لم تمض شهور قليلة على جولة المسؤولين الاسرائيليين المكوكية إلى الدول الخليجية لتمرير مشروعهم الاقتصادي والسياسي عبر هذه الدول التي من المفترض أنها لا تبادل "كيان الاحتلال" العلاقات الدبلوماسية والسياسية ولكن في حقيقة الأمر أن قطار التطبيع اقتحم عقول هؤلاء الزعماء السياسيين قبل حتى ان يتم تنفيذ هذا المشروع على الأرض والذي جرى الحديث عنه أواخر العام المنصرم متضمنا مد خط سكة حديد تربط "إسرائيل" والأردن مع السعودية وبقية دول الخليج (الإمارات، البحرين، سلطنة عمان، قطر، الكويت).
اليوم بعد البر يجري الحديث عن الجو وعن حملة تطبيع جديدة يقودها هذه المرة رئيس رابطة الطيارين الإسرائيليين، الكابتن ميدان بار، الذي وجه دعوةً إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والطيارين السعوديين للمشاركة في مؤتمر الطيران الأهم في إسرائيل، الذي ينعقد في مدينة تل أبيب خلال شهر مايو/ آيار المقبل، مشيراً إلى أن هذه قد تصبح خطوة أولى في سبيل "تبادل الرحلات الجوية بين البلدين" بل والعلاقات الدبلوماسية أيضاً.
صحيفة جورزاليم بوست، كتبت أن الكابتن ميدان بار، استهل دعوته للأمير السعودي بالإشارة إلى تقاربهما في العمر وأن عمرهما هو "متوسط سن الطيارين العاملين بشركات الطيران التجارية الإسرائيلية النموذجية".
وتابع بار موجها كلامه لـ"ابن سلمان" : " قد تتفق معي على أنه يمكن للطيارين العاملين بشركات الطيران الإسرائيلية الاستفادة من التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة حالياً" مردفاً "ربما الفرصة سانحة للطيارين الإسرائيليين الآن للتحليق فوق المملكة العربية السعودية بعد عبورهم المجال الجوي الأردني في طريقهم إلى قطر ثم الهند".
ونوه أيضاً إلى أن "التغيرات التي يشهدها العالم العربي والشرق الأوسط في الوقت الراهن تخلق مجالاً مناسباً للطموح وتحقيق النجاحات، ويمكن استغلالها في التعاون لتحقيق الرؤى المشتركة والمنفعة المتبادلة" مستطرداً "في المستقبل القريب، سوف تمر الطائرات السعودية فوق القدس في طريقها إلى لندن، وستدخل الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي السعودي في طريقها إلى الشرق الأقصى".
وأشار الطيار الإسرائيلي في رسالته لـ "ابن سلمان" إلى وجود قواسم مشتركة بين بلديهما (السعودية وإسرائيل) مثل المواقع الإسلامية المقدسة والتحدث باللغة العربية، والاعتماد على الطائرات أمريكية الصنع حسب قوله.
وأضاف: "كثيراً ما يلتقي الطيارون السعوديون والإسرائيليون وجهاً لوجه في المؤتمرات المهنية أو خلال المناورات العسكرية المشتركة، ونكتشف كيف يشبه بعضنا الآخر.. نبتسم ونصافح ولا نخشى مشاركة آرائنا السياسية وآمالنا بمستقبل أفضل".
وعمل بار على شحن ولي العهد السعودي بعبارات تدغدغ مشاعره وعواطفه قائلا له: "صاحب السمو الملكي، ربما حان الوقت لإحداث تغيير. الأمر متروك لنا لقيادة التحول وليس مجرد اتباع الريح. الطيارون السعوديون يتحدثون اللغة الدولية للطيران المدني تماماً كنظرائهم الإسرائيليين، ويستخدمون المصطلحات المهنية ذاتها ويواجهون تحديات مشتركة، كما أن قُمرة القيادة هي مساحة خالية نسبياً من الضوضاء السياسية".
وأضاف: "في شهر مايو المقبل، تعقد رابطة طياري الخطوط الجوية الإسرائيلية مؤتمر الطيران في إسرائيل، وهو أهم مؤتمر للطيران في الشرق الأوسط.. ندعو طياري المملكة العربية السعودية للانضمام إلينا كضيوف شرف، لنناقش سوياً التحديات المشتركة التي نواجهها معاً والبحث عن حلول لها معاً".
كما قال: "كلانا يعي أن المشاكل العالمية التي نواجهها حالياً تتطلب التفكير من منظور جماعي قبل اتخاذ القرارات، كلانا يدرك كذلك أن مثل هذا اللقاء قد يكون خطوةً لبناء الثقة، وإجراء ضروري لتنفيذ أي تحركات سياسية مستقبلية".
وألح بتكرار عرضه بصيغة أخرى قائلاً: "نمد يدنا مرحبةً بك ونعرض على السعودية خطة طيران مع المجال الجوي الإسرائيلي..نقترح هذا بكل تفاهم وأمانة بقلوب وعقول مفتوحة".
وفي ختام رسالته قال : "الطيران جسر وجواز سفر للشراكة بين بلدين.. لذا ندعوكم لزيارتنا. فشجاعتك والرؤية أقوى من الحواجز بين بلدينا، ويقف مراقبو الجو في أبراج تل أبيب على أهبة الاستعداد بانتظار منحك تصريحاً بالهبوط، وسنكون هناك على المدرج للترحيب بكم فور هبوطكم".
ماذا وراء بار؟
واضح جدا وبدون أي مقدمات أن السيد بار وزعيمه نتنياهو يعلمون جيدا أن ابن سلمان منفتح نحوهم ويعمل على توجيه سياسية المملكة "بشكل لا يعلم به غيره ولا احد يعرف ما المسار الذي يتجه نحوه" لكن الاسرائيليين وبحكم معرفتهم جيدا بحكام المنطقة يعمدون لاستغلال ضياع ابن سلمان وتوجيه مساره نحوهم، ولهم اساليبهم بهذا الخصوص على اعتبار أن التطبيع هدفهم الممنهج الذي يسعون اليه منذ تأسيس كيانهم.
الحديث عن التطبيع في الفترة الأخيرة تزايد بشكل ملحوظ وتحول إلى عاصفة أسقطت معها أقنعة الزعماء الذين كانوا يدّعون الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية أو داخل فلسطين، وعلى ما يبدو أن الشرق الأوسط بدأ يتحول بالفعل ويأخذ شكلا جديدا ومحاورا جديدة تقسم البلاد العربية إلى 4 أو 5 تحالفات لا يجمعها شيء سوى "اللغة" على مستوى الزعماء ولكن علينا أيضا أن نترك مجالا ولو ضيقا لشعوب هذه البلاد علها تُحدث فرقا ايجابيا في الفترة المقبلة لطالما أن التغيير سيد الموقف هذه الأيام.