عاجل:
التدخّل في اليمن مؤجَّل: أميركا لا تريد «مستنقعاً» جديداً
من الإعلام 2026-09-21 06:45 160 0

التدخّل في اليمن مؤجَّل: أميركا لا تريد «مستنقعاً» جديداً

وإذ تشير هذه الخطوة إلى أن التصعيد وصل إلى مستوى لم يعُد في إمكان واشنطن تجاهله، حدّد محللون أميركيون خطاً أحمر واضحاً قد يدفع بلادهم إلى التحرّك رغم عدم رغبتها فيه: إغلاق باب المندب أو استهداف الملاحة الدولية بشكل واسع فيه.

 

يحيى دبوق

 

 

يبدو الحديث عن قرب تدخّل عسكري أميركي في المواجهة اليمنية - السعودية، أكثر حسماً ممّا تسمح به المعطيات الآتية من واشنطن. إذ رغم أن هذه الأخيرة ترفع، بلا شك، احتمال استخدام القوة، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى الدليل على أن قرار الحرب اتُّخذ وأن تنفيذه بات وشيكاً. ولفهم ما إذا كانت الولايات المتحدة تتّجه فعلاً إلى هكذا تدخّل، يجدر أولاً تحديد ما تريده بالضبط: فهل يتعلّق الأمر بتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب أو بحماية العمق السعودي ومنشآت الطاقة فيه؟ أم بإعادة ضبط قواعد الاشتباك التي اختلّت تدريجياً، بما يضمن الدفاع عن السعودية باعتبارها حليفاً استراتيجياً لا يُسمح بإلحاق الضرر به؟

لكلٍّ من هذه الأهداف كلفته ومستوى القوة والجاهزية اللازمان لتحقيقه، فيما لا يبدو أيّ منها مضمون التحقّق في ظلّ الظروف القاهرة التي تمرّ بها الإدارة الأميركية. ولعلّ مما يُضعف أيضاً فرضية الإعداد لتدخّل عسكري مباشر، حديث الولايات المتحدة نفسها عن عدم رغبتها في استخدام القوة لوقف تقدّم «أنصار الله»، وذلك رغم ما نُقِل من تحذيرات عن مسؤولين أميركيين في شأن الخطر الذي يمثّله هذا التقدّم على الملاحة البحرية وباب المندب. أيضاً، اكتفى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقول إنه سيعمل على «حلّ هذه المسألة»، في موقف بدا أقرب إلى محاولة احتواء المواجهة منه إلى إعلان الاستعداد لخوضها.

وكان تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، أفاد بأن ترامب رفض طلب وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، مرّتَين، خلال الأسبوع الماضي، توجيه ضربة إلى «أنصار الله». ومع ذلك، ووفقاً للتسريبات الإعلامية الأميركية، عقد البيت الأبيض اجتماعاً طارئاً لبحث «خيارات الهجوم في اليمن»؛ وهو ما يعدّ تحولاً في الموقف، من دون أن يعني أن قرار التدخل قد اتُّخذ. وإذ تشير هذه الخطوة إلى أن التصعيد وصل إلى مستوى لم يعُد في إمكان واشنطن تجاهله، حدّد محللون أميركيون خطاً أحمر واضحاً قد يدفع بلادهم إلى التحرّك رغم عدم رغبتها فيه: إغلاق باب المندب أو استهداف الملاحة الدولية بشكل واسع فيه.

وفي ظلّ توسيع «أنصار الله»، في الأسابيع الأخيرة، نشاطها العسكري، وسيطرتها على مناطق استراتيجية تتيح لها تحكماً مباشراً في المضيق، فإن ذلك يجعل احتمال تجاوز الخطّ الأحمر المشار إليه، أقرب من أيّ وقت مضى. وإلى جانب ما تَقدّم، ثمّة عوامل وأسباب أخرى قد تدفع الولايات المتحدة إلى تغيير مقاربتها بالفعل، في مقدّمها الهجمات التي بلغت الرياض ومواقع مرتبطة بالبنية التحتية للطاقة. إذ إن أمن السعودية وقدرتها على إنتاج النفط ونقله وتصديره، يرتبطان مباشرة بالمصالح الأميركية.

 

مع ذلك، لا يمكن الجزم أن الضربة الأميركية وشيكة، أو أنها ستكون -في حال حدوثها- أبعد من عملية محدودة. وعلى أيّ حال، فإن ما سيحسم اتجاه القرار الأميركي يتمثّل بمجموع مؤشرات عدة: طبيعة الانتشار العسكري ومداه، نوعية الأهداف التي يجري الإعداد لاستهدافها، مستوى التنسيق المعلَن مع السعودية، والأهمّ، الانتقال من الاحتواء إلى الإنذار المباشر، وهو ما لم يحصل بعد. ولذا، فإن السؤال الذي يجدر طرحه الآن يتمثّل بما إذا كانت الولايات المتحدة ستكتفي باستخدام التلويح بالضربة لردع «أنصار الله»، وما إذا كان هذا التكتيك سيؤتي أُكله، وحجم الهامش المتاح لممارسته؟

إلّا أن ثمة مفارقة هنا، ينبغي أن تكون جزءاً من تقدير التوجهات الأميركية في اليمن. إذ من الواضح أن «أنصار الله» تستخدم المخاطرة لفرض إرادتها على الطرف الآخر، لكنها، على ما يبدو، رفعت مستوى هذه المخاطرة إلى حدٍّ قد يدفع الولايات المتحدة نفسها إلى التدخل، حتى لو لم تكن هي المقصودة ابتداءً. وفي المقابل، فإن غياب التدخل الأميركي -إلى الآن- يمكن أن يُقرأ في صنعاء كدليل على أن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة، ولربّما يشجّعها على تعزيز المبادرة الميدانية، في الداخل اليمني وفي اتجاه الأراضي السعودية على السواء. ولعلّ مما يعزّز تلك القراءة، إعلان الولايات المتحدة، بشكل شبه رسمي، أنها غير معنيّة بالتدخل العسكري لمساعدة المملكة.

في النتيجة، لا تزال أمام الإدارة الأميركية أدوات كثيرة يمكن استخدامها قبل اللجوء إلى الخيار العسكري، ولا سيما في هذه الظروف الحرجة التي تسعى فيها إلى الابتعاد عن مغامرة خارجية جديدة غير مضمونة النتائج. ومن بين تلك الأدوات، الدفع نحو تسوية بين الطرفَين، وهو خيار تبدو السعودية رافضة له حتى الآن، خصوصاً في ظلّ الشروط التي تطالب بها «أنصار الله»، والتي تجعل التسوية تصبّ، عملياً، في مصلحة الحركة. والواقع أنه إذا ما أرادت واشنطن الدفع نحو حلّ سلمي، فإن عليها الضغط على الطرفَين للقبول بها: على الرياض، عبر الامتناع عن التدخل العسكري المباشر إلى جانبها؛ وعلى «أنصار الله»، عبر التلويح في وجهها بأن الضربات الأميركية ضدّها آتية.

وعلى أيّ حال، من الصعب تصوّر مخرج للمواجهة اليمنية - السعودية، بلا تدخّل أميركي، سواء كان عسكرياً أو سياسياً تسووياً، أو خليطاً بينهما. لكن المؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن ترغب في مواجهة «المعضلة» اليمنية الآن، في ظرف يضغط عليها في الداخل والخارج معاً، وقد يدفعها إلى مواجهة غير مضمونة النتائج، وربّما تكون نتائجها أسوأ بكثير ممّا تسعى إلى الحؤول دونه.

الاخبار اللبنانية

آخر الاخبار