عاجل:
شهادات مروعة من سجن خميس مشيط
الاخبار 2026-07-16 09:13 666 0

شهادات مروعة من سجن خميس مشيط

في تقرير يسلّط الضوء على أوضاع عشرات المهاجرين الإثيوبيين المحكوم عليهم بالإعدام في "السعودية"،

كشفت شبكة CNN عن شهادات ومعلومات تفضح ظروف الاحتجاز والمحاكمات التي يواجهها هؤلاء المهاجرون، في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد الإعدامات، سيّما تلك المرتبطة -وفق مزاعم "النظام"- بجرائم المخدرات، والتي طالت بصورة خاصة الأجانب.

 

 

 

ويروي أحد السجناء الإثيوبيين، الذي استخدمت الشبكة اسماً مستعاراً له هو "أمانويل" حفاظاً على سلامته، تفاصيل حياته داخل سجن خميس مشيط جنوب غربي "السعودية"، حيث ينتظر تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه. ويقول إنه يعيش في حالة ترقب دائم، إذ يمكن أن تُنفذ الإعدامات في أي وقت ومن دون إخطار مسبق للسجناء أو عائلاتهم، ما يجعله يشعر بأنه "رجل ميت يمشي على قدميه"، بحسب وصفه.

 

 

 

ووفقاً لمنظمات حقوقية نقلت عنها CNN، يوجد في إحدى زنازين سجن خميس مشيط وحدها نحو 60 إثيوبياً محكوماً بالإعدام في قضايا مرتبطة بالمخدرات، إلى جانب محتجزين آخرين في زنازين مختلفة داخل السجن نفسه. وترى هذه المنظمات أن الأمر لا يتعلق بحالات فردية، بل يعكس نمطاً أوسع من استهداف المهاجرين الأكثر هشاشة، ممن دخلوا البلاد بحثاً عن العمل والنجاة من ظروف الفقر أو النزاعات المسلحة.

 

 

 

كما تحدثت الشبكة مع أقارب ثلاثة رجال إثيوبيين آخرين صدرت بحقهم أحكام إعدام في قضايا مشابهة، وأفادوا بأنهم لم يتلقوا أي إشعار رسمي من "السلطات السعودية" أو الإثيوبية، بل علموا بالأحكام بعد أسابيع من صدورها عبر معارف وأفراد من الجالية الإثيوبية. وطالبت شقيقة أحد المحكومين بالإعدام، التي استخدمت اسماً مستعاراً لحماية عائلتها، بممارسة ضغوط دولية على "النظام السعودي" لإعادة النظر في هذه الأحكام ومنح المحكومين فرصة جديدة للحياة.

 

 

 

وتأتي هذه الشهادات في سياق تصاعد كبير في وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام داخل "السعودية". فبحسب بيانات رسمية وسجلات جمعتها منظمات حقوقية، نفذ آل سعود 356 حكماً بالإعدام خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم يتم تسجيله في التاريخ الحديث للبلاد. ومن بين هؤلاء أُعدم 240 شخصاً في قضايا مخدرات، وكان معظمهم من الأجانب. كما أُعدم خلال العام الجاري 71 شخصاً في قضايا مخدرات غير مرتبطة بجرائم قتل، فيما شكّل الإثيوبيون النسبة الأكبر من الأجانب الذين طالتهم هذه الأحكام.

 

 

 

ويثير هذا الواقع انتقادات متزايدة من قبل منظمات حقوقية وخبراء قانونيين. فقد أكد طه الحاجي، المدير القانوني في المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، أن محاكمات الإعدام في "السعودية" تعاني بصورة متكررة من غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. وأشار إلى أن كثيراً من المتهمين، خصوصاً المهاجرين، يواجهون إجراءات قضائية لا يفهمونها بسبب الحواجز اللغوية، كما يُحرم بعضهم من التمثيل القانوني الكافي أو من خدمات الترجمة المناسبة، فضلاً عن وجود شهادازعم   متكررة بشأن انتزاع اعترافات تحت التعذيب أو الإكراه.

 

 

 

وتتقاطع هذه الانتقادات مع رواية أمانويل نفسه. إذ يقول إنه فرّ من إقليم تيغراي الإثيوبي خلال الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد، وقضى نحو عامين عالقاً في اليمن قبل أن يتمكن من دخول "السعودية". وبعد عمله راعياً للأغنام لعدة أشهر، عرض عليه صاحب العمل السعودي وظيفة أخرى تتمثل في نقل بضائع من مكان إلى آخر. ويؤكد أنه لم يكن يعلم طبيعة المواد التي ينقلها، لأنه وثق بالأشخاص الذين عرضوا عليه العمل.

 

 

 

وبحسب روايته، ألقي القبض عليه أثناء إحدى عمليات النقل بعد العثور على الحشيش داخل المركبة التي كان يقودها. ويفيد إنه تعرض للضرب باستخدام أسلاك كهربائية والركل أثناء التحقيق، ثم طُلب منه التوقيع على مستندات مكتوبة بلغة لا يفهمها. كما يؤكد أنه لم يحصل على مساعدة قانونية، ولم يتلق أي زيارة من السفارة الإثيوبية خلال مراحل التحقيق الأولى.

 

 

 

ويضيف أن جلسات محاكمته الثلاث لم تشهد وجود مترجم إلا في الجلسة الأخيرة التي أُبلغ خلالها بالحكم الصادر بحقه. ويقول إنه أُبلغ كذلك بعدم وجود إمكانية للاستئناف، قبل أن يصدر حكم الإعدام النهائي.

 

 

 

ولا تقتصر معاناة السجين الإثيوبي على الجوانب القانونية فقط. فهو مسيحي ويقول إنه تعرض لسوء المعاملة بسبب معتقده الديني، مشيراً إلى أنه توقف عن ارتداء الصليب خشية التعرض للعقاب. كما أفاد بأنه مُنع عملياً من ممارسة شعائره الدينية داخل السجن، وروى حادثة قال فيها إن أحد الحراس قيد يديه خلف ظهره وتركه تحت أشعة الشمس لساعات.

 

 

 

كما تحدث أمانويل عن الأوضاع النفسية الصعبة داخل السجن، مشيراً إلى أن أربعة من زملائه في الزنزانة حاولوا إنهاء حياتهم خلال فترة احتجازهم، وأن السجناء الآخرين تدخلوا في كل مرة لمنع وقوع ذلك. ويربط السجناء هذه الحالة من اليأس بحالة الانتظار المستمرة لتنفيذ الأحكام، وعدم معرفة موعد الإعدام مسبقاً.

 

 

 

وكشف السجين الإثيوبي أن خمسة من زملائه أُعدموا قبل أسبوعين فقط من حديثه إلى CNN. ووفق روايته، استُدعيت أسماء عدد من السجناء من الزنزانة، ثم عاد بعضهم فيما اختفى آخرون، ليتبين لاحقاً أنهم أُعدموا. ويقول إن السجناء هم من اضطروا إلى إبلاغ عائلات الضحايا بما حدث، بعد أن علموا بالأمر بصورة غير مباشرة من أحد السجناء السعوديين.

 

 

 

في المقابل، تزعم السلطات السعودية في بيانات رسمية أن الأشخاص الذين أُعدموا أدينوا بعد إدخال الحشيش إلى البلاد بصورة مشتركة، وأن أحكامهم أصبحت نهائية بعد استكمال مراحل التقاضي والمراجعة أمام المحكمة العليا. كما شددت على التزامها بمكافحة المخدرات وفرض العقوبات التي ينص عليها القانون بحق المتورطين في تهريبها أو ترويجها.

 

 

 

وتسلط القضية الضوء أيضاً على مسار الهجرة الخطير الذي يسلكه عشرات الآلاف من الإثيوبيين سنوياً للوصول إلى "السعودية". فبحسب مركز الهجرة المختلطة، يعبر أكثر من 100 ألف مهاجر إثيوبي إلى "السعودية" كل عام، في واحدة من أكبر حركات الهجرة على مستوى القارة الأفريقية. ويمر معظم هؤلاء عبر جيبوتي ثم اليمن، قبل محاولة عبور الحدود إلى اراضي شبه الجزيرة.

 

 

 

وتصف المنظمة الدولية للهجرة هذا المسار بأنه من أخطر طرق الهجرة في العالم وأكثرها ازدحاماً، حيث يواجه المهاجرون مخاطر الابتزاز والاختطاف والعنف. ونقلت CNN عن عائلات في إقليم تيغراي أن أقاربها تعرضوا للاختطاف داخل اليمن، واضطروا إلى اقتراض مبالغ مالية كبيرة لدفع فدى مقابل إطلاق سراحهم.

 

 

 

ويشير باحثون متخصصون في شؤون الهجرة الإثيوبية إلى أن هذه الديون تدفع كثيراً من المهاجرين إلى الوقوع تحت سيطرة شبكات التهريب، التي تجبر بعضهم أو تضغط عليهم لنقل مواد محظورة مثل الحشيش أو القات إلى داخل "السعودية". ويؤكد الباحث سورافيل غيتاهون أن كثيراً من المهاجرين لا يدركون أن القات، الشائع استخدامه في أجزاء واسعة من شرق أفريقيا، محظور في "السعودية"، وهو ما تستغله شبكات التهريب لتوريطهم في أنشطة قد تفضي إلى عقوبات قاسية.

 

 

 

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم غير العنيفة المتعلقة بالمخدرات يثير إشكاليات حقوقية وقانونية متزايدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمهاجرين يواجهون صعوبات لغوية، ومحدودية في الوصول إلى المساعدة القانونية، وادعاءات بالتعرض للإكراه أو الاستغلال من قبل المهربين.

 

 

 

كما دعا متخصصون في شؤون الهجرة إلى تعزيز التنسيق المباشر بين إثيوبيا و"السعودية" لضمان حصول المواطنين الإثيوبيين على محاكمات عادلة وحماية قانونية كافية. وتأتي هذه الدعوات في ظل تاريخ من التعاون بين البلدين في ملف الهجرة، إذ شهدت السنوات الماضية عمليات ترحيل واسعة أعيد خلالها مئات آلاف الإثيوبيين من "السعودية" إلى بلادهم.

 

 

 

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، كان يعيش في "السعودية" عام 2022 نحو 750 ألف إثيوبي، دخل قرابة 450 ألفاً منهم بصورة غير نظامية. وفي العام نفسه، اتفقت الحكومتان على إعادة أكثر من 100 ألف إثيوبي كانوا يقيمون في البلاد من دون وضع قانوني، وكان كثير منهم محتجزين في مراكز وصفتها منظمات حقوقية بأنها تعاني الاكتظاظ وسوء المعاملة.

 

 

 

ويقول أمانويل إن زيارة قام بها دبلوماسيون إثيوبيون إلى السجن خلال الشهر الماضي منحت السجناء قدراً من الأمل، بعدما وعدوا بمراجعة قضيته. إلا أن الحكومة الإثيوبية لم توجه حتى الآن أي انتقاد علني للسلطات السعودية بشأن أوضاع مواطنيها المحكوم عليهم بالإعدام في قضايا المخدرات.

 

 

 

وأشارت وزارة الخارجية الإثيوبية، في رد مكتوب على استفسارات CNN، إلى أنها تواصل التواصل مع السلطات السعودية بصورة منتظمة، كما لفتت إلى أن 1971 مواطناً إثيوبياً استفادوا من "عفو ملكي"، من دون توضيح ما إذا كان ذلك يشمل أيّاً من المحكوم عليهم بالإعدام.

 

 

 

وفي انتظار أي تحرك دبلوماسي أو قانوني قد يغيّر مصيرهم، يواصل عشرات السجناء الإثيوبيين في سجون "السعودية" العيش تحت وطأة الخوف من تنفيذ الأحكام في أي لحظة. أما أمانويل، فيختصر واقعه بالقول إنه لا يعرف متى ستأتي اللحظة الحاسمة، وإن كل طرقة على باب الزنزانة تجعله يعتقد أن دوره قد حان.

 

آخر الاخبار