والبدائل اللوجستية التي يمكنها الاعتماد عليها في ظل إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن انعكاسات التصعيد على حركة الموانئ السعودية وتكاليف الشحن والتأمين وثقة الأسواق. وجاءت تحذيرات اليمن لشركات الشحن العالمية في رسالة إلكترونية مؤرخة في 20 يوليو/تموز، تلقتها عدة شركات، نصت على حظر تحميل البضائع أو تفريغها في أي ميناء سعودي، مع مطالبة الشركات بتوخي أقصى درجات الحذر، وفقاً لوكالة رويترز.
وحذرت الرسالة، الصادرة عن مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء، من أن السفن المخالفة قد تتعرض للاستهداف ضمن المدى العملياتي لقوات صنعاء، مشيرة إلى دخول القرار حيز التنفيذ عند الساعة 12:01 بتوقيت غرينتش من يوم 20 يوليو/تموز.
وفي المقابل، بدأ التحالف بقيادة السعودية تنفيذ إجراءات عملياتية لتأمين السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب، واصفاً التهديد اليمن بأنه قرصنة بحرية، فيما أكد المتحدث الرسمي باسم التحالف، تركي المالكي، التعامل مع جميع التهديدات اليمنية بسرعة وحزم.
ويأتي ذلك وسط تصاعد تقديرات خبراء بإمكانية اضطرار السعودية إلى تشديد ردها العسكري لحماية خطوط الملاحة، في ظل الضغوط المتزايدة على مسارات تصدير النفط عبر البحر الأحمر بعد إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يضع البنية التحتية البديلة التي اعتمدت عليها السعودية خلال العقود الماضية أمام اختبار غير مسبوق، وفق تقرير نشرته منصة "بورت نيوز" المتخصصة في أخبار الشحن والخدمات البحرية العالمية في 21 يوليو/تموز الجاري.
خيارات محدودة ومعقدة:
وعلى صعيد البدائل اللوجستية، تبدو خيارات السعودية محدودة ومعقدة، وفق تقدير نشره مجلس الأطلسي في 20 يوليو الجاري. فبعد توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، عززت السلطات السعودية اعتمادها على خط الأنابيب شرق - غرب (بترولاين) لنقل النفط الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما أتاح استمرار تصدير جزء كبير من الشحنات بعيداً عن الخليج. إلا أن هذا المسار لا يلغي الحاجة إلى عبور مضيق باب المندب بالنسبة إلى الإمدادات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، الأمر الذي يجعل الممر البديل نفسه عرضة للمخاطر الأمنية. ويشير التقدير إلى أن نقل الشحنات شمالاً عبر قناة السويس أو خط سوميد في مصر لا يمثل حلّاً عملياً للصادرات المتجهة إلى آسيا، نظراً إلى ارتفاع التكلفة وإطالة زمن الرحلات. كما أن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضيف نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع إلى زمن الشحن، ويرفع تكاليف النقل والتأمين بصورة كبيرة، ما يقلص الميزة التي يوفرها خط الأنابيب في تجاوز مضيق هرمز.
الحصار يربك شحنات السعودية:
وحتى من دون إغلاق فعلي للموانئ، يتوقع أن ينعكس التصعيد على تكاليف الشحن والتأمين وثقة الأسواق. فقد حذرت شركة الأمن البحري "أمبري" من أن السفن التي ترفع العلم السعودي، أو تملكها أو تشغلها شركات سعودية، إضافة إلى السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر، أصبحت تواجه مستوى مرتفعاً من المخاطر بعد إعلان اليمن الحظر البحري. ومن شأن ذلك أن يدفع شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وأن يزيد الضغوط على حركة التجارة وسلاسل الإمداد إلى موانئ البحر الأحمر، بما في ذلك جدة وميناء الملك عبد الله، بحسب تقرير نشرته منصة سبلاش 247 (Splash247)، المتخصصة في شؤون الشحن الملاحي الدولي، أول أمس الثلاثاء. ويرى الخبير الجيوسياسي في شركة ريستاد إنرجي، خورخي ليون، أن استمرار إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع تصاعد التهديدات اليمنية في البحر الأحمر قد يعرض نحو 2.5 ملايين برميل يومياً من الصادرات السعودية للمخاطر، محذراً من أن تعطل هذين المسارين معاً قد يدفع أسعار خام برنت مجدداً إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، ويعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد العالمي، وفق ما نقلته منصة "ريغ زون" في 21 يوليو/تموز الجاري.
عجز في احتواء الأزمة؟:
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، إن إعلان اليمنيين فرض حصار بحري على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية يضع السلطات السعودية أمام تحدّ استراتيجي غير مسبوق، لأن التهديد يستهدف هذه المرة المسار البديل الذي اعتمدت عليه السعودية لتجاوز أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز، وليس الممر الخليجي التقليدي. ويضيف أن خيارات السعودية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل أولها في تعزيز الإجراءات الأمنية عبر تكثيف الدوريات البحرية وتوسيع عمليات مرافقة الناقلات بالتنسيق مع القوات البحرية الدولية، إضافة إلى رفع جاهزية منظومات الدفاع الجوي والصاروخي لحماية الموانئ والمنشآت النفطية على ساحل البحر الأحمر. أما المسار الثاني فيقوم على إدارة الأزمة لوجستياً من خلال إعادة جدولة الشحنات والاستفادة القصوى من الطاقة التشغيلية لخط الأنابيب شرق - غرب وميناء ينبع، بما يحد من أي اضطراب في الإمدادات. بينما يتمثل المسار الثالث في خيار الرد العسكري المحدود ضد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وهو خيار يظل الأكثر حساسية بسبب احتمالات توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.
ويرى الخوري أن المفارقة تكمن في أن البنية التحتية التي أنشأتها السعودية خلال العقود الماضية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز أصبحت اليوم تواجه ضغوطاً مباشرة، إذ يعتمد الجزء الأكبر من الصادرات البديلة على ميناء ينبع، الذي تبقى شحناته المتجهة إلى الأسواق الآسيوية في حاجة إلى عبور باب المندب، ما يجعل المخاطر تنتقل من مضيق إلى آخر بدلاً من اختفائها. ويشير إلى أن قدرة خط الأنابيب شرق - غرب لا تعني بالضرورة إمكانية تعويض كامل الصادرات، لأن كفاءة منظومة التصدير ترتبط أيضاً بالطاقة التشغيلية للموانئ وسرعة مناولة الناقلات والظروف الأمنية المحيطة بها، وهو ما قد يحد من الاستفادة القصوى من الخط في حال استمرار التوترات. ويضيف أن الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح لا يوفر حلّاً حقيقياً للأزمة، إذ إنه يطيل زمن الرحلات المتجهة إلى آسيا ويرفع تكاليف الوقود والتأمين وأجور السفن، بينما لا تزال قناة السويس تشهد تراجعاً في حركة العبور منذ بدء هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر أواخر عام 2023، وهو ما يقلل من قدرتها على تعويض أي اضطراب واسع في المنطقة.
ما درجة واقعية التهديد لآخر شريان سعودي:
ويرى الخوري أن مجرد صدور التهديدات كاف لدفع شركات الشحن وشركات التأمين إلى إعادة تقييم المخاطر، حتى في حال عدم وقوع هجمات جديدة، موضحاً أن شركات الملاحة الكبرى غالباً ما تبني قراراتها على تقديرات المخاطر الأمنية أكثر من اعتمادها على وقوع حوادث فعلية، وهو ما ينعكس سريعاً على أقساط التأمين وأسعار الشحن ومواعيد التسليم. ويشير إلى أن رد فعل الأسواق جاء حتى الآن محدوداً، إذ فضلت الأسواق انتظار مدى قدرة اليمن على تنفيذ تهديداتهم قبل إعادة تسعير المخاطر بصورة كاملة، إلا أن استمرار التوتر أو وقوع هجمات تستهدف ناقلات النفط قد يدفع المستثمرين إلى رفع تقديرات المخاطر المرتبطة بالمنطقة، وهو ما سينعكس على أسعار الطاقة وتكاليف التجارة العالمية. ويخلص الخوري إلى أن مستقبل الأزمة سيظل مرتبطاً بمسار المواجهة الأوسع في المنطقة، إذ إن أي تهدئة مرتبطة بمضيق هرمز أو بالعلاقات الأميركية الإيرانية قد تسهم في خفض مستوى التوتر في البحر الأحمر، بينما سيؤدي استمرار التصعيد إلى زيادة الضغوط على أحد أهم ممرات تصدير النفط في العالم.
البدائل اللوجستية لا تلغي المخاطر:
من جهته، يقول الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف، إن السعودية تتحرك على مسارين متوازيين لاحتواء تداعيات التصعيد، الأول سياسي وأمني يهدف إلى منع اتساع رقعة المواجهة عبر الحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى الإقليمية، والثاني اقتصادي ولوجستي يركز على ضمان استمرار تدفق الصادرات النفطية وتقليل تأثير التهديدات على حركة التجارة. ويضيف أن البدائل اللوجستية المتاحة، سواء عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أو الاستفادة من قناة السويس وخط سوميد عند الحاجة، توفر متنفساً محدوداً، لكنها لا تمثل بديلاً كاملاً للمسارات التقليدية، نظراً إلى ما تفرضه من زيادة في زمن الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين وتشغيل السفن، وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة نقل النفط والسلع.
ويلفت يوسف، في هذا الصدد، إلى ارتباط حل الأزمة بشكل وثيق بالجدول الزمني للانتخابات الأميركية القادمة، حيث يسعى الرئيس الامريكي دونالد ترامب، -بحسب يوسف- لتحقيق هدنة أو اتفاق سريع قبل موعد الاقتراع ليَظهر انخفاض أسعار النفط وتراجع التضخم إنجازاً انتخابياً، ما قد يدفعه إلى قبول تسويات مع إيران وروسيا وأوكرانيا لخفض التوترات العالمية وفتح المجال أمام خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي أن التأثير المباشر للأزمة قد لا يظهر في صورة توقف كامل للصادرات السعودية، وإنما من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع كفاءة سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على شركات الشحن العالمية، وهي عوامل تدفع المشترين إلى إعادة تقييم مسارات الإمدادات ومواعيد التسليم، حتى في حال استمرار تدفق النفط. ويشير إلى أن استمرار التوتر في البحر الأحمر، بالتزامن مع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، يزيد من حساسية أسواق الطاقة لأي تطور ميداني، إذ إن تقلص البدائل أمام كبار المنتجين والمستهلكين يرفع من علاوة المخاطر في الأسواق، ويعزز تقلبات أسعار النفط، حتى لو لم يحدث نقص فعلي في الإمدادات.
ويؤكد أن الاقتصاد السعودي يمتلك أدوات للتعامل مع الصدمات قصيرة الأجل بفضل تنوع منافذ التصدير والاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية للطاقة، إلا أن استمرار الأزمة لفترة طويلة سيزيد الضغوط على تكاليف التجارة الخارجية، ويؤثر في حركة الاستيراد، كما قد يدفع بعض المستثمرين إلى تبني مواقف أكثر حذراً تجاه المنطقة إلى حين اتضاح مسار التطورات الأمنية. ويخلص يوسف إلى أن مستقبل الأزمة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء التصعيد، لأن استمرار التوتر في أهم ممرين لتجارة النفط العالمية، هرمز وباب المندب، لن يقتصر تأثيره على السعودية وحدها، بل سيمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، مع ما يحمله ذلك من ضغوط إضافية على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من الدول.