ليست المشكلة في أن تطلب أي دولة من مواطنيها الإبلاغ عن جريمة، أو أن تفتح قناة لشكوى بلدية؛ فهذه أبجديات التنظيم في المجتمعات الحديثة. المشكلة تبدأ في نقطة مفصلية أخرى تماماً: حين يتحول الإبلاغ من سلوك مدني استثنائي لحماية المصلحة العامة، إلى بنية تحتية وثقافة ممنهجة ترعاها الدولة وتضخ فيها المال والتدريب، بينما تفرض في الفضاء الموازي قبضة أمنية تجعل التعبير عن الرأي أو حتى التفاعل الرقمي العابر تهمة قد تطيح بمستقبل صاحبها.
هنا يسقط السؤال التقليدي: من يراقب المجتمع؟
ليحل محله السؤال الأكثر رعباً: ماذا يحدث حين يُعاد تصميم المجتمع ليراقب بعضه بعضاً؟
مؤسسة الوشاية: بالشهادة والعمولة!
لم يعد هذا التحول مجرد استنتاج نظري، بل واقع تشيّده القرارات الرسمية بالأرقام والنسب المعلنة:
النتيجة؟ أكثر من 13 ألف مسجل، و5 آلاف حامل لشهادة “الراصد”، وآلاف البلاغات في أسبوع واحد.
ما هو الحافز؟ مكافأة مالية تصل إلى 25% من قيمة المخالفة المحصلة.
الرسالة الضمنية التي تبنيها هذه المنظومة شديدة الوضوح:
سجّل… تدرّب… التقط الصورة… حدد الموقع… ارفع البلاغ… واقبض الثمن.
المسألة هنا تتجاوز ضبط المخالفات؛ إنها خلق «حافز اقتصادي للتلصص»، وتطبيع لموقع المواطن كعين أمنية إضافية للدولة على جاره وزميله، في بيئة تنعدم فيها الشفافية والضمانات المستقلة ضد تصفية الحسابات والبلاغات الكيدية.
في مواجهة «بلّغ»… تحضر لعنة «امسح»
في الواجهة الرسمية تدوي كلمة «بلّغ».
وفي كواليس الحياة اليومية والفضاء الرقمي تتردد الكلمة المقابلة كصرخة تحذير غريزية: «امسح».
هنا يكتمل الاختراق النفسي؛ فالأنظمة القمعية الأكثر كفاءة عبر التاريخ لم تكن تلك التي تضع جندياً خلف كل مواطن، بل التي تنجح في «خصخصة القمع»؛ بأن تجعل المواطن يحمل محققه وسجانه داخل رأسه.
يبدأ الخوف من الدولة، ثم من القانون الفضفاض، ثم من الجهاز الأمني، ثم من زميل العمل أو الصديق المتربص… حتى يصل الفرد إلى ذروة الانضباط القسري: أن يصبح هو رقيب نفسه الأول.
تقاطع الرصد مع تكميم الأفواه
لو كانت هذه الهندسة محصورة في رصد حفرة طريق أو تسريب مياه، لكان الأمر تنظيماً إدارياً، لكن الكارثة تقع حين تتقاطع شبكات الرصد هذه مع منظومة تجريم واسعة النطاق:
تقارير المنظمات الحقوقية الدولية (هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية، القسط) وثقت خلال السنوات الأخيرة استخدام قوانين «مكافحة الإرهاب» و«الجرائم المعلوماتية» لملاحقة أبسط أشكال التعبير.
لم يعد الحساب محصوراً على ما تكتبه، بل امتد لتوثيق محاكمات واحتجازات طالت مواطنين وزواراً ومقيمين بسبب:
في مثل هذا المناخ، يتحول كل مقيم ومواطن إلى هدف محتمل، وتتحول أدوات الإبلاغ إلى أسلحة جاهزة في يد من يريد الابتزاز أو إظهار فائض الولاء.
استدعاء أشباح التاريخ
حين يُشرعن الإخبار ويُكافأ بالمال، يعيد التاريخ تذكيرنا بآلياته الشمولية:
من شبكات المخبرين في جهاز “الشتازي” بألمانيا الشرقية، إلى منظومات الإخبار الحزبي في عهود البعث في العراق وسوريا؛ لم تكن المعضلة في أسماء الأجهزة، بل في تدمير رأس المال الاجتماعي.
حين تخشى العائلة حديث مجالسها، ويتوجس الموظف من مكالمة زميله، وتصبح الشكوى المهنية أو المعيشية مخاطرة أمنية، فإن النتيجة الحتمية ليست “الأمن”، بل تفكك الثقة البينية وتآكل المجتمع من الداخل.
المقيم الأجنبي — بوصفه الحلقة الأكثر هشاشة — يُساق إلى الصمت المطلق تحت تهديد الإلغاء الفوري للإقامة، بينما يُطلب من الزائر والمستثمر أن يثق في اقتصاد يدّعي الانفتاح بينما يُجبر رواده على تنظيف هواتفهم قبل عبور الحدود.
ثلاثية السقوط: بلّغ… امسح… اصمت
هكذا تكتمل الدائرة الشيطانية:
1. «بلّغ»: مبادرات وتقنيات ومكافآت مالية تهبط من الأعلى.
2. «امسح»: ذعر اجتماعي ورقابة أفقية تتفشى بين الناس في الأسفل.
3. «اصمت»: المحصلة النهائية التي تعفي السلطة من عناء الملاحقة؛ لأن الجميع تكفلوا بإسكات أنفسهم وإسكات من حولهم.
قد تنجح الدولة بهذا النموذج في جمع ملايين التقارير والبيانات، وقد تستعرض نجاح منصاتها بأرقام قياسية، لكنها تدفع في المقابل الفاتورة الأخطر:
صناعة مجتمع معاق نفسياً، محكوم بالريبة، خائف من المبادرة، وفاقد للثقة.
"حين تصبح الوشاية وظيفة مُجزية، والتعبير جريمة كبرى، والصمت هو خط الدفاع الأخير للنجاة… تسقط آخر أوهام الحداثة والتجديد.
المعادلة اليوم باتت واضحة بلا تجميل:
إما أن تكون صياداً يبيع رأس أخيه ببلاغ ومكافأة، أو تكون طريدة تمسح أثرها قبل الفجر وتنتظر دورها.
هذه ليست خطة أمنية ولا رؤية مستقبلية؛ هذه ماكينة منظمة لسحق الروح الإنسانية، وتسميم الشرايين التي تربط الناس ببعضهم… حتى لا يتبقى في البلاد سوى الخوف، والسوط، ومن يدفع ثمن البلاغ."