عاجل:
مراسلون بلا حدود: محمد بن سلمان مفترس حرية الصحافة
حدث وتحليل 2026-11-03 17:11 621 0

مراسلون بلا حدود: محمد بن سلمان مفترس حرية الصحافة

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

بعد سنوات طويلة من محاولات غسيل السمعة عبر الصفقات الرياضية، والعقود الاستثمارية، وتطويع كبريات شركات العلاقات العامة وشراء صمت المؤسسات الدولية، جاء تحديث منظمة «مراسلون بلا حدود» (نوفمبر 2026) ليضع الأمور في نصابها الحقيقي والمجرد:

إدراج ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رسمياً ضمن قائمة «مفترسي حرية الصحافة»، وتحديداً في الفئة «الأمنية»—وهي الخانة المخصصة لمن يوظفون أجهزة الدولة الأمنية لقتل الصحفيين، سجنهم، وإسكاتهم بالقوة.

هذا الإدراج لا يمثل مجرد رقم إضافي في تقرير دولي؛ بل يمثل إقراراً بأن محاولات “إعادة تسويق” السلطة الجديدة قد اصطدمت بحائط الصد الذي بنته الوقائع الميدانية داخل المملكة.

 

أولاً: أسطورة «الانفتاح» في مواجهة المرتبة 176

بينما تروّج ماكينات الإعلام الرسمي لعصر جديد من الحداثة والتحديث الاقتصادي الشامل، يقبع التصنيف الفعلي للمملكة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 عند المرتبة 176 من أصل 180 دولة.

هذه المرتبة لا تضع الرياض بين العواصم الطامحة لقيادة العالم الجديد، بل في القاع المظلم بجانب أشد النظم شمولية وانغلاقاً على كوكب الأرض.

فالرسالة التي تثبتها الوقائع اليومية بسيطة ومباشرة:

«التحديث الاقتصادي مسموح به، لكن التفكير أو نقل الواقع المستقل جريمة تمس الأمن القومي».

 

ثانياً: 15 صحفياً خلف القضبان… جريمة «الرأي غير الموجّه»

تشير إحصاءات منظمة مراسلون بلا حدود إلى بقاء ما لا يقل عن 15 صحفياً وإعلامياً رهن الاعتقال التعسفي داخل السجون السعودية.

لكن الكارثة القانونية والأخلاقية الأعمق، بحسب المنظمة نفسها، تكمن في أن نحو نصف هؤلاء محتجزون إما دون محاكمة إطلاقاً، أو أنهم أنهوا مدد محكومياتهم الجائرة بالكامل وما زالوا ممنوعين من الخروج إلى النور.

هذه الأرقام تمتد لتشمل مروحة واسعة من أصحاب الرأي الذين لم يشفع لهم ابتعادهم عن العمل السياسي المباشر:

  • لم يقتصر الأمر على كتاب المقالات والتحقيقات، بل طال باحثين اقتصاديين حذروا من مسارات الخصخصة والمشاريع غير المحسوبة مثل عصام الزامل.
  • امتد إلى رسامي الكاريكاتير الذين سخروا من الواقع المعيشي كـ محمد الهزاع.
  • وصل إلى مدوني المنصات الحرة ومحرري المعرفة (ويكيبيديا) مثل أسامة خالد.
  • وطال أصواتاً نسائية ومدنية مثل الصحفية مها الرفيدي.
  • وما زالت قضية الكاتب تركي الجاسر، الذي قُتل ونُفّذ فيه حكم الإعدام سراً بتهم معلبة بعد سنوات من الإخفاء، شاهداً حياً على المدى الدموي الذي يمكن أن تبلغه المنظومة الأمنية في تصفية الصوت المستقل.

 

ثالثاً: احتكار الواقع في زمن الأزمات

لم يعد الاستهداف مقتصراً على المعارضة السياسية؛ بل تحول إلى حظر كامل لنقل «الواقع المادي».

خلال التوترات الإقليمية والضربات العسكرية المتبادلة في 2026، وثقت المنظمات الدولية كيف حوّلت السلطات نقل صور المقذوفات أو توثيق الأضرار أو حتى التحقق الميداني من الوقائع إلى “خيانة وطنية” تستوجب العقاب تحت ذريعة مكافحة الشائعات.

إن الهدف البنيوي هنا ليس مجرد نفي خبر كاذب، بل فرض الرواية الرسمية الوحيدة بوصفها الحقيقة المادية الوحيدة المسموح بوجودها؛ فلا مجال لصحافة ميدانية، ولا تصوير للمواطنين، ولا توثيق للحقائق خارج بيانات الدوائر الأمنية.

 

رابعاً: عزل الداخل وبناء «الإنترانت» القمعي

لإحكام السيطرة التامة، لم تكتفِ السلطات السعودية بإسكات الصحافة المحلية وإخضاع غرف الأخبار لغرفة عمليات التوجيه المباشر؛ بل لجأت إلى ملاحقة الحقيقة القادمة من الخارج:

  • الحجب الجغرافي الرقمي: وثقت منظمات حقوقية مستقلة (مثل القسط والمنظمة الأوروبية السعودية) رضوخ منصات تقنية عملاقة، وعلى رأسها منصة «X»، لطلبات السلطات وحجب عشرات الحسابات الحقوقية والسياسية والصحفية لمنع المواطنين في الداخل من الاطلاع على أي محتوى يكشف زيف البروباغندا.
  • الترهيب العابر للحدود: تحولت القوانين المحلية (كنظام مكافحة الإرهاب ونظام الجرائم المعلوماتية) إلى مظلات قانونية مطاطة تستخدم لشرعنة ملاحقة أصحاب الحسابات حتى خارج البلاد، أو ممارسة الضغط على عائلاتهم في الداخل كرهائن لإسكاتهم.

 

الخلاصة التي يجب أن يعيها الجميع

إن إدراج محمد بن سلمان في قائمة «مفترسي حرية الصحافة» لعام 2026، وتصنيفه في الخانة الأمنية، ليس خبراً عابراً؛ بل هو وثيقة اعتراف دولية تسقط سردية الإصلاح الشكلي وتفضح جوهر الحكم الفردي المطلق.

لقد بني هذا النظام على قاعدة لا تحتمل الشريك، ولا تحتمل الوسيط، وفوق كل شيء: ترتعد فرائصها من المعلومة الحرة والصحفي المستقل.

إن بقاء 15 صحفياً في الزنازين اليوم، وملاحقة مئات المغردين والناشطين، يؤكد حقيقة واحدة:

كل ناطحات السحاب ومهرجانات البهرجة الاستعراضية تعجز عن حجب حقيقة أن الوطن تحول إلى سجن كبير، وأن الخوف من الكلمة الصادقة لا يزال هو المحرك الأساسي للأجهزة الأمنية في الدولة.

 

الخاتمة: حقيقة النظام الذي ترعبه الكلمة

إن تصنيف محمد بن سلمان في قائمة «مفترسي حرية الصحافة» ليس مجرد ورقة إضافية في أرشيف المنظمات الدولية؛ بل هو شهادة وفاة نهائية لكل أكاذيب «الإصلاح» و«الانفتاح».

إن من يقيم عرشه على أنقاض حرية الكلمة، ويحوّل تصوير أو التحدث عن أصوات انفجارات أو مقذوف أو نقد اقتصادي بريء، إلى “جريمة أمن دولة”، ومن يستمر في تغييب الصحفيين خلف القضبان حتى بعد انتهاء محكومياتهم الجائرة، ويستخدم المقصلة والاعتقال المنهجي لإسكات كل صوت حي، لا يقود مشروع دولة حديثة، بل يدير ثكنة أمنية عملاقة تحتكم لقانون الخوف المطلق.

إن كل مليارات العلاقات العامة، وكل ناطحات السحاب ومهرجانات البهرجة الاستعراضية، تعجز تماماً عن حجب حقيقة دامغة:

أن الوطن تحول إلى سجن كبير، وأن نظاماً يرتعد هلعاً من مدون صغير، أو رسام كاريكاتير، أو صحفي ينقل الحقيقة مجردة، هو نظام هشّ وفاقد للشرعية من أساسه، ولا يمكن لكل بهارج الأرض أن تغطي أبدًا على عتمة الزنازين.

آخر الاخبار