بقلم عبد الرحمن الهاشمي
في ضوء المعطيات التي كشفتها الحرب على اليمن، يمكن القول أن هذا الصراع لم يُظهر فقط النزعة العدوانية للنظام السعودي وأطماعه في اليمن واستلحاق هذا البلد، وإن كان ذلك يظل عنصرا مهما في فهم طبيعة الحرب، بل كشف في العمق عن غياب مفهوم الدولة بمعناها السياسي والفلسفي. ففي الحالة السعودية، ثمة هوى شخصي وفردي يصبح هو الدولة، ونرجسية الحاكم وعناده وغطرسته تتحول إلى سياسات دولة، بحيث تختزل الدولة في "الأنا" الحاكمة؛ أنا الأمير؛ وفق منطق "أنا الدولة والدولة أنا". وهذا الاختزال ليس مجرد وصف سياسي، بل هو تعبير عن خلل بنيوي في تصور السلطة وديناميكية عملها، حيث تنتقل الدولة من كونها تعبير عن إرادة الدولة ومؤسسة تستمد شرعيتها من القواعد والاختصاصات، إلى كونها امتدادا لشخص يمارس السلطة باعتبارها ملكية خاصة.
وقد انعكس هذا الخلل في العملية الحربية نفسها؛ فبرغم الإنفاق الأسطوري على التسلح، الذي بلغ وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام حوالي 83.2 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 1.4% عن العام السابق، وبنسبة تصل إلى نحو 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم مرتفع جدا على المستوى العالمي، فإن هذا الإنفاق لم يترجم إلى قدرة حربية فعلية. فالذروة التاريخية للإنفاق بلغت 101.5 مليار دولار في عام 2015، أي ما يعادل 12.57% من الناتج المحلي آنذاك، ومع ذلك لم تحقق الحرب أهدافها. وتشير تقديرات عام 2026 إلى نحو 85.5 مليار دولار، وهي تقديرات غير رسمية تستند إلى إعلانات حكومية، لكنها تؤكد استمرار النزعة التسليحية دون إنجاز استراتيجي. وهنا يظهر العجز البنيوي في القدرة الحربية برغم الأرقام الضخمة؛ فالترسانة المستوردة لم تحمِ المطارات ولا المنشآت النفطية، وفشلت الأحلاف في تحقيق أهدافها، ما جعل دولة "سموه" مرتعا لكل القوى الدولية التي دخلت على خط الحرب التي أشعلها استهداف مطار صنعاء في يوليو/تموز 2026.
وتكشف خريطة الوجود العسكري الأجنبي في "السعودية" عن حجم هذا الارتهان؛ ففرنسا، بحسب إعلان الرئيس ماكرون في سبتمبر/ أيلول 2026، نشرت جنودا ورادارات وأنظمة دفاع في ميناء ينبع على البحر الأحمر لحماية منشآت النفط، مؤكدة أن المهمة دفاعية بحتة، وقد بدأ نشر المعدات فعليا في أكتوبر/تشرين الأول. وبريطانيا نشرت نظام الدفاع الجوي "Sky Sabre" في قاعدة الملك فهد الجوية مع رادارات وقاذفات وبطارية مدفعية ملكية مدمجة في شبكة الدفاع الجوي السعودي، إضافة إلى نحو ألف فرد عسكري في منطقة الخليج. وباكستان، بموجب اتفاقية دفاع مشترك، نشرت نحو ثمانية آلاف فرد عسكري وسرب مقاتلات JF-17 ونظام HQ-9 للدفاع الجوي يديره أفراد باكستانيون بتمويل سعودي، مع تقارير عن إمكانية نشر يصل إلى ثمانين ألف فرد. وتركيا، ضمن "تحالف مكة للدفاع"، تخطط لإرسال طائرات وطيارين لمواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات بدون طيار، وأرسلت فرقا فنية لحماية منشآت الطاقة. أما الولايات المتحدة فتحافظ على وجود عسكري واسع بنحو خمسين ألف فرد موزعين على قواعد في السعودية وقطر والبحرين والكويت والأردن والعراق، ونشرت مؤخرا نظام باتريوت في السعودية. وفي ما يتعلق ب(إسرائيل)، تكشف الوقائع عن تعاون أمني واستخباراتي غير معلن بين الطرفين، يتركّز على الإمداد المعلوماتي الاستخباراتي عبر القيادة المركزية الأمريكية، فيما يتداول وجود ضباط إسرائيليين في قاعدة تبوك بوصفه معطى قائما. وقد أفادت قناة "كان" الإسرائيلية بأن (إسرائيل) قدّمت دعما استخباراتيا للسعودية لمواجهة الحوثيين، دون الإفصاح عن طبيعة المعلومات المقدمة أو حجم التعاون بين الجانبين، فيما تُقدّم وحدة رسم الخرائط 9900 التابعة لمديرية الاستخبارات معلومات استخباراتية عالية الجودة على المستوى التكتيكي في إطار هذا التعاون الأمني. وهذا كله يجعل دولة "سموه" تبدو دولة فاشلة وعاجزة ومرتعا لقوات أجنبية، لا دولة قادرة على حماية سيادتها أو فرض إرادتها. أفلسنا أمام انتهاك للسيادة ورهن البلد للوجود العسكري الأجنبي؟!
ولا يقف الأمر عند هذه المفارقات الصارخة، فإن هذه "الدولة" وأمام إحساسها بالغرق في المغامرة اليمنية لجأت إلى إستجداء تعاطف العالم الإسلامي عبر الكذب، باتهام الخصم بأنه أراد استهداف مكة المكرّمة والمدينة المنورة، وهو اتهام يرقى إلى ما فوق الفضيحة، حيث يتداخل العجز مع البهتان في صورة تضليل بئيسة ويائسة ومكشوفة.
ويبقى أن حقيقة الحرب هي بين طرف يريد فرض وصايته على شعب وإستلحاق دولته في استعمار مغلف، وبين شعب يمني وحركة تحرر - أنصار الله - تقود نضاله من أجل الحق في تقرير المصير وإنهاء الحصار وقطع دابر التدخل في الشأن اليمني الذي يخص اليمنيين وحدهم. لكن دولة "سموّه" تكابر وتعاند برغم كلفة الحرب ليس على المقدرات الإقتصادية بل على الصورة والمصير والمستقبل.
إن الإصرار على التمسك بحكومة فنادق الرياض وتقديمها على أنها هي الشرعية للاستمرار في العدوان على الشعب اليمني، وكأن اليمنيين بلا إرادة فيمن يحكمهم، في تجاهل صريح لحقهم في تقرير مصيرهم، هو مسعى خائب ومحكوم عليه بالفشل مع وجود طليعة ثورية تحررية هي "أنصار الله". وهنا تكفي وقفة مع مشروع أنصار الله ومطالبهم لوقف الحرب، ليتأكد بعد مشروعهم التحرري؛ فهم حركة تحرر وطني تناضل لتحرير بلدها من التدخل الأجنبي ورفع الحصار، لا ميليشيا تابعة لإيران كما تروج الرياض، إذ إن دعاية التبعية الإيرانية إنما تُستخدم لتبرير الحرب والإستمرار في العدوان.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: دولة بهذا الحجم من الإنفاق على التسلح وبكل هذه التحالفات تعجز عن فرض معادلتها، وتتحول إلى طرف يستجدي التعاطف ويستعين بالقدرات الإسرائيلية، في مقابل حركة تحرر وطني تطرح مطالب مشروعة مسندة بالقوانين الدولية. ونحن هنا لسنا أمام خسارة عسكرية فحسب، بل وأمام انكشافٍ لبنية حكم؛ فحين يُحتكر القرار في شخص واحد،-لا يتمتع بأدنى مستوى من الخبرة العسكرية والمعرفة الميدانية- تغدو الحرب مسألة هيبة لا حسابات تتصل بالمصلحة الوطنية، ويصطدم الحل السياسي المتاح بمنطق النرجسية الذي يعدّ التراجع اعترافا بالهزيمة، وهي بالذات لحظة التغاير بين منطق الدولة ومنطق الشخصنة؛ فالأول مرن وبراغماتي يرى في المخرج السياسي حلّا قبل فوات الأوان، والثاني يرفضه ويواصل الحرب رغم دلائل الخسارة التاريخية. والدولة المختزلة في شخص قد تُحكم قبضتها مؤقتا، لكنها تسقط بإرتطام رأسه بصخرة الحقائق الصلبة على الأرض. ومن بين هذه الحقائق أن إطالة أمد الحرب والهروب إلى الأحلاف الحربية وتسليم الرقبة للمخلص الإسرائيلي سيدفع الشعب اليمني إلى تجاوز مطلب الحق في رفض الوصاية وتقرير المصير إلى خوض حرب ثارات من الكيان السعودي لن تقف حتى تصفية الحساب بإسقاطه.