لا يمكن لأي مشروع يسعى لتحرير أمة أو استرداد كرامة شعب في جزيرة العرب أن ينجح وهو يعاني من «عمى الألوان السياسي».
وأخطر أنواع هذا العمى هو العجز عن التفريق بين معارضة جذرية تنشد التحرر الحقيقي واستعادة سيادة الأرض وأهلها، وبين أبواق وظيفية تحرّكها أجنحة هاربة أو مقصاة من داخل منظومة الحكم ذاتها.
إن ما نشهده اليوم في بعض المنصات والخطابات التي ترتدي رداء «المعارضة» يستدعي جراحة فكرية دقيقة بلا مداهنة ولا مجاملة؛ فالمشهد اليوم منقسم بوضوح بين حقيقتين:
أولاً: كشف الغطاء عن «المعارضة الوظيفية» (أيتام العهد الأمني القديم)
يجب أن نملك الشجاعة الكافية لنسمي الأشياء بأسمائها:
ليس كل من هاجم محمد بن سلمان هو بالضرورة صاحب مشروع تحرر؛ فهناك شريحة تتحرك تحت لافتات «الحقوق والحريات»، لكنها في جوهرها ليست سوى امتداد لغرف عمليات أمنية ممولة يديرها رجال المرحلة السابقة:
إن تحويل سعد الجبري أو محمد بن نايف إلى رموز لـ «العدالة والإنقاذ» ليس سذاجة سياسية عند هذه الفئة، بل هو أداء لوظيفة مدفوعة الأجر هدفها إعادة تدوير ماكينة البطش ذاتها، ولكن لصالح مشغّليهم القدامى.
ثانياً: الرسالة إلى «الأحرار الصادقين»… إياكم وفخ البيدق!
في المقابل، ثمة أحرار يملكون غيرة حقيقية على الدين والأرض والكرامة، ويرفضون طغيان محمد بن سلمان وبطشه، لكن بعضهم يقع في خطيئة سياسية قاتلة تحت مسميات «الواقعية التكتيكية» أو «عدو عدوي صديقي».
لهؤلاء نقولها نُصحاً وإشفاقاً:
1. الاستبداد كُلٌّ لا يتجزأ: إذا قبلتم اليوم تبرئة جزار الأمس نكاية بجزار اليوم، فبأي وجه أخلاقي ستحدثون الناس غداً عن العدالة؟
2. رموز العهد القديم هم الأساس لا البديل: ما كان لمحمد بن سلمان أن يبطش اليوم بكل هذه السهولة لولا الماكينة الأمنية، وقوانين الإرهاب الفضفاضة، ومنظومة السجون السرية التي أرساها هؤلاء عبر عقود؛ ابن سلمان لم يفعل سوى أنه جلس على مقعد قيادتها، واستلّ ذات السياط التي جُلدت بها ظهور الأحرار منذ استيلاء هذه العائلة على مقدرات الجزيرة العربية.
3. وهم التغيير من داخل العائلة: إن أصل البلاء والجذر الحقيقي للمظلمة التاريخية في جزيرة العرب ليس تصرفات شخص بعينه، بل يكمن في فلسفة الاستحواذ والملك العضوض برمتها؛ في اختزال أطهر بقاع الأرض وشعبها العريق في اسم عائلة تحتكر السلطة والثروة وتوزع الحقوق كفتات ومنح بمزاجها. إن استبدال حاكم بآخر من الشجرة ذاتها ليس إلا إعادة إنتاج لدوائر الفشل، واستبدالاً لسجان بسجان.
البوصلة التي لا تحيد:
إن معركة الوعي اليوم تفرض فرزاً صارماً وحاسماً:
إن غاية الأحرار هي استعادة كرامة الأمة وحقها الطبيعي في اختيار من يحكمها وإدارة مقدراتها، وليست الوقوف كجمهور في مدرجات صراع الأجنحة داخل القصور الملكية.
لا حرية لنصف مستعبد، ولا شرف لمعارضة تستجدي خلاصها من أقبية المباحث القديمة.