عاجل:
إلى أين يمضي اتفاق السعودية وواشنطن النووي؟
الاخبار 2026-07-27 10:35 576 0

إلى أين يمضي اتفاق السعودية وواشنطن النووي؟

ذلك الاتفاق الذي رُسم له أن يكون فاتحة عهدٍ جديد من التعاون النووي السلمي بين أمريكا والسلطات السعودية، لم يكد يمضي عليه يوم وليلة حتى اكتنفته سحب من الغموض والريب.

ففي أصيل يوم الأربعاء، ختم كريس رايت وزير الطاقة الأمريكي ونظيره السعودي، في محفل رسمي شهده افتراضياً كبار المسؤولين من كلا البلدين، ميثاق التعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض؛ ذلك الاتفاق الذي طالما غُني به بوصفه من أنفس ما أثمرته العلاقات الثنائية في الأعوام الأخيرة.

 

غير أن دونالد ترامب قلب الموازين رأساً على عقب مع مطلع الفجر التالي؛ إذ بثّ رئيس الولايات المتحدة عبر منصة تروث سوشال رسالةً جازمةً مفادها أن إنفاذ هذا الاتفاق رهين بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام وتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني. كما قطع بلسان صريح كل سبيل إلى منح الرياض حق تخصيب اليورانيوم، وهو موقف لم يُثر فحسب أسئلةً مستجدةً حول فحوى الاتفاق، بل أغرق مستقبله في ظلال الإبهام.

 

وهكذا صار بين أيدينا اليوم روايتان تتنازعان هذا الاتفاق: رواية تروّج لها واشنطن تشدّد على وشيجة القربى بين الاتفاق النووي وتطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، وأخرى يتمسك بها المسؤولون السعوديون تعلّق أي تطبيع مع "إسرائيل" بقيام دولة فلسطينية مستقلة على هدي قرارات الأمم المتحدة.

 

 

 

 

شرطٌ غائب عن سطور الاتفاق:

 

 

 

 

يكمن أعظم ما يكتنف هذا الاتفاق من إبهام، في ذلك الشرط الذي أورده ترامب عقب توقيعه. فلم يُفرج بعدُ عن النص الكامل للاتفاق، ولا يُدرى إن كان شرط تطبيع العلاقات مع الصهاينة قد أُدرج في سطور الوثيقة، أم أن الرئيس الأمريكي قد بسطه بعد التوقيع شرطاً مسبقاً لإنفاذه.

 

هذا الاتفاق لم يبلغ بعدُ مرحلة الإبرام النهائي، وبمقتضى القانون يتعيّن إحالته إلى الكونغرس للنظر فيه. وهذه الفسحة الزمنية كفيلة بأن تمنح إدارة ترامب مجالاً للتفاوض مع الرياض على شروط مستحدثة، أو أن تزجّ بمسار التنفيذ في غياهب التأجيل.

 

وصرّح ترامب أيضاً بأن الاتفاق لا يخوّل السعودية رخصة تخصيب اليورانيوم، دون أن يدلي بتفاصيل تجلو الحقيقة. بيد أن مسؤولين أمريكيين أفادوا بأن الاتفاق لم يتجاوز إقرار مرحلة دراسية مدتها عامان، يتبيّن فيها الطرفان الجدوى الاقتصادية والتقنية لاستحداث دورة وقود نووي في المملكة. وذكر مسؤولون مطلّعون أن واشنطن بوسعها أن تؤجّل بلوغ السعودية عتبة التخصيب بضع سنين، غير أنه لا ضمان يحول دون ذلك منعاً أبدياً.

 

وعلى الضفة المقابلة، يجمع أغلب المحللين على أن تنازل محمد بن سلمان عن مطلبه التاريخي في امتلاك دورة الوقود النووي ضربٌ من المستبعد؛ تماماً كما أن قبول تفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الشاملة والمباغتة، كان ولا يزال عقدة الخلاف المستعصية بين الرياض وواشنطن.

 

 

 

اتفاقٌ لم يبصر النور بعدُ، وقد اکتنفته الأزمة:

 

 

 

لقد دفعت تطوّرات الساعات الأربع والعشرين الأولى عقب التوقيع على الاتفاق، حتى بعض وسائل الإعلام الأمريكية، إلى خلاصة مفادها أن الاتفاق النووي بين واشنطن والرياض قد انزلق إلى أزمة قبل أن يدخل حيّز التنفيذ.

 

حيث كتب كيفن ليبتاك وكريستن هولمز في تقرير لشبكة سي.إن.إن أن الاتفاق الذي أُبرم بسرعة، ما لبث أن اعترضته العقبات بالسرعة ذاتها. وبحسب ما أوردته الشبكة، فإن ترامب استشاط غضباً لإعلان الاتفاق دون تنسيق كامل معه، وقد أفادت بعض المصادر أن وزير الطاقة الأمريكي لم يُطلع الرئيس على موعد الإعلان قبل الكشف الرسمي.

 

ويضيف التقرير أن الانتقادات الواسعة التي وجّهتها وسائل الإعلام المحافظة، وفي طليعتها فوكس نيوز ومقال هيئة تحرير وول ستريت جورنال، زادت من استياء ترامب. وكان مدار هذه الانتقادات يتمحور حول تساؤل: لماذا وُقّع الاتفاق النووي مع السعودية دون أن يُربط بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل"؟

 

وفي الوقت ذاته، أذكى امتناع الحكومة الأمريكية عن نشر نص الاتفاق وتفاصيله الفنية، جذوة الشكوك.

 

كما اعتُبر تغيّب ترامب شخصياً عن مراسم التوقيع، في عيون المراقبين، إشارةً إلى نأي البيت الأبيض بنفسه عن هذا الاتفاق.

 

 

 

قلق في واشنطن وتل أبيب:

 

 

 

لم تقتصر ردود الفعل السلبية على البيت الأبيض، ففي تل أبيب، حذّر عدد من السياسيين من التداعيات الاستراتيجية لهذا الاتفاق.

 

أفيغدور ليبرمان، وزير الحرب السابق في الكيان الصهيوني، صرّح بأن إنشاء برنامج نووي مدني في السعودية، قد يُطلق شرارة سباق نووي خطير في عموم الشرق الأوسط.

 

وفي أمريكا أيضاً، نظر بعض النواب الديمقراطيين في الكونغرس إلى الاتفاق بعين الريبة. ووصف النائب عن ولاية كاليفورنيا “رو خانا”، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، الاتفاق بأنه “تنازل أحادي الجانب للسعودية”، محذّراً من أن هكذا اتفاق قد يفضي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة.

 

 

 

الرسالة الاستراتيجية للصهاينة:

 

 

 

وبصرف النظر عن المصير النهائي للاتفاق، يرى كثير من الخبراء أن اقتراب السعودية من دورة الوقود النووي، حتى في إطار برنامج مدني، سيحمل رسالةً بالغة الأهمية لموازين القوى في الشرق الأوسط.

 

ويرى “عمران بيومي”، الباحث في المجلس الأطلسي والمستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، أن هذا الاتفاق يخلق بنى تحتية وقدرات قد تُيسّر للمملكة بلوغ قدرة نووية متقدمة في المستقبل.

 

ومن منظور المحللين، حتى لو لم تسعَ الرياض قط إلى إنتاج سلاح نووي، فإن امتلاك تكنولوجيا دورة الوقود وبناها التحتية، سيشكّل في حد ذاته أداة ردع وورقة ضغط سياسية مهمة في مواجهة الخصوم الإقليميين؛ وهو ما ضاعف هواجس تل أبيب.

 

وفضلاً عن ذلك، فإن وصول السعودية إلى دورة الوقود النووي سيكون مصدر قلق دائم للصهاينة، وفي حال صعود قوى معادية للغرب وللصهيونية إلى سدة الحكم في المملكة، فمن المرجح أن تجد تل أبيب نفسها محاصرةً بين قوتين نوويتين: طهران والرياض.

 

 

 

منعطف ترامب في السياسة النووية الأمريكية:

 

 

إذا ما أُبرم هذا الاتفاق بصورة نهائية، فسيُقيّمه كثير من الخبراء بوصفه نقطة تحول فارقة في سياسة أمريكا النووية تجاه السعودية.

 

كانت إدارة باراك أوباما تسعى إلى حصر التعاون النووي مع دول الشرق الأوسط في إطار “المعيار الذهبي”؛ وهو نموذج يمنع الدولة المتلقية للتكنولوجيا من تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم.

 

أما إدارة جو بايدن، فرغم دعمها للتعاون النووي مع السعودية، إلا أنها ربطته بتطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب وإحراز تقدم في الملف الفلسطيني؛ وهو ما حال دون توصل الطرفين إلى اتفاق نهائي.

 

غير أن نهج ترامب يبدو مغايراً؛ إذ فتح أولاً الطريق أمام توقيع الاتفاق النووي، ثم طرح مسألة تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" شرطاً لتنفيذه. وهو تحوّل يعزوه كثير من المحللين إلى احتدام التنافس الاستراتيجي بين أمريكا وكل من الصين وروسيا.

 

ويرى هؤلاء الخبراء أن واشنطن تخشى، قبل كل شيء، من أن تتجه السعودية نحو الصين أو روسيا لتطوير برنامجها النووي إذا توانت أمريكا. ومن هنا، آثرت إدارة ترامب الإبقاء أولاً على إطار التعاون النووي، ثم الشروع في مساومة حول المطالب السياسية الأخرى، وفي مقدمتها تطبيع العلاقات مع تل أبيب.

 

ومع ذلك، فما لم يُفرج عن نص الاتفاق، ولم يخضعه الكونغرس للتمحيص، ولم يتضح الموقف النهائي للسعودية من الشروط الجديدة، يبقى السؤال قائماً: هل يبلغ الاتفاق النووي بين واشنطن والرياض خاتمةً موفقةً، أم أنه سيتحول إلى حلقة جديدة من اتفاقيات إدارة ترامب التي لم ترَ النور؟

 

آخر الاخبار