عاجل:
حلف مكة أمن معلن وواقع مكشوف
الاخبار 2026-08-11 09:52 750 0

حلف مكة أمن معلن وواقع مكشوف

عزيزي القارئ، إذا كنت ممن صدّقوا تلك المعزوفة الإعلامية التي طبلت لها أبواق السلطة حول ما يُسمى بـ "تحالف مكة"، وظننت أننا أمام قيادة تضحي بالمال والجهد لتصنع "ناتو إسلامياً" يحمي العروبة والديار،

بقلم: نيبال علي...

 

عزيزي القارئ، إذا كنت ممن صدّقوا تلك المعزوفة الإعلامية التي طبلت لها أبواق السلطة حول ما يُسمى بـ "تحالف مكة"، وظننت أننا أمام قيادة تضحي بالمال والجهد لتصنع "ناتو إسلامياً" يحمي العروبة والديار، فدعني أرجوك أن تستفيق من هذا المخدر السياسي، تعال لننبش معاً تحت ركام التصريحات البراقة، وننظف المشهد من مساحيق التجميل الدبلوماسية، لنرى الحقيقة العارية كما هي: نحن لسنا أمام تحالف أمة، بل أمام هيكل زجاجي هش، مكبل ومقيد بذاته قبل أن يبدأ، صاغته صفقات براغماتية باردة لا تتعدى كونها سوقاً مادية لتبادل المنافع وشراء أدوات القوة، ولأننا تعودنا على تفكيك زيف الروايات الرسمية، دعنا نضع هذا التحالف على طاولة المشرط التحليلي لنفهم كيف تدار سياستنا الخارجية بعقيلة العبث والهدر!

 

إن القراءة الفاحصة لهذا التحالف تجعلنا نتساءل مباشرة: هل نملك حقاً حلفاء مستعدين لخوض الحرب من أجلنا، أم أننا نشتري "ديكوراً استراتيجياً" بأموال الشعب؟ نعم، هو تحالف هش ومقيد مسبقاً بقواعد اشتباك غير مكتوبة، والسبب لا يعود إطلاقاً إلى ضعف الدول المشاركة، بل إلى تضارب سقف الالتزامات الوطنية لكل طرف، فأنقرة القابعة تحت مظلة حلف "الناتو"، والمرتبطة بحدود مباشرة ومعقدة مع إيران وروسيا، لن تصنع من أجل الرياض ومغامرات السلطة ما لم تصنعه من أجل نفسها أو حلفائها الأطلسيين، وبالمثل، تظل إسلام أباد مكبلة بعقدة الهند الاستراتيجية وتوازناتها الديمغرافية وبحدودها المضطربة مع طهران، بينما السعودية نفسها تدرك جرف الحقيقة المر، وهو أن أياً من الدولتين لن ترسل جيوشها أو تهدر دماء جنودها لتخوض "حرباً نيابية" عن الرياض في خليج عمان أو على الحدود اليمنية المشتعلة، فالجميع يعرف الخط الأحمر الذي لن يتجاوزه إذا جدّ الجد، فلماذا يُباع هذا الوهم للأمة؟

 

 

إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة، فهذا التجمع ليس أداة نصرة ولا حلفاً مصيريا، بل هو "سوق تبادل منافع تكتيكية ومظلة ردع شكلي" تقتصر فيه العلاقات على معادلة تجارية بحتة: المال والتمويل وشراء الأسلحة من جانب الرياض، مقابل الحصول على نقل بعض التقنيات والدفاعات من تركيا، وعمق استخباراتي من باكستان، وهي في جوهرها محاولة مذعورة لشراء الوقت والاستقلالية بعد أن أثبتت حماية العراب الأمريكي تقلبها وسقفها السياسي المرتفع، فسعت السلطة لبناء "شبكة أمان متعددة الأطراف" تقيها التبعية الكاملة للغرب، حتى لو كانت هذه الشبكة آيلة للسقوط عند أول اختبار حقيقي، والمضحك المبكي أن الرهان هنا ينحصر في "الردع بالرمزية"، أي الاعتماد على مجرد وجود ورقة مقتضبة تُجبر الخصوم على وضع احتمال 20% لتدخل هؤلاء الحلفاء، فهل أصبحت سيادة البلاد وأمنها يُدارين بمنطق اليانصيب والاحتمالات الأكاديمية بدلاً من بناء القوة الذاتية الشاملة؟

 

 

وهنا يكمن النقد الحقيقي والخطير لسياسات السلطة: هل يمكن لشراء السلاح المكدس والاتفاقيات الورقية المجهزة في الصالونات المكيّفة أن تكون بديلاً عن الردع الذاتي والحلول السياسية الإقليمية الحكيمة؟ إن اعتماد الدولة على هذا التحالف كـ "بديل" لحماية أراضيها هو عين الوهم السياسي والعمى الاستراتيجي، أما إذا كانت تتعامل معه كـ "أداة مناورة وتكملة ديكور" لتقليل الاعتماد على واشنطن والضغط على طهران والغرب، فهو مجرد تكتيك براغماتي نفعي بارد، يُنفق فيه المال العام بلا التزام وجودي من أي طرف تجاه الآخر، فالتحالف بمعناه العسكري الصلب—أي القتال المشترك والتضحية—هو تحالف ميت رسمياً، وما نراه ليس حباً أيديولوجياً ولا حرصاً على المقدسات، بل صفقة تبادل خدمات وأدوات قوة بين سلطات تبحث عن مصالحها المرحلية، بينما تُترك أمتنا وشعبنا لمواجهة المصير المجهول تحت وطأة قرارات تُصنع على عجل وتُغلف بالشعارات البراقة، فإلى متى يستمر هذا الخداع الاستراتيجي؟

 

آخر الاخبار