عاجل:
إفلاس 489 شركة سعودية في 8 أشهر ... حين يدفع المجتمع والقطاع الخاص ثمن الحكم الفردي والاستعراض المالي
حدث وتحليل 2026-09-01 16:09 583 0

إفلاس 489 شركة سعودية في 8 أشهر ... حين يدفع المجتمع والقطاع الخاص ثمن الحكم الفردي والاستعراض المالي

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

قراءة في الاقتصاد السياسي للمملكة | تحليل سياسي واقتصادي

تُسقِط البيانات الرسمية الصادرة والمُوثقة عن لجنة الإفلاس الحكومية السعودية «إيسار» كل ادعاءات «الازدهار والتمكين الاقتصادي»، بعد أن كشفت سجلاتها القضائية عن دخول 489 شركة ومنشأة محلية في إجراءات الإفلاس والتصفية خلال ثمانية أشهر فقط من عام 2026، تصدّرها شهر أغسطس بـ 70 حالة معلنة.

هذه الأرقام الدامغة والصادرة من داخل أجهزة الدولة ذاتها تُثبت أن ما يجري ليس مجرد «دورة اقتصادية طبيعية» ولا نتاج «سوء إدارة» من قِبل المستثمرين ورواد الأعمال؛ بل هو النتيجة الحتمية والمباشرة لسياسات اقتصادية قسرية يديرها قرار سياسي فردي ومطلق. قرارٌ حوّل مقدرات البلاد وثرواتها السيادية إلى وقود لمشاريع استعراضية وصفقات خارجية لشراء النفوذ، تاركاً النسيج الاقتصادي الحقيقي والمجتمع يواجهان مقصلة الإفلاس والانهيار تحت وطأة الجبايات وتجميد المستحقات.

 

مركزية القرار وسحق الاقتصاد الإنتاجي

على مدى سنوات، تم تسويق «رؤية 2030» باعتبارها بوابة العبور نحو تنويع مصادر الدخل، لكن الممارسة العملية أنتجت نموذجاً فائق المركزية يتركز فيه القرار الاقتصادي والمالي بالكامل في يد رأس السلطة ومحيطه المباشر:

1.      تغول الصندوق السيادي ومصادرة السوق:

بدلاً من تمكين القطاع الخاص، تحول «صندوق الاستثمارات العامة» إلى كيان احتكاري شامل يزاحم التجار وأصحاب المشاريع في كل شيء، من المقاولات الضخمة إلى المطاعم والضيافة، تم سحق السوق التنافسي لصالح شركات وليدة تابعة للدولة ومحمية بالقرار الأمني والسياسي، مما جعل البقاء خارج مظلة السلطة أمراً مستحيلاً.

2.      الاستنزاف الجبائي لتمويل المغامرات:

بينما تُهدر المليارات دون أي رقابة برلمانية أو محاسبة شعبية، تم تعويض العجز عبر فرض جبايات ورسوم وغرامات تصاعدية على الأعمال والمواطنين (من ضريبة القيمة المضافة إلى رسوم التوطين الباهظة والبلديات). هذه الرسوم لم تذهب لتحسين بيئة العمل، بل لتمويل ميزانيات مشاريع غير مجدية، مما خنق الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الطبقة المتوسطة.

3.      الارتهان للمشاريع الخيالية وتجميد المستحقات:

أدت القرارات الفردية المرتجلة بإطلاق مشاريع كبرى تفوق طاقة الخزانة (مثل نيوم وغيرها) إلى أزمة تدفقات نقدية خانقة؛ فمع نفاد السيولة، لجأت السلطة إلى تجميد أو تأخير مستحقات المقاولين والشركات المحلية بالشهور، لتكون النتيجة سقوط المقاولين والموردين في فخ الإفلاس تباعاً، بينما تسيل الحسابات الخارجية على الحفلات والشركات الاستشارية الغربية.

 

مفارقة الأولويات: مليارات لشراء النفوذ… والتنكيل بالداخل

يكشف توزيع الإنفاق طبيعة النظام وأولوياته الحقيقية؛ فالأزمة ليست شحاً في الموارد بل سوء توزيع فج ومقصود:

  • شراء الولاء والشرعية الدولية:تُضخ عشرات المليارات من الدولارات في صفقات تسلح وتعهدات استثمارية في الولايات المتحدة والغرب (بلغت في حزمة واحدة نحو 142 مليار دولار)، لا لضرورة أمنية بل لشراء الصمت الدولي وتأمين غطاء سياسي للنظام.
  • غسيل السمعة عبر الترفيه والرياضة (Sportswashing):تم رصد ما يزيد عن 64 مليار دولار لقطاع الترفيه، واستقدام الرياضيين العالميين، والمهرجانات الهابطة بأسعار فلكية، بهدف تلميع الصورة الخارجية وخلق إلهاء داخلي، في الوقت الذي يُعتقل فيه المعارضون وتُخنق الحريات العامة.
  • النتيجة للمواطن:دين عام كاسر لحاجز الـ 1.5 تريليون ريال، وتراجع في القوة الشرائية، في مقابل ترك 489 منشأة تواجه مقصلة التصفية القضائية بمعدل شركتين يومياً، دون أن تفكر الدولة في ضخ جزء يسير من تلك المليارات المهدورة لإنقاذها.

 

الكارثة الإنسانية: مجتمع يُساق نحو الفقر والارتهان

إن إفلاس هذه الشركات ليس مجرد إحصاء تجاري، بل جريمة اقتصادية بحق آلاف الأسر السعودية:

  • فقدان الوظائف والبطالة المقنعة:تدمير 489 منشأة يُلقي بأكثر من 15 إلى 20 ألف شاب وفتاة في صفوف البطالة والفقر، لتتحول وعود التوظيف إلى سراب، ويجد الخريجون أنفسهم بلا ملاذ إلا الوظائف المؤقتة والهامشية في الفعاليات الموسمية.
  • تحويل أصحاب الأعمال إلى مطلوبين أمنياً ومدينين:بسبب ربط ديون المؤسسات بالقوانين الصارمة لإيقاف الخدمات وأوامر الحبس والتنفيذ القضائي، يُلقى بمئات المواطنين ممن حاولوا بناء أعمال حرة في غياهب الديون والمحاكم وتجميد الأرصدة، ليُجرَّدوا من أي استقلال مالي.
  • هندسة التبعية الكاملة:هذه السياسات لا تبدو مجرد أخطاء تخطيط، بل تؤدي عمداً إلى تدمير الطبقة الوسطى المستقلة وتصفية التجار التقليديين، وتحويل كامل المجتمع إلى أفراد يعتمدون بشكل كلي على الدعم المباشر ومكرمات السلطة، لضمان السيطرة السياسية الشاملة ومنع أي صوت معارض.

 

الخلاصة:

حين تعترف الدوائر القضائية التابعة للنظام ذاته بإفلاس 489 منشأة خلال 240 يوماً فقط، تسقط كل خطابات «التمكين والازدهار» لتنكشف الحقيقة العارية: الاقتصاد السعودي يتعرض لعملية تجريف مقصودة تقودها قرارات فوقية لا تخضع لأي رقابة أو محاسبة.

إن هذه الموجة من الإفلاسات وتشريد آلاف العاملين وتحويل أصحاب المشاريع إلى ملاحقين أمنياً بالديون، تفضح التناقض الصارخ لنظام يُغدق مئات المليارات على استعراضات الترفيه وعقود التسلح الخارجية لحماية بقائه على كرسي الحكم، في حين يفرض الخناق الجبائي على الداخل.

إنها ليست أزمة إدارة مالية، بل إفلاس سياسي وأخلاقي لمنظومة حكم استبدادية تدمر مقدرات أمة وتجعل من تدمير الاستقرار الاجتماعي للمواطنين ثمناً لاستمرار قبضتها الفردية.

آخر الاخبار