السعودي الذي حرص بعيد اغتيال خاشقجي على تصدر المشهد لا يستطيع رتق كل تلك التمزقات الحادة في الوعي المحلي والعالمي التي أحدثها نجله. وبرأي كثير فان الملك منشغل في إعادة تأهيل ولي عهده من دون اهتمام بالتأثيرات الجانبية لصعوده السياسي، وهي تأثيرات جانبية تراكمت وأحدثت شروخاً عميقة في المجتمع السعودي وتهدد سلمه الداخلي، ويعطف على هذا تكرس ذهنية الاكراه على الاقناع في رأي البعض فما لا يستطيع الرجل فعله برضى الجميع يفعله بضغط الصفقات ومحفظة المال المنتفخة والمفتوحة وهو ما قد زاد الوهم لديه برأيهم ناج ما دامت الحكومات الغربية تغض الطرف أو تلجأ الى الصمت لتمرير هذه الصفقة أو تلك. وكما ينطبق على الحكومات لا ينطبق على البرلمانات وعلى صناع القرار وعلى الرأي العام، هناك يكون الحساب عسيراً وان تأخر بعض الشيء.
ختاماً، إن من يتآمر على البلاد هو القيادة السعودية نفسها بممارساتها التي تنتهك حقوق الإنسان، وما فكرة المؤامرة إلا شماعة تستخدمها الأنظمة الاستبدادية، فعلى ماذا يعول بن سلمان في مواجهة الانتقادات المتصاعدة على الساحة الدولية لانتهاكاته لحقوق الإنسان في بلاد الحرمين الشرفين؟