عاجل:
حرب الخليج كشفت هشاشة النموذج الخليجي
الاخبار 2026-06-27 08:33 622 0

حرب الخليج كشفت هشاشة النموذج الخليجي

أكدت مجلة الإيكونوميست أن دول مجلس التعاون الخليجي دخلت مرحلة مختلفة عقب الحرب الأخيرة، في ظل تداعيات وصفتها بأنها الأعمق منذ حرب الخليج عام 1990،

مشيرة إلى أن الأزمة لم تقتصر على الأبعاد العسكرية والأمنية، وإنما امتدت لتطال ركائز النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه أنظمة المنطقة خلال العقود الماضية، والقائم على الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.

 

وأوضحت المجلة أن الحرب، رغم محدودية خسائرها البشرية مقارنة بالنزاعات السابقة التي شهدتها المنطقة، تركت آثارًا اقتصادية ونفسية عميقة، بعدما كشفت الضربات الصاروخية المتبادلة، والتوترات الإقليمية، والإغلاق المؤقت لمضيق هرمز، عن حجم هشاشة البيئة الأمنية التي تستند إليها اقتصادات الخليج، والتي لطالما قدمت نفسها باعتبارها واحة مستقرة وسط محيط إقليمي مضطرب.

 

ورأت الإيكونوميست أن هذا الواقع يفرض على الأنظمة الخليجية التعامل مع مرحلة جديدة تختلف عن السنوات الماضية، إذ لم يعد النمو الاقتصادي مرتبطًا فقط بارتفاع أسعار النفط أو تنفيذ المشاريع العملاقة، وإنما أصبح مرهونًا أيضًا بقدرة المنطقة على الحفاظ على الاستقرار الجيوسياسي وطمأنة المستثمرين والأسواق العالمية.

 

وأشارت المجلة إلى أن أولى التحديات التي تواجه أنظمة الخليج تتمثل في استعادة الثقة بعد الصدمة التي خلفتها الحرب، موضحة أن الاقتصادات الخليجية، ولا سيما تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية والعمالة الوافدة والسياحة، باتت مطالبة بإقناع المستثمرين بأن ما جرى لن يتحول إلى واقع دائم.

 

وأضافت أن مدنًا مثل دبي بنت مكانتها العالمية على صورة الاستقرار والانفتاح، وهي صورة تعرضت لاختبار غير مسبوق خلال الأزمة الأخيرة، بعدما أصبحت المنطقة بأكملها في دائرة المخاطر الأمنية.

 

وبينما استمر النشاط الاقتصادي ولم تتوقف حركة الأعمال بصورة كاملة، فإن المجلة رأت أن التعافي لن يكون متساويًا بين مختلف الدول والقطاعات، وأن بعض الأنشطة الاقتصادية ستكون أكثر تأثرًا من غيرها، خصوصًا تلك المرتبطة بالسياحة والخدمات والاستثمارات طويلة الأجل.

 

وفي سياق متصل، أكدت الإيكونوميست أن الحرب أعادت فتح النقاش حول جدوى خطط التنويع الاقتصادي التي تتبناها "دول الخليج" منذ سنوات، والتي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط عبر الاستثمار في قطاعات السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.

 

وأوضحت المجلة أن تلك الاستراتيجيات بُنيت على فرضية استمرار البيئة الإقليمية المستقرة نسبيًا، إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت أن المخاطر الجيوسياسية ما تزال عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل تلك المشاريع، وأن أي تصعيد عسكري قد ينعكس مباشرة على تدفقات الاستثمار وحركة التجارة والثقة بالأسواق.

 

وأضافت أن نموذج التحول الاقتصادي الذي سعت عدة "دول خليجية" إلى محاكاته، والقائم على تحويل العواصم الخليجية إلى مراكز مالية وسياحية عالمية، يواجه اليوم اختبارات جديدة، بعدما أثبتت التطورات الأخيرة أن الاستقرار الأمني يظل شرطًا أساسيًا لنجاح تلك الخطط، بغض النظر عن حجم الإنفاق أو المشاريع المعلنة.

 

ولفتت المجلة إلى أن تداعيات الأزمة لن تكون متساوية بين جميع "دول الخليج"، مشيرة إلى وجود تفاوت واضح في قدرة كل دولة على امتصاص الصدمات الاقتصادية.

 

فالدول التي تمتلك احتياطيات مالية ضخمة، مثل الإمارات، تتمتع بهامش أوسع للتعامل مع التداعيات، في حين تواجه دول أخرى، وعلى رأسها البحرين، ضغوطًا أكبر نتيجة ارتفاع مستويات الدين العام وتقلص هوامشها المالية، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة الاستمرار في تنفيذ برامجها بنفس الوتيرة السابقة.

 

أما التحدي الثالث، وفقًا للمجلة، فيتمثل في التعامل مع بيئة جيوسياسية جديدة تتسم بتراجع اليقين بشأن المظلة الأمنية الأمريكية، التي شكلت لعقود أحد أبرز عناصر الاستقرار في الخليج.

 

وأشارت الإيكونوميست إلى أن الحرب عززت الشكوك بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للاستمرار في لعب دور الضامن الأمني التقليدي للمنطقة، وهو ما دفع العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم خياراتها الإستراتيجية، والسعي إلى تنويع علاقاتها الدولية وعدم الاعتماد على شريك واحد في إدارة ملفات الأمن والدفاع.

 

وأضافت أن هذا التوجه يتجسد في تنامي العلاقات مع قوى إقليمية ودولية مثل الصين وتركيا ومصر وباكستان، في محاولة لبناء شبكة أوسع من الشراكات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلا أن المجلة نبهت إلى أن غياب رؤية خليجية موحدة تجاه إيران، واستمرار التباينات بين دول المجلس في إدارة الملفات الإقليمية، يحدان من فرص بناء سياسة جماعية أكثر تماسكًا.

 

ورأت المجلة أن هذه الانقسامات تجعل كل دولة أكثر ميلًا إلى إدارة مصالحها بصورة منفردة، سواء في المجال الدبلوماسي أو الأمني، وهو ما قد ينعكس على مستوى التنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي خلال المرحلة المقبلة.

 

وخلصت الإيكونوميست إلى أن الحرب لم تؤد إلى انهيار النموذج الاقتصادي الخليجي، لكنها وجهت إليه ضربة كشفت نقاط ضعفه البنيوية، وأثبتت أن ازدهار المنطقة لم يعد يعتمد فقط على الإيرادات النفطية أو الاستثمارات الضخمة، بل أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بقدرة دول الخليج على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وإدارة المخاطر الجيوسياسية، والتكيف مع نظام دولي وإقليمي يشهد تحولات متسارعة قد تعيد رسم موازين القوة والتحالفات في الشرق الأوسط.

 

في سياق متصل، كشفت وكالة "رويترز" أن سلطات دبي سارعت إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لاحتواء التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران، بعدما هزت الضربات الصاروخية صورة الإمارة باعتبارها إحدى أكثر البيئات استقرارًا وجاذبية للاستثمار في المنطقة.

 

ونقلت الوكالة عن مصادر حضرت اجتماعًا مغلقًا عُقد بعد أيام من بدء الضربات الإيرانية على الإمارات، أن كبار المسؤولين في دبي جمعوا مئات من قادة قطاع الأعمال لمناقشة سبل الحد من الخسائر الاقتصادية والحفاظ على مكانة الإمارة كمركز إقليمي للسياحة والخدمات المالية.

 

وبحسب المشاركين، ركز الاجتماع على ثلاثة محاور رئيسية هي: إعادة السياح، واستعادة ثقة المستثمرين، وتقديم الدعم اللازم للشركات المتضررة.

 

كما أبلغ المسؤولون رجال الأعمال بأن الحكومة تعمل على توفير دعم مالي ومعالجة اضطرابات سلاسل الإمداد، في رسالة هدفت إلى الحد من مخاوف الأسواق ومنع خروج رؤوس الأموال.

 

وأشارت رويترز إلى أن هذه المشاورات أسهمت في بلورة حزمة دعم اقتصادية بقيمة 2.5 مليار درهم (681 مليون دولار)، تركزت بصورة أساسية على القطاعات الأكثر تضررًا، وفي مقدمتها السياحة وتجارة التجزئة، بالتوازي مع إطلاق المصرف المركزي الإماراتي حزمة سيولة مدعومة باحتياطيات نقدية كبيرة لحماية القطاع المصرفي وتعزيز الاستقرار المالي.

 

ورغم أن الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة وإيران خفف من حدة التوترات، فإن الوكالة نقلت عن محللين وقادة أعمال تأكيدهم أن استعادة ثقة المستثمرين لن تكون سريعة، إذ يترقب المستثمرون قدرة السلطات على التعامل مع أي تصعيد مستقبلي، وليس فقط نجاحها في احتواء الأزمة الحالية.

 

ونقلت عن الباحث في مركز "تشاتام هاوس"، نيل كويليام، قوله إن المستثمرين يبحثون عن مؤشرات واضحة حول كيفية استجابة الحكومة في حال عادت التوترات الإقليمية، معتبرًا أن استدامة الثقة أصبحت مرتبطة بقدرة دبي على إدارة الأزمات بقدر ارتباطها بمعدلات النمو الاقتصادي.

 

وأوضحت رويترز أن الحرب كشفت حجم اعتماد دبي على الاستقرار الإقليمي، إذ لا يسهم النفط إلا بنسبة تقل عن 2% من الناتج المحلي للإمارة، بينما يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على السياحة والخدمات المالية والعقارات واستقطاب الشركات العالمية ورؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما جعلها أكثر عرضة للتأثر بالاضطرابات الأمنية.

 

وأضافت أن محللي بنك HSBC خفضوا توقعاتهم لنمو اقتصادات الخليج خلال عام 2026، متوقعين أول انكماش اقتصادي للمنطقة منذ جائحة كورونا، كما رجحوا تباطؤ النمو غير النفطي في كل من دبي وأبوظبي بصورة ملحوظة نتيجة تداعيات الحرب.

 

وأشارت الوكالة إلى أن التعافي الاقتصادي لا يزال متفاوتًا بين القطاعات، فبينما استعادت المطاعم والرحلات الجوية جزءًا كبيرًا من نشاطها، لا تزال الفنادق تعاني من انخفاض معدلات الإشغال، كما بدأت بعض مسارات التجارة الإقليمية تتحول نحو سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية لتجنب المرور عبر مضيق هرمز، الأمر الذي قلص جزءًا من الحركة التجارية التي كانت تستفيد منها دبي.

 

كما لفتت إلى أن تدفقات المستثمرين الأجانب في سوق دبي المالي تحولت من صافي استثمارات داخلة قبل اندلاع الحرب إلى صافي تدفقات خارجة خلال الأشهر التالية، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر لدى المستثمرين رغم تراجع حدة المواجهات العسكرية.

 

ورأت رويترز أن حزمة الدعم الحكومية الحالية تبقى أقل بكثير من برامج التحفيز التي أطلقتها دبي خلال جائحة كورونا، إلا أن السلطات تراهن على استمرار تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، ومنها إنشاء خط مترو جديد، وتوسعة مطار دبي، ومشاريع عقارية ضخمة، باعتبارها أدوات للحفاظ على الثقة وتعزيز النشاط الاقتصادي على المدى الطويل.

 

وخلصت الوكالة إلى أن مستقبل تعافي الاقتصاد الإماراتي سيظل مرتبطًا بمسار الأوضاع الإقليمية. فبحسب الخبراء، قد تعود رؤوس الأموال تدريجيًا إذا استقر الوضع الأمني، أما استمرار حالة الغموض والتوتر فسيجعل المستثمرين أكثر حذرًا في اتخاذ قراراتهم، ما يفرض على دبي مواصلة تقديم الحوافز الاقتصادية وتعزيز ثقة الأسواق للحفاظ على مكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي.

 

آخر الاخبار