عاجل:
حين يصبح الحاكم أكبر من الدولة ... قراءة في عهد محمد بن سلمان
حدث وتحليل 2026-10-03 14:10 776 0

حين يصبح الحاكم أكبر من الدولة ... قراءة في عهد محمد بن سلمان

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

في علوم السياسة والإدارة، تُبنى الخطط التنموية على دراسات الجدوى، وحسابات الإمكانيات الواقعية، وآليات المراجعة والرقابة.

فالدول لا تُدار بالأحلام وحدها، مهما كان الحلم كبيراً، وإنما بقدرتها على تحويله إلى واقع، ثم مراجعة ما يفشل منه قبل أن يتحول الخطأ إلى التزام طويل الأمد.

لكن السعودية شهدت منذ صعود محمد بن سلمان إلى مركز القرار تحولاً عميقاً في طريقة إدارة الدولة.

فقد تركزت السلطات السياسية والاقتصادية والاستثمارية حوله بدرجة كبيرة، وأصبح القرار الاستراتيجي أكثر ارتباطاً بمركز واحد للسلطة.

وتصف دراسات عن السياسة السعودية هذا المسار بأنه إعادة تشكيل للجهاز الإداري والاقتصادي حول قيادة شديدة المركزية، مع إنعدام المساءلة السياسية المستقلة.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن الحاكم طموح، ولا في أن الدولة تريد مشاريع كبرى، ولا حتى في أن بعض الخطط يمكن أن تتغير.

المشكلة تبدأ عندما تصبح رؤية شخص واحد هي المحرك الأساسي لقرارات تمتد آثارها إلى اقتصاد دولة كاملة، وسياساتها الخارجية، ومجتمعها، ومستقبل أجيالها.

فالدول تخطئ، والمشاريع الكبرى قد تتعثر، والحكومات قد تضطر إلى تغيير حساباتها عندما تتغير الظروف.

لكن الفارق الحاسم هو:

من يراجع القرار؟

من يستطيع الاعتراض عليه؟

ومن يستطيع إيقافه عندما تتضح كلفته؟

ومن يتحمل ثمن الخطأ عندما تتحول الفكرة إلى عقود والتزامات مالية؟

حين تكون المؤسسات قادرة على المراجعة والتصحيح، يمكن احتواء الخطأ قبل أن يكبر.

أما حين يتركز القرار في دائرة شديدة الضيق، فإن الخطأ لا يبقى مجرد خطأ في مشروع؛ بل يمكن أن يتحول إلى خطأ بحجم دولة.

ومن هنا لا تكفي مشاهدة الأبراج والمهرجانات والإعلانات العملاقة للحكم على التجربة.

السؤال الأهم هو:

ماذا كلّف السعودية هذا النموذج من الحكم؟

وهل كانت الدولة قادرة على تحمل تكلفة الحلم؟

 

1.  «ذا لاين» ونيوم: عندما يصبح المستقبل مشروعاً قبل أن يصبح حساباً

ربما لا يوجد مشروع يختصر طموح عهد محمد بن سلمان أكثر من «ذا لاين»

قُدّم المشروع باعتباره ثورة في مفهوم المدينة:

مدينة خطية بطول 170 كيلومتراً، بعرض 200 متر وارتفاع 500 متر، ومصممة لاستيعاب نحو 9 ملايين نسمة في صورتها النهائية.

كانت الصورة أكبر من أي مدينة معاصرة تقريباً.

لكن المشكلة في المشاريع العملاقة ليست في قدرتها على إبهار المشاهد، بل في قدرتها على الصمود أمام الحسابات الهندسية والمالية والزمنية.

في 2024 أفادت رويترز بأن السعودية بدأت تقليص طموحات نيوم والتركيز على أجزاء أكثر قابلية للتنفيذ، وأن أعمال «ذا لاين» جرى توجيهها نحو مقطع بطول نحو 2.4 كيلومتر مرتبط بمشروعات أخرى، في وقت تضخمت فيه تقديرات التكاليف وازدادت الضغوط على التمويل.

ثم جاء التحول بصورة أوضح في 2026، عندما أقر صندوق الاستثمارات العامة استراتيجية جديدة للفترة 2026–2030 تركز بدرجة أكبر على الاستثمار المحلي، بينما أصبح «ذا لاين» من المشاريع التي خضعت لإعادة ترتيب الأولويات بسبب الضغوط المالية والاستراتيجية.

ووفق تقرير نشرته «سيمفور» في يونيو 2026، تضمنت ميزانية نيوم للفترة 2026–2030 نحو 60 مليار ريال، أي قرابة 16 مليار دولار، لمدفوعات مرتبطة بإنهاء اتفاقات وعقود طويلة الأجل مع مقاولين.

وهذه أرقام تتحدث عن كلفة إعادة هيكلة المشروع، لا عن مجرد تأخير في التنفيذ.

هنا تظهر المفارقة:

الدولة قد تدفع ليس فقط لبناء المشروع، بل أيضاً للتراجع عن أجزاء منه.

وهنا يتحول السؤال من «هل كانت الفكرة عظيمة؟» إلى:

هل كانت الحسابات عظيمة بالقدر نفسه؟

فالطموح ليس المشكلة.

المشكلة تبدأ عندما تكون سرعة الإعلان أكبر من سرعة الدراسة، وعندما تتحول الرؤية إلى عقود والتزامات قبل أن تثبت قدرتها على البقاء اقتصادياً وهندسياً.

والمشكلة الأكبر أن «ذا لاين» لم يكن مشروعاً عادياً؛ بل أحد الرموز المركزية لرؤية 2030.

ولذلك فإن تقليصه وإعادة ترتيب أولوياته ليس مجرد تعديل هندسي، بل اختبار لنموذج يرفع سقف الوعود إلى مستويات يصعب على الواقع مجاراتها.

 

2.  «سنعيش بلا نفط»: الوعد الذي اصطدم بالواقع

في أبريل 2016 قال محمد بن سلمان، في مقابلة مع قناة «العربية»، إنه يعتقد أن السعودية تستطيع في 2020 أن تعيش من دون النفط، في إطار تصور واسع لتقليص الاعتماد على الخام وتحويل صندوق الاستثمارات العامة إلى محرك اقتصادي ضخم.

كان ذلك وعداً واضحاً، وله موعد محدد.

لكن 2020 لم تأتِ بسعودية بلا نفط.

بل جاءت بجائحة كورونا وانهيار أسعار النفط وضغط هائل على المالية العامة.

وفي ذلك العام رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، وقالت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك إن القرار جاء ضمن إجراءات مواجهة تداعيات الجائحة وآثارها المالية والاقتصادية.

لكن المقارنة بين الوعد والنتيجة تبقى قائمة:

في 2016 قيل إن السعودية ستستطيع العيش بلا نفط في 2020؛ وفي 2020 كان النفط والأزمة المالية هما في قلب الحسابات، فيما انتقلت ضريبة أعلى إلى المستهلك.

فوزارة المالية قدرت عجز ميزانية 2026 بنحو 165 مليار ريال، أي 3.3% من الناتج، بينما قدرت في سبتمبر 2026 عجز 2027 بنحو 191 مليار ريال، أو 3.6% من الناتج المحلي، مع إنفاق يبلغ 1.392 تريليون ريال وإيرادات تبلغ نحو 1.202 تريليون ريال.

وهكذا فإن القصة الحقيقية ليست «تحررت السعودية من النفط»؛ وإنما تغيرت تركيبة الإيرادات بينما ظل النفط عنصراً أساسياً، بالتوازي مع استمرار الإنفاق الاستثماري الكبير والعجز والاقتراض.

أما المواطن، فقد أصبح يواجه ضرائب ورسومات وأسعاراً أعلى بصورة ملموسة مقارنة بما كان عليه قبل رؤية 2030، وهي الكلفة التي لا تظهر في صور المشاريع العملاقة.

 

3. صندوق الاستثمارات العامة: عندما يصبح الاستثمار أداة لإعادة بناء الدولة

صندوق الاستثمارات العامة هو أحد أهم أعمدة النموذج الاقتصادي في عهد محمد بن سلمان.

الصندوق الذي كانت أصوله تقارب 500 مليار ريال عام 2015، أعلن في 2026 أن أصوله المدارة وصلت إلى نحو 3.4 تريليون ريال بنهاية 2025، وأن إيراداته بلغت 450 مليار ريال وصافي أرباحه تجاوز 65 مليار ريال خلال 2025.

هذه أرقام ضخمة بالفعل.

لكن السؤال هنا ليس فقط حجم الصندوق، وإنما كيف تُدار هذه الثروة العامة، وما مستوى الرقابة والمساءلة على قراراتها؟

فالصندوق لم يعد مجرد صندوق ثروة سيادية يحتفظ بأصول مالية، بل أصبح أداة مركزية لتنفيذ إعادة الهيكلة الاقتصادية ومشروعات السياحة والترفيه والصناعة والرياضة والبنية التحتية ونيوم وغيرها.

وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن محمد بن سلمان عزز سيطرته على المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأنه أصبح الشخصية المحورية في إدارة صندوق الاستثمارات العامة.

وهنا تظهر مشكلة الحوكمة:

كلما أصبح القرار الاستثماري أكبر، ازدادت الحاجة إلى استقلال أدوات المراجعة.

فالخطر ليس أن تستثمر الدولة أموالها.

الخطر أن تتحول الدولة نفسها إلى مستثمر عملاق، بينما تصبح المسافة بين صاحب القرار وصاحب المشروع وصاحب المراجعة قصيرة إلى درجة يصعب معها فصل القرار السياسي عن القرار الاقتصادي.

وما يزيد أهمية هذا السؤال أن استراتيجية الصندوق نفسها تغيرت في 2026، مع التركيز بصورة أكبر على الاستثمار المحلي، في ظل إعادة تقييم عدد من المشاريع الضخمة والالتزامات المالية.

وهذا لا يعني أن كل استثمار خاسر، ولا أن كل أموال الصندوق ضاعت.

بل يعني شيئاً أبسط وأهم:

الدولة التي تملك صندوقاً بحجم مئات المليارات تحتاج إلى مؤسسات رقابية بحجم هذه الثروة.

 

4.  «محاربة الفساد» وثروة رجال الأعمال: حين يصبح الاستحواذ الاقتصادي جزءاً من السلطة

في نوفمبر 2017 أطلقت السلطات السعودية حملة واسعة لمكافحة الفساد، احتُجز خلالها أمراء ورجال أعمال ومسؤولون حاليون وسابقون، وأقيم كثير من الاحتجازات في فندق ريتز كارلتون بالرياض.

بحسب بيان سعودي لاحق، استدعت لجنة مكافحة الفساد 381 شخصاً، وأعلنت أن التسويات أسفرت عن استعادة أكثر من 400 مليار ريال إلى خزينة الدولة بأشكال شملت العقارات والشركات والنقد وأصولاً أخرى.

السلطات قدمت العملية باعتبارها حملة لاستعادة أموال الدولة ومكافحة الفساد.

لكن منظمات حقوقية وثقت جانباً آخر بالغ الخطورة.

فقد قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات ضغطت على محتجزين لتسليم أصولهم مقابل الإفراج عنهم خارج إطار قانوني واضح، ونقلت تقارير عن استخدام الإكراه والإيذاء الجسدي في بعض الحالات، فيما أفادت بأن 17 محتجزاً على الأقل احتاجوا إلى علاج طبي عقب سوء المعاملة.

تكفي الوقائع نفسها لطرح سؤال بالغ الأهمية:

ماذا يحدث عندما تصبح مكافحة الفساد مرتبطة بسلطة تنفيذية تملك في الوقت نفسه صلاحية الاعتقال، والتجميد، والتفاوض على التسويات، والسيطرة على جزء من الأصول التي تنتقل إلى الدولة؟

كانت تلك الحملة نقطة تحول ليس فقط في السياسة، وإنما في علاقة المال بالسلطة داخل السعودية.

ومنذ ذلك الوقت أصبح واضحاً أن الدولة تستطيع، في ظل مركزية القرار، إعادة تشكيل موازين الثروة والنفوذ بسرعة استثنائية.

والسؤال الذي بقي مطروحاً هو: أين تقف الحدود بين محاربة الفساد، وإعادة توزيع القوة الاقتصادية؟

 

5.  اليمن: حرب بدأت بمنطق الحسم ولم تُغلق ملفاتها

في 26 مارس 2015 تدخل التحالف الذي قادته السعودية عسكرياً في اليمن، في محاولة لإعادة الحكومة والسيطرة على مسار الصراع الذي كان الحوثيون قد تمددوا فيه.

ويشير مكتب المبعوث الأممي إلى أن الحرب أدت إلى آلاف الضحايا المدنيين ودمار واسع وأزمة إنسانية كبيرة.

كان منطق التدخل في بدايته عسكرياً بوضوح.

لكن الحرب استمرت سنوات، ولم يتحقق الحسم العسكري الذي كان كثير من الخطاب المبكر يوحي بإمكان الوصول إليه بسرعة.

وفي 2023 دعت السعودية وفداً حوثياً إلى الرياض لاستكمال مباحثات وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي، وشملت الملفات المطروحة الرواتب والموانئ والمطارات والأسرى وإخراج القوات الأجنبية وإعادة الإعمار.

كان ذلك انتقالاً واضحاً من ساحة الحرب إلى ساحة التفاوض.

لكن حتى هذا المسار لم يغلق الملف.

لم تَفِ السعودية بالتزاماتها، فلا الرواتب صُرفت، ولا الحصار عن الموانئ والمطارات رُفع.

ومع حلول أكتوبر 2026، تجدد التصعيد العسكري في اليمن بحدّة إثر قصف الطيران السعودي لمطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية تقلّ ركاباً يمنيين.

ونقلت رويترز أن السعودية تخطط، مع قوات يمنية وتحت إشرافها، لعملية عسكرية ضد الحوثيين في محاولة لاستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية في البحر الأحمر، بينما كانت الرياض تسعى أيضاً إلى دعم استخباري وعسكري خارجي لمواجهة الخطر الحوثي.

أي أن الملف الذي بدأ في 2015 لم يتحول إلى قصة «نصر وحسم»، بل بقي ملفاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً مفتوحاً بعد أكثر من عقد.

وهنا لا يحتاج الأمر إلى شعار سياسي.

يكفي أن نسأل: كم كلف السعودية أن تُدار الأزمة عسكرياً كل هذه السنوات، ثم تعود في النهاية إلى التفاوض، ثم تجد نفسها أمام تصعيد جديد؟

 

6. قطر: ثلاثة أعوام من القطيعة ثم المصالحة

«في يونيو 2017، فرضت السعودية—بوصفها المحرك الرئيسي والموجه للقرار الإقليمي في تلك الفترة—مقاطعة على قطر، بالتنسيق مع الإمارات والبحرين ومصر. وقد سعت الرياض من خلال هذه الخطوة إلى ممارسة ضغط قصوى على الدوحة، تمثلت في قائمة من 13 مطلباً، أبرزها تقليص العلاقات مع إيران وإغلاق قناة الجزيرة.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من القطيعة، جاءت قمة العُلا في يناير 2021 لتعيد ترتيب المشهد، حيث أُعيد فتح الحدود وعادت العلاقات بين قطر والدول المقاطعة، وفي مقدمتها السعودية.

مرة أخرى، لا تحتاج المسألة إلى القول إن أحداً “انهزم” بقدر ما تعكس طبيعة التحولات في توازنات القوى والقرارات السيادية داخل المحور الخليجي.»

المفارقة وحدها كافية:

أقصى درجات التصعيد السياسي انتهت إلى المصالحة وإعادة العلاقات.

وهذا يطرح سؤالاً أكبر عن صناعة القرار الخارجي:

هل تُبنى السياسة على حساب طويل الأمد لمصالح الدولة، أم على ردود فعل سريعة تتغير عندما تتغير البيئة الإقليمية والدولية؟

 

7. إيران: من خطاب المواجهة إلى اتفاق بكين

في الملف الإيراني أيضاً تغير المشهد بصورة كبيرة.

في مارس 2023 أعلنت السعودية وإيران، بعد مفاوضات استضافتها الصين، الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات والبعثات الدبلوماسية، مع التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وهكذا انتقلت الرياض من سنوات من التوتر والتصعيد مع طهران إلى مسار يقوم على التواصل والتهدئة.

ولا يعني ذلك أن المصالحة خطأ في حد ذاتها.

على العكس، خفض التوتر بين دولتين إقليميتين كبيرتين يمكن أن يكون مفيداً للاستقرار.

لكن السؤال الذي يهم هذا المقال هو سؤال آخر:

لماذا كان الانتقال إلى الدبلوماسية يحتاج إلى كل تلك السنوات من التصعيد، وما كلفة السياسة التي سبقت التهدئة؟

حين تتغير السياسة بهذه السرعة من المواجهة إلى المصالحة، فإن السؤال لا يصبح عن صحة المصالحة فقط، بل عن جودة الحساب الذي سبقها.

 

8. التحول الاجتماعي: من سلطة المنع إلى اقتصاد الترفيه

في المجال الاجتماعي، جرى خلال سنوات قليلة تغيير هائل في شكل الحياة العامة داخل السعودية.

في 2016 قُيدت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة كبيرة، وأصبحت صلاحياتها في التوقيف والملاحقة محدودة، بينما توسعت الدولة لاحقاً في تنظيم الترفيه والحفلات والمهرجانات والفعاليات الرياضية والثقافية.

وقد أصبح قطاع الترفيه أحد أكبر القطاعات الجديدة في الاقتصاد السعودي.

وتقول الهيئة العامة للترفيه إن قطاع الترفيه استقبل أكثر من 89 مليون زائر خلال 2025، وأقام 1,690 فعالية، فيما بلغ عدد التراخيص الصادرة 6,490 ترخيصاً.

هذه الأرقام تُظهر أن التحول الاجتماعي والاقتصادي ليس مجرد دعاية إعلامية من حيث حجم النشاط نفسه.

لكنها لا تجيب عن سؤال آخر:

هل الانفتاح الاجتماعي ترافق مع انفتاح سياسي؟

بحسب هيومن رايتس ووتش، استمر خلال 2025 احتجاز أشخاص بسبب التعبير السلمي والتجمع والمعتقد، بينما سجلت المنظمة ارتفاعاً قياسياً في الإعدامات، وقالت إن السلطات واصلت استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في قضايا التعبير والمعارضة.

وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات التجربة:

مجال الترفيه اتسع بشدة، بينما ظل المجال السياسي شديد الضيق بل إزداد ضيقاً.
ما يعني أن هذا الانفتاح لم يعكس تحولاً شاملاً في علاقة الدولة بالمجتمع، بقدر ما كان إعادة هندسةٍ للمجال المسموح به من أعلى.

 

9. السعودية الخضراء: الرقم الكبير لا يعفي من اختبار الواقع

أعلنت السعودية هدفاً طموحاً لزراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، ضمن مبادرة الشرق الأوسط الأخضر التي تستهدف 50 مليار شجرة على مستوى المنطقة.

لكن من المهم هنا عدم الوقوع في خطأ تحويل الانتقاد إلى إنكار للوقائع.

فالحكومة أعلنت بالفعل زراعة أكثر من 43 مليون شجرة حتى ديسمبر 2023، كما أعلنت خارطة طريق للوصول إلى الهدف النهائي.

إذن، السؤال الحقيقي ليس: «هل زرعت السعودية أشجاراً؟» بل:

هل يمكن تحويل هدف بعشرة مليارات شجرة إلى تحول بيئي مستدام يتناسب مع الجغرافيا والمياه والموارد والقدرة على الحفاظ على الأشجار؟

فالمشكلة في المشاريع ذات الأرقام المليارية ليست الرقم في حد ذاته، بل القدرة على تحقيق أثر مستدام بعد انتهاء الحملة الإعلامية.

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى الفكرة المركزية في هذا المقال:

الصورة شيء، والنتيجة القابلة للقياس شيء آخر.

 

10.  اقتصاد الصورة: حين تتحول الدولة إلى واجهة دعائية!

هنا يكمن جوهر المشهد والمفتاح الحقيقي لفهم التجربة برمتها.

في عهد محمد بن سلمان، خرجت المشاريع الكبرى من إطار الخطط التنموية لتتحول إلى ماكينة ضخمة لإنتاج الإبهار وصناعة صورة براقة للسعودية الجديدة:

من «مدن المستقبل» والذكاء الاصطناعي، إلى استعراضات الملاعب الخيالية، والمنتجعات الباذخة، وصناعة الترفيه، وصولاً إلى مبادرات الملايين من الأشجار، ومشاريع تُقذف أرقامها الفلكية في الفضاء الإعلامي لتبهت العقول قبل أن تُبنى على الأرض!

غير أن الدول لا تُبنى بـ «المؤثرات البصرية»، ولا تُدار بالرسوم التوضيحية والشاشات.

فخلف كل لقطة مبهرة التزام مالي حتمي، وخلف كل إعلان موعد استحقاق يقترب.

وحين تعجز الواقعية عن ملاحقة الخيال وتتسع الفجوة بين الشاشات والواقع، لا تتبخر التكلفة في الهواء، بل تهبط صدمتها مباشرة إلى دفاتر الحسابات وأموال الخزينة.

وهنا بالضبط تكمن المأساة الكبرى في حكم الفرد المطلق:

أن الحاكم يطلق أحلامه بجرّة قلم وبسرعة تفوق قدرة مؤسسات الدولة على فحصها، أو حتى استيعابها!

والأسوأ من ذلك، أنه حين يتحول الإعلان الدعائي إلى ركيزة للشرعية السياسية، يصبح الاعتراف بالتعثر جريمة لا يمكن اقترافها؛ لأن التراجع هنا لا يعني التخلي عن مشروع فاشل فحسب، بل يعني سقوط «الوهم البصري» الذي سُوّق للعالم وللجمهور بوصفه القيامة الحتمية لمستقبل السعودية.

 

11.  المشكلة ليست في المشروع وحده، بل في غياب من يستطيع أن يقول: توقف

هذه هي النقطة الأعمق في كل ما سبق.

لو فشل مشروع منفرد، يمكن للدولة أن تعتبره تجربة.

ولو تأخر مشروع، يمكن إعادة جدولتِه.

ولو تغيرت الظروف، يمكن تعديل السياسة.

لكن ماذا يحدث عندما تكون معظم المشاريع الكبرى مرتبطة بالرؤية نفسها، ومركز القرار نفسه، والشخص نفسه؟

عندها تصبح مراجعة المشروع أكثر حساسية، لأن مراجعة المشروع قد تُقرأ باعتبارها مراجعة للرؤية نفسها.

وقد انتقدت دراسات سابقة النموذج شديد المركزية في السعودية بسبب تداخل الصلاحيات، وضغط المواعيد، وغياب المساحات الكافية لصنع سياسة عامة متوازنة من الأسفل إلى الأعلى.

وهذه المشكلة لا تتعلق فقط بمحمد بن سلمان كشخص.

إنها تتعلق بالنظام الذي يجعل قراراً فردياً قابلاً لأن يتحول إلى سياسة دولة، ثم إلى عقد حكومي، ثم إلى التزام مالي، ثم إلى عبء يصعب التخلص منه.

الدولة القوية ليست الدولة التي يستطيع حاكمها اتخاذ القرارات بسرعة.

الدولة القوية هي التي تملك أيضاً مؤسسات تستطيع أن تقول للحاكم:

هذا المشروع مكلف أكثر من اللازم.

هذا الموعد غير واقعي.

هذه الحرب لا تحقق أهدافها.

وهذا القرار يحتاج إلى مراجعة.

وهذا المال العام يحتاج إلى حماية.

وعندما تختفي هذه الأصوات أو تصبح خائفة وعاجزة عن التأثير، فإن المشكلة لا تعود في الحاكم وحده، بل في غياب المؤسسة التي تستطيع أن تكبح الحاكم عندما يتجاوز الواقع.

 

الخاتمة: حين يصبح الحاكم أكبر من الدولة

لم يعد هناك مجالٌ للتردد أو المواربة: إن الحصيلة الصافية لعقد كامل من حكم محمد بن سلمان ليست سوى سلسلة متصلة من الإخفاقات الاستراتيجية على كل الأصعدة.

ففي الاقتصاد، تحولت الوعود الخيالية إلى عجز مالي مزمن، واستنزاف لمقدرات الصندوق السيادي، وتقليص مذل للمشاريع التي صُممت للدعاية قبل الجدوى.

وفي السياسة الخارجية، تبددت المغامرات غير المحسوبة في وحل اليمن، وانتهى حصار قطر بالتراجع دون تحقيق شرط واحد، وتحول التصعيد مع إيران إلى اضطرار لطلب التهدئة.

أما في الداخل، فلم يكن الانفتاح الترفيهي سوى ستارة دخانية لتغطية أشرس موجة قمع وتجريف للمجال العام، حيث أُغلقت كل نافذة للنقد وزُج بكل صاحب رأي في السجون.

هذا ليس مجرد سوء تقدير في ملف أو ملفين، بل هو فشل هيكلي شامل لنموذج الحكم الفردي المطلق.

نموذج اختزل بلاداً بحجم السعودية في شخص واحد:

  • هو الذي يقرر الحرب، والدولة تدفع الفاتورة دماً ومكانة.
  • وهو الذي يفرض القطيعة ثم يتراجع عنها صاغراً، والدولة تتحمل الحرج الدبلوماسي.
  • وهو الذي يطلق مشاريع بالمليارات بجرة قلم، ثم إذا اصطدم بالواقع جمدها أو قلصها، لتتحمل الميزانية والأجيال القادمة عبء المغامرة.

هنا يكمن لب المأساة:

المشكلة ليست في أن الحاكم يرتكب الأخطاء، فكل سلطة تخطئ؛ المصيبة تبدأ حين تُجرّد الدولة تماماً من حقها في أن تقول للحاكم: «لا».

حين تُسحق المؤسسات وتُلغى أدوات الرقابة ويُصمت الجميع، يتحول خطأ الفرد من كبوة عابرة إلى كارثة وطنية دائمة.

لا يعود الأمير هو من يدفع ثمن ارتباكه وتخبطه، بل يُلقى العبء على كاهل المواطن، والميزانية، والشركات، ومستقبل أجيال لم يُستشر أحد منها في هذه المغامرات.

لهذا، فإن السؤال اليوم ليس كم ملعباً أعلن، ولا كم ناطحة سحاب رسم على الورق، ولا كم حفلة أقام لبيع الوهم للخارج؛

السؤال المصيري هو:

ما الذي تبقى من الدولة بعد أن ابتلعها الحاكم؟

إن الدولة التي تصفق للحاكم في كل ما يفعل، وتعجز عن كبح جموحه حين يخطئ، هي دولة فقدت غريزة البقاء وأدوات حماية نفسها.

واليوم، لم تعد القضية مجرد مصير مشروع متعثر أو سياسة فاشلة؛ بل غدا السؤال الأكبر والأخطر:

هل تستطيع السعودية أن تنجو بمستقبلها، بعد أن أصبحت الدولة برمتها رهينة لقرارات رجل واحد لا يرى أمامه أحداً، ولا يجرؤ أحد على مراجعته؟

آخر الاخبار