بقلم: جمال حسن
تعودنا لأن تتصدر المملكة أخبار الفضائيات ووسائل الاعلام المقروءة والمسموعة في قضايا أنتهاكات حقوق الانسان، وقمع الحريات، ودعم الإرهاب، والحرب بالوكالة، والتمييز الطائفي.. لكن هذه المرة بدأنا نتطور نحو الاقتصاد المتدهور والخدمات الاجتماعية المفقودة جملة وتفصيلاً في أبسط الأمور، ليجعل من البلد الأول للذهب الأسود على المستوى العالمي لأن يكون أكبر دولة مقترضة في الشرق الأوسط بفضل سياسة طيش الدب الداشر ولي عهد غابة آل سعود.
فليس بجديد أن يتردد أسم ولي العهد السعودي ضمن الثلاثي القمعي الخليجي (بن سلمان، وبن زايد وآل خليفة)، خلافاً لما تدعي تلك الأنظمة بشأن "التحديث والإصلاح" اللذانِ لم يريا النور على المستوى السياسي، بل تتردد لسبب سجلاتهم المثيرة للجدل في مجال حقوق الانسان خاصة بأبسط أوجهه ما دفع الى تعجب وإشمئزاز الحضور من سياسة الثلاثي المقيت هذا من قبيل القتل والقمع والإخفاء القسري والتعذيب والإغتيال والخطف التي يتعرض لها شعب شبه الجزيرة العربية حيث استأثرت خلالها السعودية بالأضواء- وفق ما كتبه البعض.
ثم إن تاريخ قبة البرلمان الأوروبي تشهد ولأول مرة حضور نشط لذوي المعتقلين والمعنفين في السجون السعودية وكذا المقتولين والمخطوفين على يد نظام آل سعود، كشفت شهاداتهم حقائق كبيرة عن السجل الأسود لحقوق الانسان في المملكة على وجه خاص بعد أن كان مال البترول المنهوب قد غطى عليها طيلة العقود والسنوات الماضية وأخرس عديم الضمير الأوروبي منهم والعربي.
أما على الصعيد الإقتصادي المنشود في مقالنا هذا، فتؤكد وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف الائتماني، أن مملكة البترول الأولى تتصدر قائمة بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الإقتراض الداخلي والخارجي، مشيرة الى إنها ستشهد زيادة بنسبة 25% أي ما يعادل 27 مليار دولار في الاقتراض الطويل الأجل للحكومات الـ 13 المصنفة لديها بالمنطقة من المصادر التجارية المحلية والدولية، ليصل الى نحو 136 مليار دولار في 2019، مقارنة مع 109 مليارات في 2018.
وتوقعت وكالات الاقتصادي العالمي إرتفاع الديون طويلة الأجل على المملكة الى نحو 44% ليبلغ حجم الإقتراض خلال الفترة القليلة القادمة الى أكثر من 76 مليار دولار سيتحمل المواطن السعودي عبء ذلك من خلال فرض ضرائب جديدة ورفع الدعوم الحكومية عن الحاجيات الأساسية والمنتوجات الغذائية والدوائية أكثر مما هي عليه الان، مع إرتفاع في نسبة التضخم والبطالة غير المتوقعة في المستقبل القريب.
لقد أنتهج محمد بن سلمان ومن يدور في فلكه سياسة الطرب والغناء والرقص الماجن المختلط، والسماح للمقاهي والمطاعم بعزف الموسيقى الصاخبة وعروض الرقص الحية، سعياً منهم لإخفاء الوجه الماكر لسلطة القبضة الحديدية والتضليل على القبضة الحديدية في الداخل والتي تم خلالها أعتقال آلاف المعارضين ونشطاء الرأي ورجال الأعمال وعلماء الدين والزج بهم في السجون؛ الى جانب توظيف العديد من شركات الدعائة الغربية لتبييض وجه نظام آل سعود على المستوى الغربي على أقل تقدير.
وتزامن الإندفاع الكبير للدورة السلمانية وترغيب الشارع السعودي المحافظ نحو الإنشغال بالترفيه الغربي المنحط، مع استمرار معاناة البلاد إقتصادياً وإجتماعياً لتعدد الأزمات السياسية والعسكرية التي تكبدها مئات المليارات من الدولارات خاصة في الحرب على اليمن ثم التدابير اليائسة لمعالجة الوضع الإقتصادي المتدهور وسط أحلام بنفسجية لشاب الأرعن وخططه الفخمة بقيمة 500 مليار دولار في بناء مدينة نيوم.
وأكثر ما يثقل كاهل المواطن السعودي هو تفشي الفساد في قطاعي الصحة والبلديات، وهو ما أكده مؤشر مدركات الفساد الذي اصدرته منظمة الشفافية الدولية نهاية نوفمبر الماضي، حيث يكشف المؤشر عن معلومات تبعث على القلق تؤكدها التقلبات الجوية وهطول الأمطار الموسمية كلما دخل الخريف والشتاء الى المملكة تصحب بزخات من البرد ورياح نشطة مثيرة للأتربة تؤدي الى جريان السيول تغرق شوارع غالبية المدن والقرى وتعيق حركة المرور ويتم تعليق الدراسة في الكثير منها خاصة في محافظات أبها والقريات والمنطقة الشرقية، ومن قبل كل ذلك محافظات مكة المكرمة وجدة والطائف يذهب ضحيتها عشرات الأبرياء كل عام دون أي إهتمام من قبل السلطات المعنية.
لعل البعض يأخذ علينا بالتهويل لكن بيانات وزارة المالية السعودية نشرتها على صفحتها في موقع "تويتر"، أكدت في تشرين الأول الماضي من أن الدين العام للمملكة، أكبر مصدّر للنفط في العالم، قفز بنحو 1200%، في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، متوقعة زيادة الديون بشكل أكبر، وتسجيل عجز في الموازنة العامة للدولة. فقد وصل الدين العام المستحق على السعودية بنهاية العام 2018، الى 576 مليار ريال (153.6 مليار دولار).
وتوقعت وزارة المالية إرتفاع الدين العام للمملكة الى 678 مليار ريال (180.8 مليار دولار) في نهاية 2019، بزيادة تبلغ نسبتها 17.7% عن العام الماضي. تمثل الديون المحلية نصيب الأسد من الدين السعودي، بنسبة 63 % بما يوازي 62.5 مليار دولار، فيما تمثل الديون الخارجية 37 بالمائة تساوي 36.5 مليار دولار، فيما كشفت وكالة "تويتر" أن ديون السعودية زادت بأكثر من 21% بنهاية النصف الأول من العام الماضي.
من جانبها أكدت التقارير الاقتصادية الدولية من أن السعوديين يغرقون في دوامة الديون لسنوات مقابل ترفيه لأيام أشغلهم بها محمد بن سلمان على حساب لقمة العيش والمستقبل، وشبكة "بلومبيرغ" الاقتصادية تقول: إن المواطنين السعوديين أقترضوا العام الماضي أموالا تعادل ثلاثة أمثال ما أقترضوه العام 2017، مع تزايد تكاليف المعيشة بسبب الإجراءات الحكومية الهادفة الى تعزيز إيرادات الدولة بغية تسديد تكاليف الملك وولي عهده والأسرة الحاكمة.
وأشارت الوكالة الى أنه منذ مطلع 2018 رفعت الحكومة أسعار الوقود والمرافق العامة وفرضت ضريبة القيمة المضافة كما فرضت رسوما على بعض العاملين الأجانب، موضحة أنه رغم حرص السلطات السعودية على تعزيز إيرادات الدولة دون إضعاف النمو الاقتصادي فإن أحدث بيانات رسمية للقروض توحي بأن السياسات الاقتصادية لمحمد بن سلمان قد أضرت كثيراً بالمواطنين في إمكاناتهم المالية.
وحسب بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) فقد بلغت قروض التعليم في الربع الأول من العام الماضي 3.69 مليار ريال سعودي (984 مليون دولار) من 1.02 مليار ريال في الربع المماثل من العام الذي سبقه. وأرتفعت قروض الأثاث بنسبة 152 % في حين أرتفعت قروض السيارات بنسبة 85 %.
وتسببت الأزمات الاقتصادية للمواطن خلال العامين الأخيرين في تغيير ثقافته المعيشية، ما دفعه للجوء الى القروض البنكية لتوفير إحتياجاتهم المعيشية وليتمكنوا من مواجهة الإرتفاعات الكبيرة في الأسعار، مع إمتناع الحكومة على مساندتهم ودعمهم وهو ما أظهرته النشرة الشهرية لمؤسسة النقد العربي السعودي.
ويؤكد محللون ومتابعون للشأن الاقتصادي في السعودية أن العام الجاري أكثر صعوبة للسعوديين من الأعوام السابقة وذلك وفقا للمؤشرات الأولية التي ظهرت خلال الشهرين الجاري والماضي، مشيرين الى أن زيادة القروض الاستهلاكية وتراجع معدلات القروض الإستثمارية يكشف مدى الأزمة التي يعاني منها المواطن السعودي.