عاجل:
مواطن أوروبي يكشف رحلة إعتقاله المريرة في السعودية
الاخبار 2026-04-12 08:27 468 0

مواطن أوروبي يكشف رحلة إعتقاله المريرة في السعودية

أرسل مواطن من لوكسمبورغ رسالة إلى منظمة القسط لحقوق الإنسان، شارك فيها أوجه معاناته خلال اعتقاله في "السعودية".

 X، الذي لم يود مشاركة هويته خوفا من أي ملاحقات، بالغ من العمر 40 سنة، قال أنه "من خلال هذه الشهادة، أسعى إلى توثيق تجاربي، ووصف الآثار النفسيّة الشديدة التي ترتبت عليها، وتسليط الضوء على القمع السياسي الواسع النطاق في السعودية. كما آمل في الحصول على الدعم، والتقييم القانوني، وجذب الانتباه الدولي إلى هذه الأوضاع."

 

أشار إلى أنه كان في "السعودية" بين عام 2018 ونوفمبر 2023 لأغراض دراسيّة. وتابع "وفي 18 نوفمبر 2023، تم اعتقالي في المدينة المنورة من قبل جهاز الأمن الرئاسي دون أي استدعاء أو توجيه تهم رسمية. وقد شكّل الاعتقال بحد ذاته استعراضًا للقوة ووسيلة لترهيب السكان المحليّين. كنتُ متواجدًا في المبنى لأداء صلاة الظهر برفقة ابنتي البالغة من العمر ثلاث سنوات، ولاحظت وجود عدد كبير من سيارات الشرطة (حوالي 15 سيارة)، بالإضافة إلى عدّة مركبات رباعية الدفع ذات نوافذ مظللة. في البداية تساءلت عمّا قد يكون قد حدث، قبل أن يطلب مني أحد العناصر بلباس مدني، برفقة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح، إبراز هويتي، ليقوم بعدها باعتقالي".

 

تابع في رسالته: "طُلب مني على الفور، في موقع الاعتقال، تزويدهم بالرمز السري لهاتفي المحمول، وقد استجبت لذلك دون تردد لأنني لم يكن لدي ما أخفيه. تم نقلي أولًا إلى شقتي، حيث جرى احتجاز زوجتي وبناتي الثلاث في غرفة أخرى. وبعد تفتيش الشقة، تمت مصادرة جميع أجهزتي الإلكترونية. بعد ذلك، جرى تفتيش مركبتي بحضوري، ولم يتم العثور على أي شيء مريب".

 

 

 

عومِلتُ كَجاني:

 

 

 

أفاد x أنه تم وضعه في البداية داخل زنزانة شديدة البرودة لا يدخلها النور وفي داخلها كاميرا مراقبة، قاضيا 23 يومًا في الحبس الانفرادي. لم يكن لديه خلالها أي تواصل مع الآخرين، باستثناء المحقق الذي استجوبه عدّة مرات.

 

تابع: "كما كنتُ مقيّد اليدين ومكبّل القدمين، ويتم اقتيادي لمسافة تقارب 100 متر عبر الممر. تمحورت أسئلة المحقق حول أشخاص في لوكسمبورغ، والمساجد التي كان يرتادها x هناك، والعلماء الذين حضر دروسهم في المسجد النبوي في المدينة المنورة. وعندما سأل  xعن التهم الموجهة إليه، وعن الجريمة التي يُزعم أنه ارتكبتها، لم ينل أي جواب.

 

 

 

من السجن الإنفرادي إلى سجن جماعي قذر:

 

 

 

بعد 23 يومًا من الحبس الانفرادي، وُضع على متن طائرة صغيرة مع تغطية رأسه بقناع. وكان على متن الطائرة أيضًا شخص صغير السن، يُقدّر عمره بنحو 13 إلى 14 عامًا، إلى جانب عدد من المحتجزين الآخرين. بعد ذلك، تم نقله إلى سجن ذهبان السياسي في جدة.

 

وهناك، قضى 17 يومًا إضافيًا في الحبس الانفرادي تحت مراقبة مستمرة عبر كاميرات، في ظروف مماثلة لتلك التي عاشها في السجن السابق. وخلال هذه الفترة، سُمح له بإجراء مكالمتين هاتفيتين قصيرتين فقط، إحداهما لم تتجاوز دقيقة واحدة، وطُلب منه خلالها التحدث باللغة العربية (رغم أن زوجته لا تجيدها جيدًا). وخلال وجودي هناك، طُلب منه تزويدهم ببيانات الدخول إلى حسابات بريدي الإلكتروني.

 

تلا ذلك احتجازه لمدّة تسعة أشهر في غرفة مشتركة تضم 14 شخصًا، "في ظروف قذرة وغير إنسانية" وفق تأكيده. لم يكن لديهم سوى حمّام واحد ودش واحد يعملان، ومقص أظافر واحد فقط لجميع النزلاء (ما كان يشكّل خطرًا مرتفعًا لانتقال العدوى)، وكان يُوزَّع مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع.

 

وتابع x في شهادته: "لم تكن هناك أي خصوصيّة، وكانوا خاضعين لمراقبة مستمرة عبر الكاميرات. كما سُمح لنا بالخروج إلى الهواء الطلق مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا فقط، ولمدّة لا تتجاوز 30 دقيقة في كل مرة".

 

وقال x أنه بعد نقله إلى الغرفة المشتركة، سُمح له بإجراء مكالمة هاتفية لمدّة 15 دقيقة أسبوعيًا، كما تلقى زيارتين عائليتين "كانتا مؤلمتان نفسيًّا للغاية، خاصّةً بالنسبة لي كأب".

 

كما زارنه في السجن ممثل عن القنصلية البلجيكية. إلا أنه ورغم هذه الزيارة، لم تُتخذ أي خطوات لتقصير مدّة احتجازه أو تحسين ظروفه. وقد اقتصر حضور القنصل على طابع رمزي، إذ بقي وضعه دون تغيير.

 

بقي x في هذا السجن حتى ترحيله في 16 سبتمبر 2024.

 

مؤكدا أن "هذه التجربة تسببت برمتها في صدمة نفسيّة شديدة، تمثلت في الأرق، والقلق، والاكتئاب، وصعوبة التركيز، إضافةً إلى شعور دائم بالملاحقة والمراقبة، وعدم القدرة على الشعور بالطمأنينة حتى بعد استعادة حريتي".

 

 

 

حجم الإعتقال السياسي المهول:

 

 

 

وفي ما يتعلق بحجم الاعتقال السياسي في السعودية، ذكر أن "رقم السجين 45-2900 خُصص لي، وكان لزميلي في الزنزانة، المواطن الفرنسي عمر عبد الفتاح، الذي شاركني الاحتجاز لمدّة تقارب ثلاثة أشهر، الرقم 45-6400"، موضحًا أن "هذه الأرقام تشير إلى السنة الهجرية 1445، والتي تمتد من يوليو 2023 إلى يونيو 2024، ما يعني تسجيل أكثر من 6,000 سجين سياسي خلال عام هجري واحد فقط ضمن هذا النظام العددي وحده".

 

وأشار إلى أن "ذلك يكشف عن الحجم الواسع والمنهجي للاعتقال السياسي، حيث يُختزل السجناء إلى مجرد أرقام، تُمحى هويتهم، وتُزال أسماؤهم من الذاكرة العامة. إنه أشبه بغوانتانامو: نظام قائم على القمع، يمتد أثره ليطال حتى المواطنين السعوديين".

 

وتطرق في رسالته إلى حالة زميله في الاحتجاز، قائلاً إن "عمر عبد الفتاح، وهو مواطن فرنسي، تم اعتقاله بسبب مخالفات تتعلق بالتأشيرة، بعد أن وقع، على ما يبدو، ضحية لعمليات احتيال مرتبطة بالتأشيرات، ما أدى إلى أدائه فريضة الحج دون تصريح نظامي". وأضاف أنه "عند مدخل المسجد الحرام في مكة، صرّح لأحد الجنود بأن بعض العلماء المسلمين يجيزون أداء الحج سواء بوجود تأشيرة أو بدونها، وأن بعض هؤلاء العلماء أنفسهم محتجزون في السعودية، وعلى إثر ذلك تم اعتقاله فورًا ونقله إلى سجن ذهبان، حيث التقيت به".

 

وذكر أنه "خلال الشهرين اللذين قضيناهما معًا، كان عبد الفتاح يُستدعى مرارًا للاستجواب"، لافتًا إلى أنه "أخبرني بأنه تعرّض لضغوط شديدة للكشف عن الرمز السري لهاتفه، كما هدده المحقق بالحكم عليه بالسجن لمدّة 15 عامًا في حال عدم الامتثال، وذلك في إطار حملة ترهيب واضحة".

 

وأضاف أن "عبد الفتاح لم يكن قادرًا ولا راغبًا في الإفصاح عن الرمز السري، إذ كان هاتفه يحتوي على بيانات حساسة تعود إلى جهات عمله وشركائه التعاقديّين، بعضهم في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وكان كشف هذه البيانات يُعد جريمة بموجب قوانين تلك الدول".

 

وأشار كذلك إلى أنه "على الرغم من زيارة القنصلية الفرنسية له، لم يترتب على ذلك أي تحسن في وضعه أو ظروف احتجازه"، مضيفًا أنه "طلب مرارًا الحصول على مقص أظافر خاص به خشية الإصابة بالتهاب الكبد، ورفض استخدام المقص المشترك، وعندما لم يُستجب لطلبه، اضطر، تحت وطأة اليأس، إلى قضم أظافر يديه وقدميه بأسنانه".

 

وتحدث عن حالات أخرى، قائلاً إنه "في السجن، التقيت بعدد كبير من المحتجزين الذين كانت لديهم قصص مشابهة"، موضحًا أن "محمد قام برش طلاء على صورة للملك، فحُكم عليه بالسجن لمدّة 13 عامًا"، وأن "الدكتورأحمد، وهو طبيب أسنان، سُجن بسبب إعادة نشر صورة لطفل فلسطيني، مرفقة بتعليق لم يكن قد قرأه على ما يبدو".

 

وأضاف أن "الدكتور محسن، طبيب تخدير، قام بـ"الإعجاب" بمنشور يصف محمد مرسي بـ"الشهيد" وعبد الفتاح السيسي بـ"القاتل"، فحُكم عليه بالسجن لمدّة ثلاث سنوات، كما أدت تعليقات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي وعمليات "إعجاب" ومنشورات دينية إلى صدور حكم إجمالي بحقه تجاوز 20 عامًا".

 

وتابع أن "أحد المعتقلين نشر صورة لأطفال في غزة وأشاد بسياسيّين فلسطينيّين، فاعتبرته السلطات داعمًا للإرهاب، رغم كونه بطلًا عالميًا في الكاراتيه وشخصًا غير منخرط في السياسة على الإطلاق"، مؤكدًا أن "هذه الحالات تُظهر أنه يكفي بضع كلمات، أو ضغطة "إعجاب"، أو تعليق واحد فقط، ليُعامل الشخص كسجين سياسي".

 

كما أشار إلى أنه "تم وضعي في جناح مخصّص للأجانب، وكان يضم نحو 14 غرفة، وكان في السجن أكثر من 20 جناحًا مماثلًا، إضافة إلى جناح مخصّص للنساء وآخر للأطفال"، لافتًا إلى أنه "رأى بنفسه عددًا كبيرًا من الأطفال وبعض النساء في عيادة السجن".

 

وفي ختام رسالته، قال إنه "تحمّل عشرة أشهر من الاحتجاز السياسي في السعودية، دون توجيه أي تهم ودون صدور حكم قضائي"، مشيرًا إلى أن "الآثار النفسيّة والعاطفيّة لهذه التجربة لا تزال تلازمه حتى اليوم، إذ إنه غير قادر على العمل وقد خضع للعلاج النفسي منذ ذلك الحين".

 

وتوجّه بنداء دعا فيه إلى "توثيق قضيته، ولا سيما تقديم الدعم لعمر عبد الفتاح، المحتجز ظلمًا لأسباب سياسيّة، شأنه شأن العديد من الآخرين"، مطالبًا بـ"تسليط الضوء إعلاميًا والتدخل الدولي من أجل التحقيق في ظروف الاحتجاز الخارجة عن إطار القانون، ووضع حد لها"، مؤكدًا أن "هذه الشهادة تهدف، قبل كل شيء، إلى المساهمة في إنهاء الظلم الواقع على الأبرياء".

 

آخر الاخبار