عاجل:
من يحمي من؟ .. قواعد واشنطن بين درع الحماية إلى خريطة النار الإيرانية
الاخبار 2026-06-02 08:15 813 0

من يحمي من؟ .. قواعد واشنطن بين درع الحماية إلى خريطة النار الإيرانية

اضع بين يديك تحليل استراتيجي معمق، ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة جادة لفهم "السؤال الأصعب" الذي يحير العواصم الكبرى وصناع القرار في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة.

بقلم: خالد نزال...

 

اضع بين يديك تحليل استراتيجي معمق، ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة جادة لفهم "السؤال الأصعب" الذي يحير العواصم الكبرى وصناع القرار في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة.

 

على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، كنت أمام مشهد دراماتيكي متسارع : تحشيد عسكري طاغي حرب اعلامية تهيئ لحرب ابتدأت بصواريخ تعبر الأجواء، قواعد عسكرية تهتز، مضيق دولي يُشل ، واقتصاد عالمي يصطدم بجدار الطاقة المرتفع لكن ما يحدث اليوم في الخليج ليس مجرد "جولة جديدة" من الصراع الممتد. إنه لحظة انقلاب في المفاهيم.

 

فالمعادلة التي ظلت ثابتة لعقود، والتي بُنيت عليها سياسات دول بأكملها، انقلبت رأساً على عقب:

 

• القواعد الأمريكية التي كان يُعتقد أنها "درع حماية" لدول الخليج من التهديدات الخارجية، تحولت اليوم إلى "خريطة نار" بيد إيران، تستهدف بها العمق الخليجي.

 

• المواطن الخليجي الذي كان يرى في الجندي الأمريكي ضامناً لأمنه، أصبح اليوم في موقع "حامي" لتلك القواعد بدمائه وأمواله، في حرب لم يخترها.

 

هذا التحليل هو عصارة ما رصدت وشاهدت وقرأت خلال هذه الفترة العصيبة. إنها محاولة للخروج من صندوق "الرواية الرسمية" والنظر إلى المشهد من زاوية شاملة، بعيداً عن العواطف والأحكام المسبقة. سنبحث معاً في الجذور، ونفكك الاستراتيجيات، ونتساءل عن المصير.

 

لن نقدم إجابات جاهزة، بل سنحاول أن نفهم معاً : كيف وصلنا إلى هنا؟ وأين تتجه بنا سفينة المنطقة في خضم هذا العاصفة؟

 

أدعوك لقراءة متأنية، فما بين السطور قد يكون أهم مما هو مكتوب.

 

 

المفارقة التي يعيشها الخليج:

 

 

قبل أن تنطلق أولى الصواريخ في العشرين من فبراير، كان السؤال المطروح في الدوائر الأمنية الخليجية: "من يحمينا من التمدد الإيراني؟". كانت الإجابة الرسمية واضحة: القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة. لكن بعد ثلاثة أسابيع من الحرب، انقلبت المعادلة رأساً على عقب. تلك القواعد نفسها تحولت إلى "خريطة نار" بيد إيران، والمواطن الخليجي الذي كان يعتقد أن الجنود الأمريكيين وجودهم يحميه، وجد نفسه اليوم يحمي تلك القواعد بلحمه ودمه وأمواله، في حرب لم يخترها ولم يكن طرفاً فيها.

 

كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف انقلبت "المظلة الأمنية" إلى "مصيدة استراتيجية"؟ هذا ما يحاول هذا المقال تحليله، من الأجواء المشحونة التي سبقت الحرب، إلى المعارك المحتدمة في مضيق هرمز وباب المندب، وصولاً إلى السؤال الأصعب: كيف تنتهي هذه الحرب، ومن يتحمل تبعاتها؟

 

 

أولاً: من عمان إلى هرمز.. الأيام الأخيرة التي سبقت "يوم جهنم":

 

 

قبل أن تنطلق أولى الصواريخ في العشرين من فبراير، كانت المنطقة تعيش على صفيح ساخن من التهديدات والتحشيد العسكري والمفاوضات العقيمة التي كانت بمثابة آخر محطات الدبلوماسية قبل الانفجار. فمنذ أواخر يناير 2026، تصاعدت المؤشرات على أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تستعد لخيار عسكري شامل، بعد أن وصلت المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في كل من عمان وفيينا إلى طريق مسدود.

 

 

المفاوضات الأخيرة: جولات يائسة في عمان وفيينا:

 

 

خلال الأسابيع التي سبقت الحرب، استضافت العمانية عدة جولات من المحادثات غير المباشرة بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، بالتزامن مع جولات فنية في فيينا بحضور ممثلين عن الدول الأوروبية. المصادر الدبلوماسية أكدت أن طهران تمسكت بموقفها الرافض لأي تفاوض تحت التهديد، واشترطت رفع العقوبات بشكل كامل قبل العودة إلى أي التزامات نووية جديدة. في المقابل، كانت الإدارة الأمريكية تطرح "صفقة اللحظة الأخيرة" التي تطلب تجميد البرنامج الباليستي الإيراني بشكل كامل، والتخلي عن دعم "محور المقاومة"، في مقابل رفع جزئي ومؤقت للعقوبات.

 

هذه الشروط قوبلت بالرفض الإيراني القاطع. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حذر في مقال بصحيفة "وول ستريت جورنال" قبل أيام من الحرب، قائلاً: "إذا تعرضت إيران لهجوم، فسنرد بكل ما لدينا. المواجهة الشاملة ستكون شرسة وستستمر لفترة أطول بكثير من الجداول الزمنية الخيالية التي تحاول إسرائيل ووكلاؤها الترويج لها في البيت الأبيض". كان هذا بمثابة الإنذار الأخير الذي لم يصغِ له أحد.

 

 

دق طبول الحرب والتحشيد العسكري غير المسبوق:

 

 

بالتزامن مع فشل المسارات الدبلوماسية، أعلن الرئيس ترامب في 25 يناير أن "أسطولاً" أمريكياً ضخماً يتجه نحو منطقة الخليج، مؤكداً أن إيران هي محور التركيز. ترامب صرح قائلاً: "نحن نراقب إيران. لدينا قوة كبيرة تتجه نحو إيران... وربما لن نضطر لاستخدامها. لدينا الكثير من السفن المتجهة في هذا الاتجاه، فقط في حالة".

 

لكن هذا "الأسطول" لم يكن مجرد استعراض عسكري عادي. تقارير أمنية كشفت أن الولايات المتحدة رفعت وتيرة استعداداتها العسكرية في الشرق الأوسط إلى مستويات غير مسبوقة. البروفيسور روبرت باب، مدير مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات، أوضح أن حجم القوة الجوية المتمركزة في المنطقة يمثل ما بين 40 إلى 50 بالمئة من إجمالي القدرات الجوية الأمريكية المتاحة عالمياً، وهو مؤشر خطير يتجاوز الردع التقليدي.

 

القوة الضاربة تركزت حول مجموعتين من حاملات الطائرات العملاقة: "إبراهام لينكولن" في بحر العرب، و"جيرالد فورد" في البحر الأبيض المتوسط، مدعومة بمدمرات من فئة "أرلي بيرك" مجهزة بصواريخ "توماهوك" القادرة على ضرب أهداف في عمق إيران. على الجبهة الجوية، تم نشر أسراب من مقاتلات "إف-35إيه" الشبح و"إف-15إي" و"إف-16" في قواعد موزعة بين دول الخليج والأردن، مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي ببطاريات "باتريوت" ونظام "ثاد" المتطور في السعودية وقطر. هذا التكامل غير المسبوق بين القوة الهجومية والدفاعية دفع المحللين إلى القول إن الاستعدادات تجاوزت مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة الجاهزية العملياتية لضربة استباقية محتملة.

 

 

حراب بيزنطة تتجه لـ .  "يوم جهنم" والحروب الاعلامية المتصاعده:

 

 

مع هذا التحشيد، صاحبته حملة إعلامية وسياسية عنيفة وصفتها بعض التحليلات بأنها "مسدس تشيخوف في الخليج" الذي لا بد أن ينطلق عاجلاً أم آجلاً. ترامب صرح علناً بأن الولايات المتحدة قد تنفذ تدخلاً عسكرياً "محدوداً" في إيران إذا لم تقبل بشروطه. تصريحاته حملت نبرة إنذار نهائي، حيث بدا وكأنه يضع إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام للشروط الأمريكية، أو مواجهة "يوم جهنم".

 

الإعلام الإسرائيلي والأمريكي روج بقوة لفكرة أن النظام الإيراني يمر بأضعف لحظاته، وأن ضربة قوية قد تطيح به. الوكالات الأمريكية مثل "أكسيوس" و"وول ستريت جورنال" تناقلت تسريبات عن مناقشات داخل البيت الأبيض حول خيارات عسكرية متعددة، مما زاد من حالة الترقب والهلع في الأسواق العالمية.

 

الرد الإيراني: "الإصبع على الزناد" وتحذيرات "الحرب الشاملة":

 

 

لم تبقَ إيران صامتة إزاء هذا التصعيد. الجنرال محمد باكبور، قائد الحرس الثوري، صرح بعد أيام من تحرك الأسطول الأمريكي بأن إيران "أكثر استعداداً من أي وقت مضى، والإصبع على الزناد"، محذراً واشنطن وإسرائيل "من تجنب أي خطأ في التقدير". علي عبداللهي علي آبادي، المسؤول عن التنسيق بين الجيش الإيراني والحرس الثوري، هدد بأن أي ضربة عسكرية على إيران ستحول جميع القواعد الأمريكية في المنطقة إلى "أهداف مشروعة".

 

هذه التصريحات لم تكن مجرد كلام. إيران سحبت بالفعل بعض أفرادها من قواعد في المنطقة تحسباً لضربات أمريكية، وأجرت مناورات عسكرية واسعة النطاق في مضيق هرمز وبحر عمان. كان المشهد مهيأً لانفجار كبير، وفي 20 فبراير، انطلقت الشرارة الأولى لتعلن بدء مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط.

 

 

ما بعد الانفجار: حرب بلا منتصر والبحث عن المخارج:

 

 

ما كان يُخشى منه لعقود تحول إلى واقع على الأرض، ليُظهر خلال أسابيع قليلة أن هذه الحرب ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل معركة وجودية لإعادة تشكيل المنطقة. لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في اندلاع الحرب، بل في تطور مسارها: فبينما راهن البيت الأبيض على حرب خاطفة تُسقط النظام أو تُخضعه، تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، وسّعت خلالها إيران دائرة النار لتطال القواعد الأمريكية في الخليج، وشلّت حركة المرور في مضيق هرمز، ووجهت ضربات مؤلمة لسلاسل التوريد العالمية.

 

وفي خضم هذا الدمار، يبرز سؤال محوري يحير العواصم الكبرى: كيف تنتهي هذه الحرب؟ وهل يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صاحب الشخصية المتقلبة والتاريخ الحافل بالقرارات المفاجئة، أن يعلن فجأة انسحاب قواته تحت راية "النصر" كما فعل سابقاً في سوريا ومع الحوثيين، تاركاً الكيان الإسرائيلي وحلفاء الخليج "يلعقون جراحهم" ويتعاملون مع تداعيات معركة لم تُحسم بعد؟

 

 

ثانياً: الأهداف الحرب.. من "الفوضى" إلى تصفية المحور:

 

 

لتفسير أسباب هذه الحرب، لا يمكن الاكتفاء بالخطاب الرسمي الأمريكي حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي. فالعمق الاستراتيجي للهجوم يتجاوز ذلك بكثير. يرى خبراء العلاقات الدولية أن الحرب الحالية فُرضت على إيران، وأن جذورها تعود إلى ثورة 1979 التي أطاحت بأحد أهم ركائز النفوذ الأمريكي في المنطقة. منذ ذلك الحين، ظلت واشنطن تبحث عن إعادة هيكلة المنطقة، وهو المفهوم الذي تطور لاحقاً تحت عناوين متعددة أبرزها "الفوضى الخلاقة".

 

لكن الشرارة المباشرة لهذه الجولة كانت عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد شكلت الهزيمة الاستراتيجية لإسرائيل وتوحيد جبهات "محور المقاومة" صدمة كبرى لتل أبيب وواشنطن. هنا برز الهدف غير المعلن للحرب: ليس فقط تقليم أظافر إيران، بل استهداف قلب المشروع الإيراني في المنطقة. الهدف النهائي هو إضعاف إيران كقوة إقليمية، وتدمير محور المقاومة من خلال استهداف قمته في طهران، بهدف إعادة تشكيل التوازنات لصالح الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. وقد ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة لجر الإدارة الأمريكية إلى حرب شاملة، إدراكًا منه بعجز إسرائيل منفردة عن حسم المعركة مع دولة بحجم إيران.

 

ثالثاً: الرد الإيراني.. توسيع دائرة النار وإغلاق مضيق هرمز:

 

على عكس التقديرات الغربية التي راهنت على انهيار النظام الإيراني تحت وطأة الضربات الأولى، أظهرت طهران تماسكًا غير متوقع وقدرة على إدارة معركة ردع غير متكافئة. لم تكتفِ إيران بالردود المحدودة، بل اتبعت استراتيجية تدريجية لتحويل المنطقة بأكملها إلى ساحة مواجهة.

 

لقد تجاوزت الضربات الإيرانية الحدود الإيرانية لتطال دول الجوار بشكل غير مسبوق. فقد استهدفت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، كما طالت أنظمة الرادار والاستشعار الأمريكية في الدول المضيفة. تقارير متطابقة تشير إلى أن القواعد الأمريكية في البحرين والكويت وقطر والإمارات تعرضت لهجمات صاروخية وبمسيّرات إيرانية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأمريكية. لم يكن هذا عشوائيًا، بل كان استهدافًا دقيقًا وممنهجًا لشل قدرات القيادة والسيطرة الأمريكية في المنطقة. وبحسب تحليلات غربية، فإن الضربات الإيرانية أصبحت أكثر دقة بفضل الدعم الاستخباراتي الروسي، الذي زود طهران ببيانات حية عن تحركات القوات الأمريكية.

 

لكن الضربة الأكثر إيلامًا للعالم كانت في مياه الخليج. فمنذ الأيام الأولى للحرب، وتحديدًا في 28 فبراير 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة، محذرًا جميع السفن التجارية والناقلات من محاولة العبور. لقد نفذت إيران تهديدها بشل حركة المرور، ليس فقط عبر الاستهداف المباشر، بل عبر خلق مناخ من الرعب دفع شركات التأمين الكبرى لسحب تغطياتها. شركات التأمين في لندن أوقفت تغطية مخاطر الحرب، مما جعل عبور المضيق مستحيلاً عمليًا. كبريات شركات الشحن العالمية مثل "ميرسك" و"إم إس سي" و"هاباغ لويد" و"سي إم إيه سي جي إم" علقت جميع عملياتها في الخليج فورًا.

 

الخسائر الاقتصادية الفورية كانت مدمرة: حوالي 20 مليون برميل من إنتاج النفط يوميًا (أي 20% من الإمدادات العالمية) أصبحت عالقة بدون طرق تصدير بديلة. منشأة رأس لفان في قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم بطاقة سنوية تصل إلى 81 مليون طن (22% من تجارة الغاز العالمية)، أعلنت "القوة القاهرة" واختفى جزء كبير من إمداداتها من السوق العالمي. أسعار النفط قفزت فورًا إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.

 

 

رابعاً: الحوثي.. الورقة الإيرانية الرابعة في انتظار لحظة الحسم:

 

 

إذا كانت إيران قد أغلقت المضيق الأهم في الخليج، فإن ذراعها الأقوى في اليمن، جماعة أنصار الله (الحوثيون)، أصبحت الورقة الرابحة لفرض حصار مضاعف على الملاحة العالمية، هذه المرة في باب المندب والبحر الأحمر.

 

بينما تركزت الأنظار على إغلاق مضيق هرمز والضربات المتبادلة في الخليج، يظل السؤال المعلق في الأذهان: ما هو دور جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن؟ هل سيبقون على هامش الصراع، أم أنهم الورقة الرابعة التي ستقلب الموازين؟

 

حتى اللحظة، لم يدخل الحوثيون بشكل رسمي وفاعل في الحرب الدائرة. موقفهم الحالي يقتصر على إعلانات التضامن والتهديدات الإعلامية، مما يضعهم في منطقة رمادية: هم جزء من "محور المقاومة" الموالي لإيران، لكنهم لم يفعلوا بعد أوراقهم العسكرية على نطاق واسع.

 

 

التضامن دون اشتباك: موقف المراقب:

 

 

مع بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تحرك حلفاء إيران الآخرون بسرعة حزب الله أطلق صواريخ على إسرائيل، والفصائل العراقية استهدفت القواعد الأمريكية. في المقابل، اكتفى زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي بإعلان "التضامن الكامل" مع إيران، داعيًا إلى "فعاليات عامة وتظاهرات حاشدة".

 

هذا الترقب الحوثي له دلالات استراتيجية عميقة. فبعد الضربة القاسية التي تلقاها "حزب الله" في الأشهر السابقة، وتشتت الفصائل العراقية، يبرز الحوثيون اليوم كأقوى وأكثر الأذرع الإيرانية تنظيماً وجاهزية. صمتهم الحالي قد يكون مقدمة لعاصفة، أو قد يكون رسالة ضمنية مفادها : "إذا أردتم تصفية المشروع، فالمعركة ستكون أوسع مما تتخيلون".

 

 

الترسانة الصاروخية: تهديد قائم بذاته:

 

 

بغض النظر عن موقفهم الحالي، تظل القدرات العسكرية للحوثيين ورقة ضغط هائلة. فوفقاً لتقارير استخباراتية غربية موثقة من الأشهر السابقة، تمتلك الجماعة ترسانة صاروخية نوعية إيرانية الصنع أو مطورة محلياً بتقنيات إيرانية، قادرة على ضرب أهداف على بعد يصل إلى 1950 كيلومتراً.

 

هذه الترسانة، التي أثبتت فعاليتها في معركة البحر الأحمر خلال حرب غزة، تشمل:

 

• صواريخ "طوفان": نسخ محسنة من صواريخ "شهاب" الإيرانية الباليستية.

 

• صواريخ "قدس": صواريخ كروز مجنحة قادرة على المناورة وضرب أهداف بدقة.

 

• صواريخ "ذو الفقار": صواريخ باليستية متوسطة المدى.

 

الخطر الكامن في هذه الترسانة أنها تضع نطاقاً واسعاً من الأهداف الحيوية في مرمى النيران: من القواعد الأمريكية في الخليج (قطر، البحرين، الكويت، الإمارات)، إلى قاعدة "كامب ليمونييه" الأمريكية في جيبوتي، وصولاً إلى كامل الأراضي الإسرائيلية.

 

 

تقييم سيناريوهات التدخل المحتملة:

 

 

بناءً على سابقة تعامل الحوثيين خلال حرب غزة (2023-2025)، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات تقديرية لتدخلهم المحتمل في هذه الحرب، إذا قررت القيادة في صنعاء أو طهران أن اللحظة مناسبة:

 

السيناريو الأول (المحدود): عودة استهداف السفن في باب المندب.

 

في هذا السيناريو، يعيد الحوثيون تفعيل ما قاموا به سابقاً: استهداف السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. هذا السيناريو هو الأقل تصعيداً، نتائج هذا الإغلاق تكون فورية ومدمرة:

 

• · شركات الشحن الكبرى علقت عبورها: "ميرسك"، "إم إس سي"، "هاباغ لويد"، و"سي إم إيه سي جي إم" أعلنت جميعها تعليق عملياتها في البحر الأحمر وتحويل مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح.

 

• · ارتفاع تكاليف الشحن: أسعار الشحن من آسيا إلى أوروبا قفزت بنسبة 250-500% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. زمن الرحلة ازداد بمقدار 10-14 يومًا، واستهلاك الوقود زاد بمئات الأطنان يوميًا لكل سفينة.

 

• · تأمين الحرب: أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب قفزت 50 ضعفًا، مما زاد تكلفة كل رحلة بمئات آلاف الدولارات.

 

 

التهديد الجديد: القرن الإفريقي وقاعدة ليمونييه:

 

 

• التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعًا جغرافيًا غير مسبوق للصراع. طهران قد تلجأ إلى استخدام الحوثيين لاستهداف المصالح الأمريكية في القرن الإفريقي، وتحديدًا قاعدة كامب ليمونييه في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في إفريقيا وتضم حوالي 4000 جندي.

 

• هذا التهديد ليس نظريًا. فالحوثيون أظهروا قدرة على ضرب أهداف بعيدة بدقة متزايدة، واستهداف قاعدة أمريكية في جيبوتي سيكون بمثابة رسالة مفادها: "لا مكان آمن لمصالحكم في المنطقة". كما أن هناك مخاوف من استغلال الحوثيين لعلاقاتهم مع حركة "الشباب" الصومالية لزعزعة استقرار المنطقة برمتها.

 

السيناريو الثاني (المتصاعد): استهداف القواعد الأمريكية في الخليج.

 

في هذا السيناريو، يوسع الحوثيون دائرة الاستهداف لتشمل القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي. هذه القواعد، التي تمتلك واشنطن فيها دفاعات جوية متطورة (مثل باتريوت وثاد)، ستشكل هدفاً صعباً، لكن نجاح أي ضربة حوثية - حتى لو محدودة - سيكون له وقع كارثي على صورة الردع الأمريكي. هذا السيناريو يمثل تصعيداً نوعياً يجعل الحرب الإقليمية شاملة فعلياً.

 

السيناريو الثالث (الأعلى كلفة): استهداف العمق الإسرائيلي.

 

السيناريو الأكثر تعقيداً هو إطلاق وابل من الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل. في حرب غزة، أظهر الحوثيون قدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى باتجاه الكيان وقض مضاجعه بشدة  ، تم اعتراض معظمها. لكن في سيناريو الحرب الشاملة، قد يحاولون إرباك الدفاعات الجوية الإسرائيلية بإطلاق كثيف ومتزامن مع جبهات أخرى (لبنان، سوريا، العراق). حتى لو فشلت معظم الصواريخ، فإن نجاح واحد فقط في إصابة هدف استراتيجي داخل إسرائيل سيشكل تحولاً دراماتيكياً في الصراع.

 

الردع مقابل الإرادة: معضلة التصعيد:

 

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: لماذا لم يتحرك الحوثيون حتى الآن؟ التفسيرات تشير إلى عدة عوامل:

 

1. حسابات التكلفة والفائدة: الحوثيون يدركون أن الدخول في الحرب سيجعلهم هدفاً مباشراً للضربات الأمريكية والإسرائيلية، مما قد يعرض مكاسبهم في اليمن للخطر.

 

2. الانتظار الاستراتيجي: قد يكون الصمت الحوثي جزءاً من خطة إيرانية أوسع لإبقاء هذه الورقة للجولات الحاسمة، أو كورقة ضغط في أي مفاوضات خلف الكواليس.

 

3. الاستنزاف السابق: على الرغم من قوتهم، فإن الحوثيين خاضوا معركة استنزاف طويلة في البحر الأحمر خلال حرب غزة، وقد يحتاجون إلى وقت لإعادة التموضع والتقييم.

 

الخلاصة: القنبلة الموقوتة:

 

في الخلاصة، يبقى الحوثيون "القنبلة الموقوتة" في هذه الحرب. تدخلهم ليس حتمياً، لكن امتلاكهم للإرادة والقدرة يظل تهديداً استراتيجياً قائماً بذاته. المنطقة والعالم يراقبان صنعاء بقلق: فصمت الحوثيين اليوم لا يعني شيئاً عن قرارهم غداً. وكلما طالت الحرب وازدادت ضراوتها، كلما زادت احتمالية سحب هذه الورقة الرابحة من على الطاولة.

 

خامساً: الموقف القانوني.. هل ما حدث دفاع عن النفس أم اعتداء على دول الخليج؟:

 

في خضم المواجهة العسكرية المحتدمة، يبرز سؤال قانوني بالغ الأهمية: كيف يمكن تصنيف الضربات الإيرانية التي طالت أراضي دول الخليج من منظور القانون الدولي؟ وهل يمكن اعتبار هذه الدول "معتدية" لمجرد استضافتها قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، أم أن ما جرى هو دفاع شرعي عن النفس من قبل إيران؟

 

موقف إيران: "حق مشروع في الدفاع عن النفس":

 

الرواية الإيرانية الرسمية، كما عبر عنها سفير طهران في نيجيريا، تقوم على أساس أن بعض دول الخليج تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تُستخدم لشن هجمات ضد إيران. السفير صرح قائلاً: "بعض دول الخليج العربي تستضيف قواعد عسكرية للولايات المتحدة. من تلك القواعد والمنشآت، يتم الآن تنفيذ عمليات عسكرية ضد بلدي من قواعد في الكويت والسعودية والإمارات والبحرين".

 

بناءً على هذا المنطق، تعتبر إيران أن استهداف هذه القواعد يمثل "حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس"، وأن المسؤولية تقع على الدول المضيفة التي سمحت باستخدام أراضيها منصة لشن العدوان. طهران أعلنت رسمياً في رسالتها إلى مجلس الأمن الدولي أن "جميع قواعد ومنشآت وأصول القوات المعادية في المنطقة ستُعتبر أهدافاً عسكرية مشروعة في إطار ممارسة إيران المشروعة للدفاع عن النفس".

 

 

التحليل القانوني: هل يصمد الموقف الإيراني؟:

 

الخبراء القانونيون والمحللون الدوليون يرفضون بشكل واسع الحجة الإيرانية، معتبرين أنها تنهار تحت التدقيق القانوني والواقعي لعدة أسباب:

أولاً: اشتراط "الموافقة" على استخدام الأراضي - ينص ميثاق الأمم المتحدة على أن الدولة ترتكب عدواناً عندما تسمح باستخدام أراضيها من قبل دولة أخرى لارتكاب فعل عدوان ضد دولة ثالثة. لكن الأدلة تشير إلى أن دول الخليج لم توافق على استخدام قواعدها لشن هجمات ضد إيران. بالعكس، هذه الدول أعلنت مراراً أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن أي عمليات عسكرية ضد إيران. وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عبر عن "صدمته" من الهجمات، مؤكداً أن "مفاوضات جادة ونشطة تم تقويضها مجدداً". هذا يعني أن الشرط الأساسي لتطبيق المادة 3(و) من قرار الجمعية العامة 3314 غير متوفر.

 

ثانياً: تمييز محكمة العدل الدولية بين "الوجود السلبي" و"الإطلاق الفعلي" للهجمات - محكمة العدل الدولية ميزت في قراراتها بين مجرد استضافة قواعد عسكرية (وهو إجراء سيادي لا يشكل عدواناً) وبين الإطلاق الفعلي للهجمات من تلك القواعد. كما أن إيران نفسها سبق أن قدمت مرافعة للمحكمة في تسعينيات القرن الماضي أكدت فيها أن "الهجوم على القواعد العسكرية للمعتدي في جزء مختلف تماماً من العالم سيكون غير شرعي لأنه موجه نحو الهدف الخطأ".

 

ثالثاً: مبدأي الضرورة والتناسب - حتى لو قبلنا جدلاً أن لإيران حق الرد، فإن القانون الدولي يتطلب أن يكون الرد "ضرورياً" و"متناسباً". استهداف البنية التحتية المدنية (مطارات مدنية، فنادق، مجمعات سكنية) في دبي وأبوظبي والكويت والمنامة يتجاوز بكثير حدود التناسب. تقارير موثقة تظهر أن صواريخ إيرانية استهدفت مطارات دولية وأبراجاً سكنية، مما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية وإلحاق أضرار بالمدنيين. هذه ليست دفاعاً عن النفس، بل "عقاب جماعي" لدول لم تشارك في الحرب.

 

رابعاً: الالتزام بإخطار مجلس الأمن - المادة 51 من الميثاق تلزم أي دولة تمارس الدفاع عن النفس بإخطار مجلس الأمن فوراً. إيران تجاهلت هذا الالتزام باستمرار، مما يعزز الاستنتاج بأنها تستغل لغة المادة 51 دون الالتزام بشروطها الإجرائية.

 

 

هل يمكن اعتبار دول الخليج "متواطئة"؟:

 

 

التحليل القانوني الرصين يستبعد بشكل قاطع فكرة التواطؤ. الدول المضيفة للقواعد الأمريكية ليست أطرافاً في النزاع، ولم تمنح موافقة صريحة لاستخدام قواعدها في هجمات هجومية. العلاقة الأمنية مع واشنطن تقوم على شبكة من الاتفاقيات الثنائية التي تختلف في صيغها القانونية، ولا ترقى إلى مستوى معاهدة دفاع جماعي ملزمة مثل حلف الناتو.

 

محمد القبيبان، المتخصص في الشؤون العسكرية، يوضح أن "الولايات المتحدة لن تستخدم قواعدها العسكرية في الخليج ما لم تتعرض إحدى دول المجلس نفسها لهجوم". حتى في هذه الحالة، استخدام القواعد يخضع لموافقة الدولة المضيفة، وتجاوز هذا الرفض قد يؤدي إلى أزمة سيادة خطيرة.

 

 

سادساً: المعضلة الخليجية.. هل القواعد الأمريكية درع أم صاعق؟

 

 

حرب لم يختاروها:

 

دول الخليج وجدت نفسها فجأة في مرمى نيران حرب لم تكن طرفاً فيها، بل سعت بكل قوة لتجنبها. تقارير متعددة أكدت أن هذه الدول حثت الولايات المتحدة مراراً على ضبط النفس واللجوء إلى الدبلوماسية قبل شن الهجمات على إيران. وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي التقى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قبل يوم واحد فقط من الهجوم، محذراً من العواقب.

 

لكن جهودها ذهبت أدراج الرياح. وكما عبرت الباحثة ياسمين فاروق من مجموعة الأزمات الدولية: "عدم قدرة دول الخليج الرئيسية على ردع الرئيس ترامب عن الأفكار الإسرائيلية القصوى بشأن التغيير الفوضوي للنظام في إيران يُظهر الحدود التقليدية لنفوذها في واشنطن عندما يتعلق الأمر بالأمن الإقليمي".

 

هل القواعد الأمريكية "مظلة أمنية" أم ستتحول الى "أهداف دائمة"؟:

 

هذه الحرب أثارت سؤالاً وجودياً لدى النخب الحاكمة والرأي العام في الخليج: هل القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها توفر حماية حقيقية، أم أنها تجرّ الدمار إلى عقر دارها؟

 

المفارقة الأولى: المظلة التي تجلب الصواعق - المنشآت الأمريكية الثابتة، التي يُفترض أنها تردع العدوان، تحولت إلى خريطة أهداف جاهزة لإيران. القواعد الكبيرة (مثل العديد في قطر، البحرين، الكويت) ذات الطابع الدائم والمكشوف أصبحت نقاط ضعف في عصر الصواريخ الدقيقة والمسيّرات الرخيصة. مقر الأسطول الخامس في البحرين تعرض للقصف. قاعدة العديد في قطر تعرضت لأضرار شملت أنظمة رادار متطورة. معسكر عريفجان في الكويت سقط فيه قتلى.

 

المفارقة الثانية: الحماية المشروطة - على عكس المادة الخامسة من حلف الناتو، لا توجد التزامات تلقائية بالدفاع عن دول الخليج. القرار النهائي للتدخل يبقى سياسياً بيد الإدارة الأمريكية. هذا يخلق حالة من عدم اليقين: هل ستدافع أمريكا إذا تعرضت المنشآت النفطية أو المدن للقصف؟ وهل ستفعل ذلك إذا كانت مصالحها المباشرة غير مهددة؟

 

المفارقة الثالثة: حادثة الدوحة - في 9 سبتمبر 2025، عندما ضربت إسرائيل الدوحة، لم تتدخل القاعدة الأمريكية في العديد لحماية الدولة المضيفة. هذا الحادث عزز الاعتقاد بأن القواعد الأمريكية منظمة أساساً لخدمة أجندة واشنطن (المتوافقة غالباً مع إسرائيل)، وليس كدروع لحماية مضيفيها.

 

 

كيف ستبرر الحكومات الخليجية موقفها لشعوبها؟

 

هنا تكمن العقدة الأكثر تعقيداً. لسنوات، روّجت الحكومات الخليجية لرواية أن الوجود العسكري الأمريكي ضروري لـ"حمايتهم من التوسع الإيراني الفارسي". لكن ما حدث خلال الأسابيع الماضية قلب هذه الرواية رأساً على عقب.

 

الرواية الرسمية المنهارة - وجد المواطن الخليجي العادي نفسه يدفع الثمن: مقيمون أجانب يغادرون، أسواق مالية تتراجع، استثمارات تتجمد، مطارات تُقفل، ناطحات سحاب تهتز من الانفجارات. السؤال الذي يطرحه المواطنون الآن: "كيف نحمي القواعد الأمريكية بأجسادنا وأموالنا، بينما وجودها هو ما جلب لنا الدمار؟".

 

التحول في الرأي العام - جيل "زد" في الخليج، الأكثر تعليماً واتصالاً بالعالم وفخراً بتراثه العربي، أصبح أكثر تشككاً في الهيمنة الأمريكية. العداء لأمريكا بسبب تواطؤها في غزة يغذي هذا المزاج. ورغم أن قليلاً من المتعاطفين مع إيران، إلا أن اللوم الأكبر في اندلاع الحرب وتداعياتها يقع على واشنطن وتل أبيب في نظر الكثيرين.

 

وسائل إعلام خليجية تعكس الانقسام - دراسة حديثة أظهرت أن الإعلام القطري الناطق بالإنجليزية (الجزيرة إنغلش وAJ+) قدم تغطية ناقدة بشدة للحرب، وصنف 91.2% من المحتوى بعد اندلاعها على أنه "سلبي جداً" أو "سلبي" تجاه الحملة العسكرية. هذا يعكس فجوة بين التحالف الرسمي مع واشنطن والرسالة العامة التي تصل إلى الجمهور.

 

 

كيف تتصرف الحكومات؟

 

 

في مواجهة هذه الضغوط، تتبع الحكومات الخليجية استراتيجية دقيقة:

 

· الامتناع عن المشاركة العسكرية المباشرة: رفضت الدول الخليجية الانضمام إلى الحرب إلى جانب أمريكا وإسرائيل. وزيرة الدولة الإماراتية ريم الهاشمي أكدت أن "الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى المزيد من الأزمات".

 

· الاكتفاء بالإدانة والدعوة للتهدئة: أصدرت بيانات تدين الاستهدافات الإيرانية، لكنها تركز على الدعوة لوقف التصعيد.

 

· تعزيز الدفاعات الذاتية: تسعى لتعزيز أنظمة الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الحيوية.

 

· الضغط على واشنطن عبر القنوات الخلفية: الاتصالات مستمرة مع البيت الأبيض للمطالبة بإنهاء الحرب.

 

· بناء قدرات ذاتية: دعوات متزايدة (مثل تصريحات الشيخ حمد بن جاسم) لإعادة التقييم الاستراتيجي وبناء قدرة ردع تعتمد أقل على الحلفاء الخارجيين.

 

 

سابعاً: استراتيجية "النصر المعلن ذاتياً".. هل ينسحب ترامب فجأة:

 

 

السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: هل يمكن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صاحب الشخصية المتقلبة والتاريخ الحافل بالقرارات المفاجئة، أن ينهي الحرب فجأة ودون سابق إنذار، معلناً أنه انتصر وحقق أهداف أمريكا، تاركاً الكيان الإسرائيلي وحلفاء الخليج يواجهون المصير لوحدهم؟

 

 

الانسحاب من سوريا ونموذج الحوثيين:

 

 

قبل أيام قليلة فقط من اندلاع الحرب، أكملت القوات الأمريكية انسحابها الكامل من سوريا، منهية وجودًا عسكريًا استمر عقدًا كاملاً. حوالي 1000 جندي أمريكي غادروا قواعدهم في التنف والشدادي شمال شرق سوريا، في خطوة بررتها واشنطن بأن "وجود القوات الأمريكية لم يعد ضروريًا" بعد تفكك قوات سوريا الديمقراطية واندماجها في هيكل الدولة السورية.

 

لكن التوقيت كان لافتًا: هذا الانسحاب تم بالتزامن مع تصعيد التهديدات ضد إيران، ونقل واشنطن لقطعها البحرية والجوية إلى موقع هجومي. التحليل الاستراتيجي يصف هذه الاستراتيجية بأنها "انكماش استراتيجي" مقصود: ترامب يسحب القوات البرية التي يمكن أن تكون "رهائن" أو أهدافًا سهلة للصواريخ الإيرانية، ويركز قوته في الضربات الجوية والبحرية البعيدة. هذا يمنحه حرية أكبر في التصعيد أو الانسحاب دون ثمن بشري باهظ.

 

ما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير سيناريو اليمن قبل أشهر: عندما تعرضت القوات الأمريكية لخسارة كبيرة أمام الحوثيين، فضل ترامب الانسحاب وإعلان أن المهمة أنجزت، تاركًا الساحة لهم وحتى حلفاءه يتحملون النتائج وحدهم.

 

 

إعادة تعريف "النصر": 

 

 

ما يحدث الآن في البيت الأبيض هو محاولة مكثفة لـإعادة تعريف النصر لتتناسب مع الانسحاب. قبل أيام، كان ترامب يطالب باستسلام إيران غير المشروط. لكن تصريحات المسؤولين خففت اللهجة بشكل كبير، موضحين أن النصر يعني ببساطة "ألا تكون التهديدات الإيرانية مدعومة بترسانة باليستية"، وليس بالضرورة سقوط النظام.

 

الإدارة بدأت تروّج أن الضربات قللت من قدرات إيران الصاروخية بنسبة كبيرة. هذا السرد يهدف إلى خلق انطباع بأن "المهمة أنجزت" حتى لو كان النظام لا يزال قائماً ومضيق هرمز لا يزال مشلولاً. إنها نفس لعبة "المهمة أنجزت" التي رُفعت على حاملة طائرات في حرب العراق، ولكن هذه المرة مع وعي مسبق بعدم الحسم.

 

 المعارضة الداخلية: حتى "فوكس نيوز" تتساءل:

 

المفارقة أن الانتقادات للحرب لم تأتِ فقط من الديمقراطيين، بل حتى من القاعدة المحافظة التقليدية. راشيل كامبوس-دوفي، مقدمة برامج في قناة "فوكس نيوز" الأقرب لترامب، وجهت سؤالاً صريحاً للرئيس: "أعتقد أن على الرئيس أن يشرح بشكل أفضل لماذا يخدم دخول أمريكا في حرب كينتيكية المصالح الأمريكية. إذا كنت ستأخذنا إلى حرب، عليك أن تشرح لماذا هذا مهم لنا. لنا، وليس لدول أخرى". ثم أضافت: "اشرح لي لماذا يجب أن أخاطر بأبنائي في سن التجنيد في حرب أخرى في الشرق الأوسط. اعتقدت أننا انتهينا من هذا".

 

هذه الكلمات كانت مرآة لمشاعر المحافظين الذين يعارضون بشدة سياسات المحافظين الجدد المؤيدة لإسرائيل، وهي تعكس انقساماً حقيقياً داخل القاعدة الانتخابية لترامب.

 

ثامناً: دوائر القرار.. الضغوط الداخلية والإعلام والرواية الدينية:

 

 

الضغوط الداخلية: الميغا تتحالف ونار الانتخابات:

 

شخصية ترامب، كما هو معروف، تقوم على "المتاجرة" و"صفقة اللحظة". الاعتبارات السياسية الداخلية تسبق عنده أي التزامات استراتيجية مع الحلفاء. واليوم، يواجه ترامب ضغوطًا داخلية هائلة:

 

· الضغط الاقتصادي: ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل وارتفاع أسعار البنزين محليًا يضربان الوعد الانتخابي الأهم لترامب: "الرخاء الاقتصادي". نماذج التحليل الاقتصادي تشير إلى أن إغلاق هرمز يعرض ما قيمته 2.2 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي للخطر.

 

· الضغط السياسي: استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية الأمريكيين يعارضون الحرب، وهو أمر نادر في بداية أي نزاع عسكري. حتى داخل قاعدته الصلبة (MAGA)، هناك تذمر من الانخراط في حرب استنزاف خارجية.

 

· الكونجرس: أعضاء الكونجرس من الحزبين يبدأون بالتساؤل عن جدوى استنزاف الخزينة الأمريكية في حرب لا تظهر بوادر نصر واضح.

 

الخوف الحقيقي في البيت الأبيض ليس من الخسارة العسكرية، بل من رد الفعل السياسي العكسي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

 

 

الإعلام ساحة معركة:

 

 

في هذه الحرب، يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل السرديات وتبرير الانسحاب أو التصعيد. التطورات الأخيرة تكشف عن معركة موازية على الجبهة الإعلامية:

 

· الرقابة المشددة: الحكومات في إيران وإسرائيل ودول الخليج فرضت قيودًا غير مسبوقة على التغطية الإعلامية. في إيران، الإنترنت بالكاد يعمل، والأمن مشدد بشكل كبير، مما يجعل المحتوى المستقل من داخل البلاد نادرًا جدًا. الصحفيون ممنوعون من تصوير المواقع الحساسة.

 

· في إسرائيل: الرقابة العسكرية شددت القيود، وحظرت البث المباشر للسماء الإسرائيلية عند إطلاق صفارات الإنذار.

 

· في الخليج: دول مثل قطر اعتقلت أكثر من 300 شخص بتهمة مشاركة صور ومعلومات مضللة عن الهجمات الإيرانية. الإمارات حذرت من نشر أي محتوى يظهر أضرار الهجمات، معتبرة ذلك "إثارة للذعر".

 

· المعركة مع الإعلام الأمريكي: البنتاجون منع المصورين من تغطية إحاطات وزير الدفاع حول الحرب، في خرق للسياسات طويلة الأمد. معظم وسائل الإعلام الرئيسية غادرت مكاتبها في البنتاجون احتجاجًا على القيود الجديدة، وحلت محلها مؤسسات إعلامية جديدة موالية لترامب.

 

هذا المشهد الإعلامي المعقد يخدم استراتيجية ترامب: خلق ضبابية معلوماتية تسمح له بإعلان "النصر" في أي لحظة، دون أن تتمكن وسائل الإعلام المستقلة من تدقيق الرواية أو كشف حجم الخسائر الحقيقية.

 

 

الرواية الدينية: "أرمجدون" في غرف العمليات:

 

 

في تطور مثير للجدل، كشفت تقارير عن استخدام بعض القادة العسكريين الأمريكيين لروايات دينية مسيحية لتبرير الحرب مع إيران. مؤسسة "ميلتري ريليجس فريدوم فاونديشن" (MRFF) قالت إنها تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود في جميع فروع القوات المسلحة، تفيد بأن قادتهم أخبروهم أن الحرب في إيران هي جزء من "خطة الله الإلهية".

 

إحدى الشكاوى، المقدمة من ضابط صف نيابة عن 15 جندياً، وصفت قائداً يخبر الوحدات بأن الحرب "كلها جزء من خطة الله الإلهية"، مستشهداً بمقاطع من سفر الرؤيا عن هرمجدون وعودة يسوع المسيح الوشيكة. الضابط زعم أن القائد قال إن "الرئيس ترامب مُسح من قبل يسوع لإشعال نيران الحرب في إيران لتسبب هرمجدون وإيذاناً بعودته إلى الأرض".

 

مايكي وينشتاين، رئيس MRFF وهو من قدامى المحاربين في القوات الجوية، قال إن مثل هذه الخطابات تخلق "طفرة دعائية" للجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش وبوكو حرام، وتشكل انتهاكاً للفصل بين الكنيسة والدولة. هذه الرواية، حتى لو لم تكن رسمية، تعكس حالة من الاستقطاب الديني والسياسي الذي يحيط بالصراع.

 

 

 

 

تاسعاً: الاستنزاف العسكري والاقتصادي.. آسيا وأوروبا في مرمى النار:

 

 

صمود إيران المفاجئ:

 

 

أهم مفاجأة في هذه الحرب كانت التماسك اللوجستي والعسكري الإيراني. القوات الأمريكية كانت تتوقع انهيارًا سريعًا للدفاعات الإيرانية أو على الأقل تراجعًا في القدرة على الرد، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا:

 

· إيران أثبتت قدرتها على ضرب مواقع بنيت على مدى عقود من القواعد الأمريكية وأجهزة الرصد والتنصت.

 

· الضربات الإيرانية أصبحت أكثر دقة بفضل الدعم الاستخباراتي الروسي.

 

· قدرة إيران على إشراك حلفائها في لبنان واليمن والعراق في المعركة زادت من تعقيد المشهد على القوات الأمريكية.

 

 

الاستنزاف الاقتصادي: صدمة سلاسل التوريد العالمية:

 

 

الآثار الاقتصادية للحرب تتجاوز بكثير المنطقة المباشرة للصراع. تحليل شركات الشحن يكشف عن تعقيدات غير متوقعة في سلاسل التوريد العالمية:

 

· آسيا في مرمى النار: الأسواق الناشئة في آسيا (كوريا، تايوان، الهند) كانت الأكثر تضررًا، وليس فقط بسبب اعتمادها على نفط الخليج، بل بسبب الروابط المعقدة في سلاسل التوريد. الصين والهند وكوريا واليابان لديها أعلى درجة اعتماد على النفط العابر لمضيق هرمز.

 

· تأثير متسلسل: الصناعات التي تعتمد على مدخلات من الخليج (مثل البتروكيماويات، توليد الكهرباء، النقل) تتأثر بشكل مباشر، وهذه الصناعات تغذي مئات الصناعات الأخرى في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

· الخسائر المباشرة: أسعار الغاز الأوروبية ارتفعت بنسبة 180% عن مستويات ما قبل الحرب. أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للأساطيل في الخليج ارتفعت بنسبة 300-500%.

 

· آسيا الوسطى: الدول غير الساحلية مثل طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان تواجه نقصًا حادًا في السلع الأساسية. إيران حظرت صادراتها الغذائية لتجنب النقص المحلي.

 

· الهند: ثلث تجارة الهند الخارجية (31%) تمر عبر منطقة الشرق الأوسط، و90% من وارداتها من الغاز المسال تأتي من الخليج. شركات مثل "أداني" للموانئ و"جيه إس دبليو" للبنية التحتية شهدت تراجعًا حادًا في أسهمها بسبب تعطل العمليات في ميناء الفجيرة الإماراتي ومشاريعها في عمان.

 

 

الاستنزاف والدولي:

 

 

· الموقف الأوروبي: الموقف الأوروبي الذي بدا داعمًا لواشنطن في البداية، سرعان ما تبدل وتحول إلى قلق وانتقاد. المستشار الألماني فريدريش ميرز، الذي أيد الحرب في البداية، عاد ليحذر من أن الصراع "يؤثر بشكل كبير على تكاليف الطاقة وقد يؤدي إلى موجة هجرة واسعة". فرنسا وإسبانيا انضمتا إلى الدعوات المطالبة بوقف التصعيد. هذا التحول يعكس قلقًا حقيقيًا من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأوروبي المنهك أساسًا.

 

· الموقف الآسيوي: الهند ودول جنوب آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على العمالة المغتربة في الخليج وعلى واردات الطاقة، تلقت ضربة قاسية مباشرة. تقارير تحدثت عن سقوط ضحايا هنود في هجمات بحرية، وبدء الهند في تقنين الغاز.

 

عاشراً: المحور الشرقي.. روسيا والصين.. الدعم البارد في حرب ساخنة:

 

في هذا المشهد المتأزم، يبرز دور القوى الكبرى، لا كمشاركين مباشرين، بل كحلفاء استراتيجيين يرسمون ملامح نهاية اللعبة.

 

 

روسيا: المستفيد الأكبر:

 

 

روسيا، المنشغلة في حرب أوكرانيا، وجدت في الحرب على إيران فرصة ذهبية لإضعاف الولايات المتحدة دون أن تدفع ثمنًا باهظًا. تقارير استخباراتية غربية تشير إلى أن موسكو تزود طهران بمعلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات القوات الأمريكية وأنظمة الرادار، مما مكّن إيران من توجيه ضرباتها بدقة متناهية. هذا الدعم يطيل أمد الحرب ويستنزف الموارد الأمريكية، بينما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط لتمويل خزينتها.

 

 

الصين: التوازن الدقيق:

 

 

أما الصين، فتتبع نهجًا أكثر حذرًا. فهي تدعو رسميًا إلى وقف إطلاق النار، وتستخدم أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية بدلًا من العسكرية. بكين قلقة من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة، لكنها تعتمد على احتياطاتها الاستراتيجية الضخمة من النفط والغاز التي تغطي استهلاكها الداخلي لفترات طويلة. التحليل الصيني للصراع يركز على أن ترامب "يسحب القوات ليضرب بقوة أكبر"، لكنه يدرك أن إيران ليست أفغانستان أو العراق، وأي حرب شاملة ستكون "فيتنام ثانية".

 

الخاتمة: كيف تنتهي الحرب؟ ومصير الخليج:

 

 

بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الحرب، لم يتحقق الحسم الذي وعد به الرئيس الأمريكي. إيران لم تستسلم، والنظام لم ينهار. الرهان على "النصر السريع" تحول إلى كابوس استراتيجي. وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، بدأت ملامح شروط إيران لإنهاء الحرب تتكشف، سواء بشكل رسمي على لسان مسؤوليها، أو من خلال القنوات الخلفية والاتصالات غير المعلنة التي تجري خلف الكواليس.

 

 

الشروط المعلنة: ثلاثية بيزشكيان:

 

 

في تصريح هو الأوضح منذ بدء الحرب، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان عن ثلاثة شروط أساسية لإنهاء الصراع، وذلك بعد محادثات أجراها مع قادة روسيا وباكستان. الشروط، التي نشرها على منصة إكس، تمثل الحد الأدنى المطلوب لوقف العمليات العسكرية:

 

1. الاعتراف بحقوق إيران المشروعة: المطالبة الأولى هي اعتراف واشنطن وتل أبيب بحقوق إيران "غير القابلة للجدل". هذا المصطلح واسع ويشمل ضمنياً حق إيران في برنامج نووي سلمي كامل، بما في ذلك التخصيب، وحقها في امتلاك قدرات صاروخية دفاعية، وربما الاعتراف بدورها الإقليمي كقوة كبرى في المنطقة. ربط بيزشكيان ذلك بأن الحرب "أشعلها النظام الصهيوني والولايات المتحدة"، مما يعني أن أي حل يجب أن يعترف بأن إيران كانت الطرف المعتدي عليه وليس المعتدي.

 

2. دفع تعويضات: الشرط الثاني هو دفع تعويضات عن الأضرار التي سببتها الحرب. وزير الخارجية عباس عراقجي أوضح طبيعة هذه الأضرار عندما تحدث عن استهداف "الطلاب، المستشفيات، محطات تحلية المياه، والمصافي". طهران تريد تعويضاً مادياً عن الدمار الهائل الذي لحق ببنيتها التحتية المدنية والعسكرية، وهي ورقة تفاوضية قد تصل إلى مليارات الدولارات.

 

3. ضمانات دولية ضد العدوان المستقبلي: الشرط الأكثر تعقيداً هو الحصول على "ضمانات دولية راسخة" تمنع تكرار أي عدوان في المستقبل. إيران لا تثق بأمريكا أو إسرائيل بعد تجربة انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018. ولذلك، تطالب بضمانات تتجاوز التعهدات الشفهية، ربما عبر آلية دولية متعددة الأطراف (مجلس الأمن، مجموعة 5+1، أو ضامنين كبار مثل روسيا والصين) تمنع أي هجوم مستقبلي.

 

 

القنوات الخلفية: إشارات متناقضة وشكوك أمريكية:

 

 

على الرغم من هذا الموقف الرسمي المتشدد، كشفت تقارير استخباراتية غربية عن وجود اتصالات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. فبعد يوم واحد فقط من بدء الضربات في 28 فبراير، أرسلت عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية إشارات إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عبر جهاز مخابرات لدولة ثالثة، تفيد باستعداد طهران لفتح قنوات حوار حول إنهاء الصراع.

 

لكن هذه الإشارات قوبلت بتشكك كبير في واشنطن. مسؤولون أمريكيون أكدوا عدم وجود مفاوضات نشطة، ووصفوا هذه القنوات بأنها "غير جادة" في المدى القصير، خاصة في ظل الفوضى التي تعصف بالقيادة الإيرانية بعد اغتيال عدد كبير من كبار المسؤولين. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغط بقوة لتجاهل هذه الإشارات، مؤكداً أن الحملة العسكرية يجب أن تستمر لأسابيع لإلحاق أقصى ضرر بالقدرات الإيرانية وربما التسبب في انهيار النظام.

 

من جهتها، نفت إيران رسمياً هذه التقارير بشدة. مصدر في وزارة الاستخبارات الإيرانية وصف الأنباء عن إرسال إشارات إلى CIA بأنها "كذب محض وعملية نفسية في زمن الحرب"، مؤكداً أن طهران "لا تشك في معاقبة الأطراف التي هاجمتها". هذا التناقض بين النفي الرسمي والتقارير الاستخباراتية يعكس حالة الانقسام داخل النخبة الإيرانية حول كيفية إدارة الصراع.

 

 

الشروط غير المعلنة: غزة، لبنان، وإعادة بناء الثقة:

 

 

بعيداً عن التصريحات الرسمية، تشير التسريبات الصادرة عن وسطاء إقليميين (عمانيون وقطريون وروس) إلى وجود شروط أخرى غير معلنة تضعها إيران على الطاولة في أي مفاوضات جدية:

 

1. ربط مصير غزة ولبنان بمصير الحرب: المطلب الأكثر تعقيداً هو رفع الحصار عن غزة ووقف العدوان الإسرائيلي على لبنان. إيران تعتبر نفسها رأس "محور المقاومة"، وتريد إنهاء الحرب بطريقة تظهر أنها لم تتخلَّ عن حلفائها. أي اتفاق لوقف النار في إيران يجب أن يتضمن ترتيبات لوقف إطلاق النار في غزة ولبنان، وإعادة إعمار ما دمر هناك.

 

2. إعادة هيكلة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج: تطالب إيران ضمنياً بمراجعة الوجود العسكري الأمريكي في دول الجوار. الضربات الإيرانية المتكررة على القواعد الأمريكية في البحرين والكويت وقطر والإمارات لم تكن عشوائية، بل كانت رسالة مفادها أن استمرار وجود هذه القواعد يجعلها أهدافاً مشروعة. أي اتفاق طويل الأمد قد يتطلب إعادة تموضع هذه القوات خارج مرمى الصواريخ الإيرانية.

 

3. ضمانات بعدم استهداف القادة: مع استمرار الاغتيالات الإسرائيلية لقادة إيرانيين كبار (بما في ذلك المرشد الأعلى)، أصبحت حماية القيادة السياسية والأمنية شرطاً ضمنياً غير معلن للتفاوض.

 

 

معضلة ما بعد الحرب: هل يعيد الخليج حساباته؟

 

 

بغض النظر عن كيفية انتهاء هذه الحرب، فإن المنطقة لن تعود كما كانت قبل فبراير 2026. دول الخليج تواجه معضلة وجودية:

 

على المدى القصير، ستعزز هذه الدول دفاعاتها الذاتية وتسعى لاستعادة الثقة في الضمانات الأمريكية، لكنها ستدرك أن هذه الضمانات مشروطة وقابلة للتبخر.

على المدى المتوسط، ستبحث عن تنويع علاقاتها الأمنية، ربما بالتقارب مع روسيا والصين، أو ببناء قدرات عسكرية ذاتية أكثر اعتماداً على الذات.

 

على المدى الطويل، ستواجه تحديين: الأول، التعامل مع إيران ما بعد الحرب (سواء انتصرت أو خرجت منهكة) بحذر شديد. الثاني، استيعاب الغضب الشعبي المتصاعد تجاه أمريكا وإسرائيل، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي القائم على توفير الأمن والرخاء في مقابل القبول بالتحالفات القائمة.

 

الخبير الاستراتيجي عبد الله باعبود يلخص المأزق: "دول الخليج عالقة في مأزق استراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران في صراع لم تختاره، وتحاول إدارة هذا المأزق بمزيج من الدبلوماسية وضبط النفس والاستعداد الدفاعي". لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً: كم من الوقت يمكنها الاستمرار في هذه المعادلة الصعبة؟

 

التساؤل الأخير:

 

إذا حدث السيناريو الأكثر ترجيحاً - وهو انسحاب ترامب الأحادي تحت راية "النصر" - فسيترك:

 

· الكيان الإسرائيلي وحده في مواجهة معركة استنزاف مفتوحة مع إيران وحلفائها، بما في ذلك جبهة يمنية مفتوحة على بعد آلاف الكيلومترات.

 

· دول الخليج تتحمل تداعيات زعزعة استقرار المنطقة وارتفاع تكاليف التأمين وشلل حركة الملاحة في مضيقين استراتيجيين في وقت واحد، وتواجه سؤالاً صعباً لشعوبها: هل كان الوجود الأمريكي درعاً أم جالباً للدمار؟

 

· الحلفاء الأوروبيين يواجهون أزمة طاقة متفاقمة وموجات لجوء محتملة.

 

· الهند وآسيا تواجهان شللاً في سلاسل التوريد وارتفاعاً غير مسبوق في تكاليف الطاقة.

 

التساؤل الأخير: هل يستطيع ترامب، صاحب البيت الأبيض الذي يلاقي معارضة شديدة من مواطنيه والكونجرس، أن يقرر إنهاء الحرب أحادياً ويعلن النصر، تاركاً الجميع يتحملون العواقب؟

 

التاريخ مع ترامب يقول: نعم، هذا وارد جداً. لكن الفرق هذه المرة أن إيران ستكون هي من تتحكم بوتيرة وإيقاع المرحلة التالية، وليس واشنطن. السؤال ليس "هل سينسحب ترامب؟" بل "ما الثمن الذي سيدفعه الجميع بعد هذا الانسحاب الفوضوي؟" وما إذا كانت إيران ستقبل بأي نهاية لا تحقق شروطها الموسعة التي باتت تشمل غزة ولبنان، وضمانات دولية حقيقية تمنع تكرار سيناريو 2018.

 

الأيام القادمة، وصبر الشعوب من طهران إلى واشنطن، ومدى ذكاء الدبلوماسية الصامتة في بكين وموسكو، وقدرة حكومات الخليج على إعادة بناء شرعيتها أمام شعوبها، هي وحدها من ستحمل الإجابة.

 

آخر الاخبار