قراءة في الاقتصاد السياسي للمملكة | تحليل سياسي واقتصادي
تُسقِط البيانات الرسمية الصادرة والمُوثقة عن لجنة الإفلاس الحكومية السعودية «إيسار» كل ادعاءات «الازدهار والتمكين الاقتصادي»، بعد أن كشفت سجلاتها القضائية عن دخول 489 شركة ومنشأة محلية في إجراءات الإفلاس والتصفية خلال ثمانية أشهر فقط من عام 2026، تصدّرها شهر أغسطس بـ 70 حالة معلنة.
هذه الأرقام الدامغة والصادرة من داخل أجهزة الدولة ذاتها تُثبت أن ما يجري ليس مجرد «دورة اقتصادية طبيعية» ولا نتاج «سوء إدارة» من قِبل المستثمرين ورواد الأعمال؛ بل هو النتيجة الحتمية والمباشرة لسياسات اقتصادية قسرية يديرها قرار سياسي فردي ومطلق. قرارٌ حوّل مقدرات البلاد وثرواتها السيادية إلى وقود لمشاريع استعراضية وصفقات خارجية لشراء النفوذ، تاركاً النسيج الاقتصادي الحقيقي والمجتمع يواجهان مقصلة الإفلاس والانهيار تحت وطأة الجبايات وتجميد المستحقات.
مركزية القرار وسحق الاقتصاد الإنتاجي
على مدى سنوات، تم تسويق «رؤية 2030» باعتبارها بوابة العبور نحو تنويع مصادر الدخل، لكن الممارسة العملية أنتجت نموذجاً فائق المركزية يتركز فيه القرار الاقتصادي والمالي بالكامل في يد رأس السلطة ومحيطه المباشر:
1. تغول الصندوق السيادي ومصادرة السوق:
بدلاً من تمكين القطاع الخاص، تحول «صندوق الاستثمارات العامة» إلى كيان احتكاري شامل يزاحم التجار وأصحاب المشاريع في كل شيء، من المقاولات الضخمة إلى المطاعم والضيافة، تم سحق السوق التنافسي لصالح شركات وليدة تابعة للدولة ومحمية بالقرار الأمني والسياسي، مما جعل البقاء خارج مظلة السلطة أمراً مستحيلاً.
2. الاستنزاف الجبائي لتمويل المغامرات:
بينما تُهدر المليارات دون أي رقابة برلمانية أو محاسبة شعبية، تم تعويض العجز عبر فرض جبايات ورسوم وغرامات تصاعدية على الأعمال والمواطنين (من ضريبة القيمة المضافة إلى رسوم التوطين الباهظة والبلديات). هذه الرسوم لم تذهب لتحسين بيئة العمل، بل لتمويل ميزانيات مشاريع غير مجدية، مما خنق الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الطبقة المتوسطة.
3. الارتهان للمشاريع الخيالية وتجميد المستحقات:
أدت القرارات الفردية المرتجلة بإطلاق مشاريع كبرى تفوق طاقة الخزانة (مثل نيوم وغيرها) إلى أزمة تدفقات نقدية خانقة؛ فمع نفاد السيولة، لجأت السلطة إلى تجميد أو تأخير مستحقات المقاولين والشركات المحلية بالشهور، لتكون النتيجة سقوط المقاولين والموردين في فخ الإفلاس تباعاً، بينما تسيل الحسابات الخارجية على الحفلات والشركات الاستشارية الغربية.
مفارقة الأولويات: مليارات لشراء النفوذ… والتنكيل بالداخل
يكشف توزيع الإنفاق طبيعة النظام وأولوياته الحقيقية؛ فالأزمة ليست شحاً في الموارد بل سوء توزيع فج ومقصود:
الكارثة الإنسانية: مجتمع يُساق نحو الفقر والارتهان
إن إفلاس هذه الشركات ليس مجرد إحصاء تجاري، بل جريمة اقتصادية بحق آلاف الأسر السعودية:
الخلاصة:
حين تعترف الدوائر القضائية التابعة للنظام ذاته بإفلاس 489 منشأة خلال 240 يوماً فقط، تسقط كل خطابات «التمكين والازدهار» لتنكشف الحقيقة العارية: الاقتصاد السعودي يتعرض لعملية تجريف مقصودة تقودها قرارات فوقية لا تخضع لأي رقابة أو محاسبة.
إن هذه الموجة من الإفلاسات وتشريد آلاف العاملين وتحويل أصحاب المشاريع إلى ملاحقين أمنياً بالديون، تفضح التناقض الصارخ لنظام يُغدق مئات المليارات على استعراضات الترفيه وعقود التسلح الخارجية لحماية بقائه على كرسي الحكم، في حين يفرض الخناق الجبائي على الداخل.
إنها ليست أزمة إدارة مالية، بل إفلاس سياسي وأخلاقي لمنظومة حكم استبدادية تدمر مقدرات أمة وتجعل من تدمير الاستقرار الاجتماعي للمواطنين ثمناً لاستمرار قبضتها الفردية.