عاجل:
انقلاب أخضر تقوده الهند والصين يهدد نفط الخليج
الاخبار 2026-05-03 09:11 553 0

انقلاب أخضر تقوده الهند والصين يهدد نفط الخليج

يشهد الظرف الراهن في منطقة الخليج، مع استمرار الحرب في المنطقة وتقلبات أسعار الطاقة، دفعاً متسارعاً من الصين والهند نحو تقليل الاعتماد على النفط والغاز الخليجيين، ما يؤشر إلى أهمية تسريع دول الخليج لاستراتيجيات التحول نحو الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة للحفاظ على حصصها السوقية في آسيا.

وتدفع الصين والهند، كأكبر مستوردي النفط الخليجي، نحو هذا التحول بقوة، باستثمار الصين 3.7 مليارات دولار في الهيدروجين الأخضر العام الماضي، متجاوزة الولايات المتحدة بمقدار ضعفين، وتخطط لإنتاج 2.6 مليون طن سنوياً بحلول 2031 باستثمارات تصل إلى 26 مليار دولار، حسبما أورد تقرير نشرته منصة رايستاد إنرجي، المتخصصة بشؤون الطاقة في 22 إبريل/نيسان الماضي. أما الهند فتستهدف، بحسب التقرير ذاته، خمسة ملايين طن متري سنوياً بحلول 2030 (أي ما يعادل خمسة أضعاف حجم السوق العالمية الحالية، ونحو ضعف ما يتوقعه المحللون لإنتاج الصين بحلول ذلك الوقت) بدعم حكومي بـ2.1 مليار دولار، مع التركيز على الطاقة الشمسية والرياح لتأمين الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة مع الضغوط على مضيق هرمز.

 

وما يجمع بين الصين والهند، رغم اختلاف دوافعهما، وفق "رويترز"، هو امتلاكهما القوة والإرادة السياسية لخلق سوق جديدة من الأساس، عبر دعم المشاريع، وتوجيه الطلب، وخفض التكاليف من خلال التوسع في الإنتاج. وقد نجحت الهند في جذب رؤوس الأموال الخاصة من خلال الجمع بين الإعانات وضمانات الشراء من المصافي ومصانع الأسمدة وشركات الصلب، ما جعل المشاريع قابلة للتمويل منذ البداية. ويتمثل الدافع الأساسي للهند في أمن الطاقة، إذ يُستخرج الهيدروجين فيها بشكل كبير من الغاز الطبيعي المستورد، الذي تعرضت إمداداته لاضطرابات متتالية بسبب الحرب في المنطقة وأوكرانيا وجائحة كورونا. أما بالنسبة للصين فإن الهدف يتمثل في الحفاظ على هيمنتها على قطاع الهيدروجين مع تحوله نحو الطاقة النظيفة.

 

وفي خطتها الخمسية التي أُعلنت في مارس/ آذار الماضي، أدرجت بكين الهيدروجين الأخضر إلى جانب الحوسبة الكمية وواجهات الدماغ - الحاسوب والروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بصفتها قطاعاً صناعياً مستقبلياً، وهو ما يشير إلى تحوّل عنيف يهدد الطلب الآسيوي التقليدي على النفط الخليجي. وقال المسؤول عن الهيدروجين في وكالة الطاقة الدولية، خوسيه برموديز: "إذا عدنا عاماً أو عامين إلى الوراء، لم تكن الصين بارزة كثيراً في مجال الهيدروجين الأخضر، لكن بعد عامين فقط أصبحت تمتلك معظم أكبر المشاريع في العالم". ومن المرجح أن تكون الصين قد ضاعفت قدرتها الإنتاجية من الهيدروجين القائم على الطاقة المتجددة إلى 250 ألف طن العام الماضي – أي أكثر من نصف الإجمالي العالمي – متجاوزة هدفها المحدد لعام 2022 بإنتاج ما بين 100 ألف و200 ألف طن سنوياً بحلول 2025، وفقاً لما قاله كيفن تو، المدير التنفيذي لشركة أغورا إنرجي تشاينا.

 

وفي المقابل، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلّب موازنة بين الحفاظ على دورها مورداً رئيسياً للطاقة التقليدية، وبين الانخراط السريع في اقتصاد الطاقة الجديدة. وقد بدأت بالفعل خطوات عملية في هذا الاتجاه، حيث تقود السعودية مشاريع ضخمة مثل مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر باستثمارات تتجاوز 8.4 مليارات دولار، مع خطط لإنتاج أربعة ملايين طن هيدروجين بحلول 2030. كما تعمل الإمارات على تطوير قدراتها في إنتاج الهيدروجين، مستفيدةً من وفرة الطاقة الشمسية والبنية التحتية المتقدمة، مع استهداف إنتاج 1.4 مليون طن سنوياً بحلول 2031. ويعزز هذا التحول الشراكات مع الصين في تخزين الطاقة والهيدروجين، حيث تتكامل قدرات الخليج الجغرافية مع التكنولوجيا الصينية لتصدير "الجزيئات الخضراء" إلى آسيا، ومع ذلك يظل التحدي في بناء سلاسل القيمة الكاملة لتجنب فقدان الحصة السوقية، حسبما أورد تقرير نشرته "وود ماكنزي" في 12 إبريل الماضي.

 

وإزاء ذلك، فإن مستقبل حصة دول الخليج في سوق الطاقة الآسيوية يعتمد على نجاح هذا التحول، إذ قد يحول الخليج نفسه إلى مركز هيدروجين عالمي يغذي الصين والهند، محافظاً على نفوذه الاقتصادي، لكن فشل التسارع قد يؤدي إلى تراجع الحصص لمصلحة منتجي الطاقة المتجددة في آسيا نفسها، بحسب تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 21 إبريل الماضي.  وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الصين والهند تملكان مشاريع ضخمة في مجال الطاقة المتجددة سبقت بدء التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، حيث يستثمر البلدان بشكل مكثف في إنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وعليه فإن منطقة الخليج بحالة صعبة، لكنها مؤقتة".

 

فالهند تستثمر مبلغ 3.75 مليارات دولار في إنتاج الهيدروجين الأخضر، ومن المخطط أن يصل الإنتاج إلى 2.5 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، وهو ما يعكس التزاما طويل الأمد بتحولات الطاقة، بحسب إسماعيل، لافتاً إلى أن "إغلاق مضيق هرمز من شأنه أن يحفز الهند والصين على الإسراع في برامج الانتقال نحو الطاقة البديلة والنظيفة". غير أن الاعتماد على النفط والغاز سيستمر لسنوات طويلة نظراً لأن مشاريع الطاقة النظيفة تتطلب استثمارات ضخمة وفترات زمنية ممتدة قد تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات، وفق تقدير إسماعيل، موضحاً أن "الهند والصين تتنافسان لتعويض نقص الإمدادات الناتج عن أي اضطرابات في المضيق، عبر شراء كميات أكبر من النفط الروسي ومصادر أخرى، ما يخفف من الضغط المباشر على أسواق الخليج". لكن يظل التأثير على استيراد النفط من الخليج محدوداً ومؤقتاً، بحسب إسماعيل، موضحاً أن "كلا البلدين يحتاج بشكل ضروري للطاقة الأحفورية لتشغيل قواعدهما الصناعية الضخمة في قطاعات البتروكيماويات والأسمدة والصناعات الأخرى، وعند انتهاء الأزمة وإعادة فتح مضيق هرمز سيعود التصدير إلى الهند والصين بقوة لتعويض أي خسائر مؤقتة".

 

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ "العربي الجديد"، إلى أن "الاستغناء عن النفط والغاز في الوقت الراهن يظل أمراً صعباً ويتطلب سنوات طويلة رغم النجاحات التي حققتها دول مثل الصين والهند في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وتطوير الجيل الخامس من الخلايا الضوئية بتكلفة أقل، غير أن إنتاج الهيدروجين الأخضر يواجه تحديات تقنية واقتصادية كبيرة مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى". فتكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين الأخضر تتراوح حالياً بين ثلاثة إلى ستة دولارات، نظراً للحاجة إلى كميات هائلة من الطاقة الكهربائية لعملية تحليل الماء، ما يجعل التقنيات الحالية غير قادرة بعد على إنتاج كميات كبيرة وبأسعار منافسة، وهو ما يؤكد، بحسب طه، صعوبة التحول السريع والكامل بعيداً عن الهيدروكربونات التقليدية في الظرف الحالي.

 

وكبديل لتعزيز استقرار أسواق الطاقة، يرى طه إمكانية اتفاق الدول المنتجة والمستهلكة الكبرى مثل الصين والهند على إنشاء مخزونات استراتيجية مشتركة، حيث تقوم الدول المنتجة، وعلى رأسها دول الخليج، بخزن النفط الخام في خزانات داخل الدول المستهلكة تبقى ملكاً لها، مع السماح للدول المستهلكة باستخدامها في حالات الطوارئ بسعر السوق، وهي آلية يشير طه إلى تطبيقها بنجاح فعلياً في اليابان والصين مع السعودية. وتشمل استراتيجيات التخزين المتطورة استخدام الخزانات البرية في الدول المستهلكة والخزانات البحرية العائمة والناقلات، بالإضافة إلى خطوط الأنابيب الاستراتيجية مثل خط "قوة سيبيريا" الذي يمتد من شرق روسيا إلى شمال الصين، بهدف خلق حالة من الاستقرار النسبي وتقليل آثار أي أزمات محتملة مثل إغلاق مضيق هرمز، كما يوضح طه.

 

وهنا يلفت الخبير الاقتصادي إلى أن "دول الخليج المنتجة للنفط، خاصة السعودية والإمارات وعُمان، تعمل هي الأخرى على تطوير بدائل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأزرق والرمادي، مع التركيز على زيادة الإنتاج وتخفيض التكاليف، بالتوازي مع تطوير إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية لتقليل انبعاثات الكربون في الصناعات الثقيلة ووقود السفن ومعامل البتروكيماويات". ويخلص طه إلى أن "تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية حققت مستويات تنافسية عالية، خاصة في دبي، ما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية ويدعم جهود دول الخليج للوصول إلى حيادية الكربون بحلول عام 2050، الأمر الذي يجعل اعتماد دول الخليج على النفط مصدراً أساسياً للإيرادات قابلاً للتغير المستقبلي".

 

آخر الاخبار