عاجل:
خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة
الاخبار 2026-05-09 07:45 559 0

خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة

تواجه السلطات السعودية واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، بعد الانسحاب المفاجئ للإمارات من المنظمة، في خطوة وضعت وزير الطاقة السعودي عبدالعزيز بن سلمان أمام اختبار معقد يتجاوز حدود إدارة حصص الإنتاج، ليطال مستقبل التوازنات داخل تحالف «أوبك+» وسوق النفط العالمية.

وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، فإن التحدي الجديد يأتي في وقت يعاني فيه سوق النفط من اضطراب كبير في الإمدادات العالمية، على خلفية الحرب الإيرانية وما ترتب عليها من تعطل صادرات خام خليجية، إلى جانب تراجع قدرة السعودية ودول أخرى في «أوبك» على استخدام الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تلجأ إليها عادة في أوقات الأزمات.

 

وقالت وكالة «رويترز» إن خروج الإمارات، رابع أكبر منتج في أوبك خلال العام الماضي، لا يمثل مجرد خلاف عابر داخل المنظمة، بل يضع القيادة السعودية لسوق النفط أمام واقع جديد، خصوصاً أن أبوظبي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة لا تقل أهمية داخل أوبك إلا عن الطاقة السعودية.

 

ويرى مندوبان في تحالف «أوبك+»، الذي يضم أوبك وروسيا ومنتجين آخرين، أن هذه الخطوة تمثل اختباراً قاسياً للأمير عبدالعزيز بن سلمان، أول وزير نفط سعودي من الأسرة الحاكمة، والذي انتقل أسلوبه خلال السنوات الأخيرة من الدبلوماسية التفصيلية إلى اتخاذ قرارات أكثر حزماً وأحادية داخل التحالف.

 

ونقلت «رويترز» عن جيم كرين، الباحث في معهد بيكر بجامعة رايس، قوله إن الإمارات «كانت تشعر بالضيق داخل أوبك منذ سنوات، ولم تحصل على إنصات عادل بشأن حصتها الإنتاجية»، مضيفاً أن ما يحدث الآن هو نتيجة تراكمات طويلة داخل المنظمة.

 

ويستمد الأمير عبدالعزيز بن سلمان، المعروف اختصاراً داخل أوساط الطاقة باسم «ABS»، نفوذه داخل «أوبك+» من ثقل السعودية الهائل في سوق النفط، سواء عبر الإنتاج أو الطاقة الفائضة. وعلى خلاف وزراء الطاقة السعوديين السابقين، يتمتع الأمير عبدالعزيز بدعم سياسي مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة.

 

وأشارت وكالة «رويترز» إلى أن وزير الطاقة السعودي سبق أن خاض مواجهة حادة مع روسيا في عام 2020، عندما رفضت موسكو في البداية خفض الإنتاج مع انهيار الطلب خلال جائحة كورونا. وانتهت تلك المواجهة بانتصار سعودي في حرب أسعار قصيرة لكنها قاسية، قال عنها الأمير عبدالعزيز لاحقاً في وثائقي سعودي إنها كانت مسألة «أن تكون أو لا تكون.. من هو سيد هذا القطاع».

 

كما تحدى الأمير عبدالعزيز مراراً دعوات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى زيادة إنتاج النفط، خصوصاً خلال فترة ارتفاع أسعار الطاقة. وفي عام 2022، منحت أوبك الوزير السعودي صلاحيات غير مسبوقة، إذ وثقت به رئيساً قادراً على الدعوة إلى الاجتماعات في أي وقت.

 

لكن هذا النفوذ يواجه الآن معادلة مختلفة. فوفقاً لـ«رويترز»، إذا أعيد فتح مضيق هرمز وعادت صادرات النفط الخليجية إلى طبيعتها، فإن الإمارات، التي شكّلت نحو 12% من إنتاج أوبك العام الماضي، ستتحول إلى عامل مستقل لا تستطيع الرياض التحكم فيه كما كان الحال داخل المنظمة.

 

ولم ترد مكاتب الاتصال الحكومية السعودية، ولا وزارة الطاقة السعودية، وكذلك وزارتا الطاقة والخارجية في الإمارات، على طلبات «رويترز» للتعليق على التطورات الأخيرة.

 

 

مساحة أضيق للنقاش داخل أوبك+:

 

 

خلال انهيار سوق النفط في 2020، أصر الأمير عبدالعزيز بن سلمان على التوصل إلى اتفاق جماعي بالإجماع لخفض الإنتاج في «أوبك+»، ودفع المفاوضات الماراثونية لأيام طويلة حتى جرى التوصل إلى تسوية دبلوماسية شاركت فيها الولايات المتحدة بتحمل جزء من تخفيضات المكسيك، التي كانت الرافض الوحيد آنذاك.

 

غير أن هذا الحرص الشديد على وحدة الصف تغيّر تدريجياً، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن مندوبين في «أوبك+». وقال المندوبان إن المسؤولين السعوديين باتوا في العادة يبلغون وزراء الدول الأصغر في التحالف بالاتفاق النهائي قبل الاجتماعات بيوم واحد فقط.

 

وأضافت «رويترز» أن أحد الاجتماعات الأخيرة شهد اتصالات بدأت أولاً مع نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، ثم مع ممثلي الدول الست الأخرى الملتزمة بخفض طوعي للإنتاج، ولم تستغرق الاتصالات مجتمعة أكثر من نصف ساعة، وفق أحد المندوبين.

 

وعلى الرغم من أن عدداً من مندوبي «أوبك+» يقرون بأن السعودية تتحمل العبء الأكبر من خفض الإنتاج لدعم الأسعار، فإن بعضهم يرى أن محدودية التشاور بشأن القرارات الكبرى تمثل تغيراً مزعجاً مقارنة بممارسات سابقة داخل التحالف. كما أشاروا إلى أن «أوبك+» همّش منذ أواخر 2022 دور التقييمات الفنية للخبراء، ونقل مركز القرار مباشرة إلى الوزراء، بما ترك مساحة ضيقة للنقاش.

 

وقال أحد المندوبين لـ«رويترز»، مشترطاً عدم الكشف عن اسمه: «نحن نقدر ما يفعله سموه من أجل سعر النفط»، في إشارة إلى الدور السعودي في دعم الأسواق، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن آلية اتخاذ القرار باتت أكثر تركيزاً من ذي قبل.

 

وعلى الرغم من أن انسحاب الإمارات أثار تساؤلات حول مستقبل أوبك وتحالفها مع روسيا، نقلت «رويترز» عن أحد المندوبين ومصدر آخر مطلع على تفكير المجموعة أن الأزمة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تعزيز التماسك الداخلي، عبر تسهيل اتخاذ القرارات بين الأعضاء المتبقين.

 

 

تنافس سعودي إماراتي يتجاوز النفط:

 

 

لا ينفصل الخلاف النفطي بين السعودية والإمارات عن تنافس جيوسياسي أوسع بين البلدين. وبحسب «رويترز»، فقد ظهر هذا التنافس بوضوح مطلع العام عندما اندلعت مواجهات في اليمن بين فصائل متقابلة تدعمها الرياض وأبوظبي.

 

أما داخل أوبك، فقد وصل الخلاف النفطي القديم إلى ذروته في عام 2021، عندما طالبت الإمارات برفع حصتها الإنتاجية. ولم يتم التوصل إلى اتفاق يمنح أبوظبي زيادة قدرها 300 ألف برميل يومياً إلا بعد خروج الخلافات إلى العلن.

 

وفي ذلك الوقت، قال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي لقناة «سكاي نيوز عربية»: «من غير المعقول أن نقبل بمزيد من الظلم والتضحية.. لقد صبرنا». ورد الأمير عبدالعزيز بن سلمان عبر قناة «العربية» قائلاً إن «قليلاً من العقلانية وقليلاً من التنازل ينقذان أوبك+»، مضيفاً أنه لم يرَ «مثل هذا الطلب» خلال 34 عاماً من حضور اجتماعات أوبك.

 

وأوردت «رويترز» أن حصة الإمارات ارتفعت بنحو 500 ألف برميل يومياً منذ عام 2019، أي ما يعادل 0.5% من الطلب العالمي، وهي زيادة أكبر من تلك التي حصل عليها أعضاء آخرون في المنظمة. وشمل ذلك زيادة لهدف إنتاج الإمارات في يونيو 2023، في الوقت الذي خُفضت فيه أهداف إنتاج أنغولا ونيجيريا. وبعد أشهر، انسحبت أنغولا من أوبك احتجاجاً على تلك الترتيبات.

 

وكانت السعودية قد قدمت تنازلات للإمارات داخل أوبك في ظل تعهد أبوظبي بإنفاق 150 مليار دولار على خطة توسع لرفع قدرتها الإنتاجية. لكن المفارقة، وفق «رويترز»، أن الإمارات غادرت المنظمة رغم تلك التنازلات.

 

 

تأثير محدود حالياً.. ومخاطر أكبر لاحقاً:

 

 

بالنسبة إلى أسواق النفط، فإن خروج الإمارات من أوبك وأهدافها الإنتاجية الجديدة قد لا يكون لهما تأثير فوري كبير ما دام مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أو مقيد الحركة. فالممر الحيوي يظل عاملاً حاسماً في صادرات الخام الخليجية، وأي اضطراب فيه يحد من قدرة المنتجين على زيادة الإمدادات أو إعادة توجيهها بسهولة.

 

وقالت وكالة «رويترز» إن العراق والكويت تكبدا أكبر خسائر في الصادرات بسبب الأزمة، بينما تمكنت الإمارات من الحفاظ على جزء من إمداداتها عبر خليج عُمان. أما السعودية، فقد استطاعت إعادة توجيه ما بين 60 و70% من صادراتها إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب أُنشئ عام 1981 خلال الحرب العراقية الإيرانية.

 

وعلى هامش مؤتمر لأوبك العام الماضي، لم يُسمح لـ«رويترز» ووسائل إعلام أخرى بتغطيته، قال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي إن بلاده مستعدة لزيادة طاقتها الإنتاجية 20% إضافية إلى 6 ملايين برميل يومياً بعد عام 2027، أي ما يعادل نصف الطاقة الإنتاجية السعودية تقريباً.

 

وترى «رويترز» أن هذا الطموح الإماراتي يشكل تحدياً مباشراً لجهود الأمير عبدالعزيز بن سلمان في ضبط الإنتاج ومنع الإفراط في ضخ النفط داخل السوق. فخروج منتج بحجم الإمارات من قيود أوبك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة على الحصص، في وقت تحتاج فيه السوق إلى قدر أكبر من الانضباط لا إلى مزيد من التشتت.

 

وبذلك، تجد السعودية نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على أسعار النفط عبر خفض الإنتاج وتحمل العبء الأكبر، وفي الوقت نفسه مواجهة منتج خليجي رئيسي بات يتحرك خارج مظلة أوبك. وبين اضطرابات مضيق هرمز، وتنافس الرياض وأبوظبي، وتغير قواعد القرار داخل «أوبك+»، يبدو أن مستقبل سوق النفط يدخل مرحلة أكثر حساسية من أي وقت مضى.

 

آخر الاخبار