عاجل:
السلطات السعودية تمطتي الكعبة للتغطية على هزائمها
الاخبار 2026-09-19 09:27 827 0

السلطات السعودية تمطتي الكعبة للتغطية على هزائمها

تحولت مكة المكرمة خلال عهد محمد بن سلمان إلى مساحة شديدة الحضور في المشهد السياسي والأمني السعودي، بعدما تداخلت إدارة الحرمين مع منظومة أمنية واسعة، وأصبح الدخول إلى المدينة المقدسة والحركة داخلها والتعبير في محيطها خاضعًا لقواعد صارمة تضعها السلطات السعودية.

وأعاد صعود محمد بن سلمان إلى سطح الكعبة في فبراير 2019 طرح أسئلة واسعة حول حدود العلاقة بين السلطة السياسية والمكان الأكثر قداسة لدى المسلمين.

 

ودخل ولي العهد آنذاك المسجد الحرام بعد إخلاء صحن الكعبة ومحيطها من المصلين والمعتمرين، ثم ظهر في صور ومقاطع وهو يعتلي سطح الكعبة ويؤدي الصلاة داخلها ويقبل الحجر الأسود.

 

وقدمت السلطات الزيارة باعتبارها جولة للاطلاع على مشاريع التوسعة والخدمات المقدمة للمعتمرين، لكن المشهد أثار في حينه انتقادات وتساؤلات حول رمزية الصعود إلى سطح الكعبة وحجم الإجراءات الأمنية التي رافقت الزيارة.

 

وتزداد حساسية المشهد عندما يُنظر إلى حجم الحضور الأمني حول المسؤول الأول في البلاد داخل أقدس بقاع المسلمين.

 

فقد أظهرت التغطيات آنذاك طوقًا أمنيًا واسعًا حول الزيارة، مع إخلاء المكان من المصلين، ليصبح الحرم في تلك اللحظات فضاءً مغلقًا أمام عموم المسلمين ومفتوحًا أمام زيارة المسؤول السياسي محاطًا بإجراءات أمنية استثنائية.

 

وتطرح قضية كسوة الكعبة سؤالًا أكثر إحراجًا حول كيفية التعامل مع رموز الحرم ومقتنياته. فقد كشفت وثائق ظهرت ضمن ملفات جيفري إبستين عن شحن ثلاث قطع مرتبطة بكسوة الكعبة من السعودية إلى الولايات المتحدة عام 2017، ووصلت إلى منزل إبستين.

 

وتشير المراسلات إلى أن الشحنة جرى ترتيبها بواسطة عزيزة الأحمدي وأشخاص مرتبطين بها، فيما لا تثبت الوثائق المنشورة أن محمد بن سلمان أصدر شخصيًا أمرًا بإهدائها.

 

لكن مجرد ظهور قطع من كسوة الكعبة في ممتلكات رجل ارتبط اسمه بجرائم جنسية أثار غضبًا وتساؤلات واسعة حول الجهة التي أتاحت خروج هذه القطع من السعودية والآلية التي جرى بها نقلها.

 

وتكشف الوثائق أن إحدى القطع وُصفت بأنها قطعة سوداء من الغطاء الخارجي، بينما أشارت مراسلات إلى أنها لامسها ملايين المسلمين أثناء طوافهم حول الكعبة.

 

وفي الجانب الآخر من المشهد، تفرض السلطات السعودية قيودًا صارمة على التعبير السياسي داخل مكة والحرمين. وأعلنت وزارة الداخلية في موسم حج 2026 منع رفع الأعلام السياسية والمذهبية والهتافات بجميع أشكالها داخل مكة والمدينة والمشاعر المقدسة والمسجد الحرام والمسجد النبوي وساحاتهما والطرق المؤدية إليها.

 

كما أكدت وزارة الحج والعمرة في سبتمبر 2026 منع الأعلام والشعارات والملابس ذات الدلالات السياسية أو المذهبية داخل الحرمين، مع التهديد بالمساءلة والعقوبات النظامية.

 

وبالنسبة إلى الفلسطينيين والمتضامنين مع غزة، أخذ هذا المنع بعدًا أكثر حساسية. فقد تداولت تقارير خلال السنوات الأخيرة وقائع اعتقال أو توقيف حجاج داخل الحرم بسبب رفع العلم الفلسطيني أو إظهار شعارات مرتبطة بغزة.

 

ووثقت تقارير في 2025 واقعة اعتقال حاج مصري داخل المسجد الحرام بعد رفعه العلم الفلسطيني وترديد عبارات تضامن مع أطفال غزة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن حالات احتجاز أو منع بسبب رموز فلسطينية.

 

وهنا يظهر التناقض الذي يثير انتقادات متزايدة: السلطة تقول إن مكة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، لكنها نفسها تستخدم المدينة ومكانتها ورمزيتها في مناسبات ذات مضمون سياسي وأمني واضح.

 

ففي أغسطس 2026، استضافت مكة قمة سعودية تركية باكستانية انتهت بتوقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي نصت على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ووقّع الاتفاق محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.

 

وتحول اسم مكة بذلك إلى جزء من تسمية اتفاق عسكري بين ثلاث دول، في وقت تمنع فيه السلطات نفسها أي مظهر سياسي للحجاج داخل الحرم بحجة الحفاظ على قدسية المكان وإبعاده عن الصراعات السياسية.

 

وتتسع المفارقة أكثر مع التحولات الاجتماعية والترفيهية التي شهدتها السعودية في عهد محمد بن سلمان. فقد أصبحت جدة، المدينة الساحلية القريبة من مكة، تستضيف مهرجانات موسيقية وفعاليات ترفيهية واسعة، بينها “بلد بيست” في جدة التاريخية، بمشاركة أكثر من 70 فنانًا وعلى أربعة مسارح، إلى جانب حفلات موسيقية وفنية متواصلة في المدينة.

 

ولا تكمن القضية في إقامة الفعاليات الترفيهية في حد ذاتها، بل في المفارقة التي يطرحها الانتقال من مساحة تمنع فيها الشعارات والرموز السياسية والدينية غير المعتمدة إلى مساحة أخرى قريبة تستضيف عروضًا موسيقية ضخمة، بينما تبقى مكة نفسها تحت واحدة من أكثر المنظومات الأمنية والتنظيمية تشددًا.

 

وتعتمد السلطات السعودية كذلك على منظومة أمنية وتقنية واسعة في إدارة الحرمين، تشمل التفتيش الإلكتروني والمسح الأمني للحقائب والمتعلقات، إضافة إلى أنظمة لرصد المركبات ومراقبة مداخل الحرمين.

 

وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تستهدف حماية الحجاج والمعتمرين وضمان سلامتهم، لكن اتساع هذه المنظومة يجعل الأمن حاضرًا بقوة في تفاصيل تجربة الزائر إلى مكة.

 

وتتجسد صورة مكة في عهد محمد بن سلمان، في نهاية المطاف، بين مشهدين متناقضين: سلطة سياسية تستطيع دخول الحرم وسط ترتيبات أمنية استثنائية، وتصعد إلى سطح الكعبة في زيارة رسمية، بينما يخضع الحاج العادي لقيود صارمة على دخوله وحركته وما يستطيع رفعه أو ارتداءه أو ترديده.

 

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بفلسطين؛ إذ يُطلب من الحجاج ترك السياسة خارج الحرم، بينما تُستخدم مكة نفسها في تسمية القمم والاتفاقيات السياسية والعسكرية. وبينما تقول السلطات إن ذلك لحماية قدسية المكان، يرى منتقدون أن المشكلة تكمن في أن مفهوم “السياسة” داخل مكة لا يُطبّق على الجميع بالمعيار نفسه.

 

وتبقى مكة، في ظل هذه المعادلة، مدينة مقدسة يديرها جهاز دولة شديد المركزية، لكن حدود الفصل بين إدارة المقدسات وإدارة السياسة أصبحت أكثر ضبابية. وبين الأمن والدعاية والرمزية السياسية، يبرز السؤال الأهم: هل تُستخدم قداسة مكة لحماية المكان من السياسة، أم أصبحت قداسة المكان نفسها جزءًا من أدوات السلطة السياسية؟.

 

آخر الاخبار