عاجل:
حرب الخليج تدخل السلطات السعودية في مأزق
الاخبار 2026-04-26 08:50 556 0

حرب الخليج تدخل السلطات السعودية في مأزق

في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تكشف التطورات الأخيرة عن مأزق حقيقي يعيشه "النظام السعودي"، لا يقتصر على الضغوط الأمنية، بل يمتد إلى عمق مشروعها السياسي والاقتصادي.

فبدلاً من الظهور -كما تدّعي- كقوة إقليمية قادرة على التأثير، تبدو الرياض محاصرة بتناقضات خياراتها، وعاجزة عن تحويل خطابها إلى سياسات واضحة.

 

 

 

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالاً بقلم ستيفن كوك، والذي لا يكتفي بعرض صورة عامة عن الموقف السعودي، بل يركز على مفارقات دقيقة تكشف حدود القوة الفعلية التي تمتلكها "السعودية". من أبرز هذه النقاط أن الحرب لم تؤدِ فقط إلى إرباك الحسابات السياسية، بل دفعت فعلياً إلى إعادة هيكلة أولويات الإنفاق داخل صندوق الاستثمارات العامة. فبدلاً من الاستمرار في مشاريع الترفيه والتوسع غير المحسوب، جرى توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر ارتباطاً بالبقاء الاقتصادي مثل المياه والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، في مؤشر على أن “رؤية 2030” لم تعد تُدار بذات الزخم السابق، بل تحت ضغط الضرورات.

 

 

 

ومن الأفكار التي يبرزها المقال، أن بعض القرارات التي تبدو منفصلة -مثل إلغاء دوري الغولف الذي أطلقه محمد بن سلمان، وبيع 70% من نادي الهلال- ليست خطوات عابرة، بل إشارات إلى ضائقة مالية أعمق مما يُعلن. هذه التفاصيل، التي قد تبدو ثانوية، تعكس تحولاً من سياسة الإنفاق الاستعراضي إلى محاولات احتواء الأزمة، وهو ما يتناقض مع الصورة التي تحاول السعودية تسويقها كاقتصاد صاعد بلا عوائق.

 

 

 

سياسياً، يسلط كوك الضوء على نقطة حساسة تتعلق بازدواجية الخطاب السعودي: فبينما تصر الرياض علناً على أنها لا تدعم الحرب وتسعى للحلول الدبلوماسية، تتكرر في الإعلام الأمريكي تسريبات تفيد بأن محمد بن سلمان مارس ضغوطاً على إدارة ترامب، أولاً لبدء الحرب ثم لمواصلة العمليات حتى تحقيق أهدافها. أهمية هذه النقطة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في تكرارها عبر مصادر مختلفة، ما يعزز الشكوك حول حقيقة الموقف السعودي ويقوض مصداقيته الدولية.

 

 

 

كما وأشار كوك إلى أن "السعودية"، رغم تعرضها لهجمات مباشرة من إيران ووكلائها، اختارت الامتناع عن الرد العسكري، مكتفية بعبارات مثل "نحتفظ بحق الرد". هذا السلوك لا يُفسَّر فقط بالحذر، بل يعكس إدراكاً ضمنياً بحدود القدرة العسكرية والسياسية، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة. هنا تظهر مفارقة لافتة: دولة تنفق مليارات الدولارات على التسلح، لكنها تتجنب استخدام هذه القوة عندما تتعرض لضغوط فعلية.

 

 

 

كما يطرح المقال فكرة تتعلق بطريقة تفكير "القيادة السعودية"، إذ يشير إلى أنها تتعامل مع الحرب ليس باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل التوازنات، بل كخطر يجب احتواؤه بأي ثمن، بسبب استثمارات ضخمة تُقدّر بتريليون دولار في مشاريع التحول الاقتصادي. هذه المقاربة تجعل "السعودية" تميل إلى “إدارة المخاطر” بدلاً من “صناعة الأحداث”، وهو ما يفسر حالة التردد المستمرة.

 

 

 

ومن النقاط التي ذُكرت أيضاً، تحليل السيناريوهات الثلاثة لنهاية الحرب، ليس فقط من حيث نتائجها، بل من زاوية كيفية قراءة السعودية لها. فالمقال يرى أن الرياض لا تتصرف كما لو أنها تتوقع انتصاراً أمريكياً، رغم أنه السيناريو الأفضل لها، بل تتصرف وكأنها تستعد لأسوأ الاحتمالات، أي استمرار الجمود أو حتى صعود إيران. هذا الاستنتاج مهم لأنه يفسر سلوك “الوقوف على الحافة”: عدم الانخراط الكامل، وعدم الانسحاب الكامل، بل محاولة التكيف مع أي نتيجة محتملة.

 

 

 

ويقدم كوك توصيفاً لسياسة السعودية الحالية، واصفاً إياها بأنها محاولة لأن تكون "كل شيء لجميع السيناريوهات"، وهو توصيف يعكس حالة ارتباك استراتيجي أكثر منه مرونة سياسية. فبدلاً من اختيار مسار واضح، تحاول الرياض الجمع بين مواقف متناقضة: إنكار دعم الحرب، مع تمني تحقيق أهدافها؛ التهديد بالرد، مع تجنب التصعيد؛ الاعتماد على واشنطن، مع انتقاد سياساتها.

 

 

 

ومن الأفكار الجوهرية التي يطرحها المقال، أن "السعودية" لم تعد قادرة على الادعاء بأنها قوة مهيمنة في المنطقة، لأن سلوكها الفعلي لا يتسق مع هذا الادعاء. فالكاتب يذهب إلى أن الرياض، مقارنة بإيران أو إسرائيل، تبدو أقل قدرة على المبادرة، وأكثر ميلاً إلى رد الفعل. وهذه ليست مجرد ملاحظة سياسية، بل استنتاج يستند إلى طريقة إدارتها للأزمة الحالية.

 

 

 

كما يكشف المقال عن بعد آخر يتمثل في التوتر غير المعلن بين "السعودية" والولايات المتحدة. فبينما تعتمد الرياض بشكل كبير على واشنطن، فإنها في الوقت نفسه ترى أن السياسات الأمريكية -من غزو العراق إلى الاتفاق النووي وصولاً إلى الحرب الحالية- ساهمت في تقوية إيران بدلاً من إضعافها. هذه المفارقة تضع "السعودية" في موقع حرج: فهي لا تستطيع الاستغناء عن الحليف الأمريكي، لكنها لا تثق بالكامل في نتائجه.

 

 

 

يخلص التحليل إلى أن الأزمة الحالية لا تكشف فقط عن تحديات ظرفية، بل عن خلل أعمق في تعريف "السعودية" لدورها الإقليمي. فبدلاً من أن تكون طرفاً فاعلاً في رسم مسار الأحداث، تبدو أقرب إلى لاعب يحاول تقليل الخسائر. وبينما تواصل الترويج لنفسها كقوة صاعدة، فإن سلوكها في هذه الحرب يشير إلى عكس ذلك، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

 

آخر الاخبار