عندما تتحول العبادة إلى ورقة ضغط:
قبل أيام، منع يوتيوبر مصري من الصعود إلى طائرته المتجهة للحج، بعد أن استكمل جميع الوثائق ودفع مبالغ طائلة.
لم يُقدم له سبب، ولم يُبدَّأ بتبرير.
لم يكن هذا الشخص مطلوباً لأمن دولة، ولا يحمل سوابق إجرامية.
جريمته الوحيدة: انتقاده السابق لسياسات النظام السعودي.
لم تكن هذه الحالة الأولى، ولن تكون الأخيرة.
فملف الحج والعمرة تحول في العقود الأخيرة من شعيرة دينية جامعة إلى أداة سياسية بامتياز، يُستخدم فيها المقدس لإقصاء الخصوم، وكبت الأصوات، وتصفية الحسابات، وجني الأموال.
أولاً: المغالطة الكبرى – "نحن نخدم الحجاج لا نتحكم بهم"
تروج الدعاية الرسمية السعودية بأن الحرمين مفتوحان لجميع المسلمين، وأن أي منع يتم هو لأسباب أمنية أو تنظيمية بحتة.
لكن الوقائع تفضح ذلك: بعض الحالات للدلالة
هذه ليست استثناءات، إنه نمط واضح:
التأشيرة تُمنح أو تُسحب، والدخول يُسمح به أو يُمنع، والحاج يُعتقل أو يُرحل، وفق مزاج سياسي وليس وفق معيار ديني أو إنساني.
ثانياً: قانون الظل – أي قوانين تخضع هذه الاعتقالات؟
السؤال الذي يطرحه كل مراقب حقوقي: بأي قانون يُعتقل الحاج؟
لا توجد مادة قانونية واضحة تجرم "الدعاء لفلسطين" أو "انتقاد ولي العهد" أو "نشر تغريدة" أثناء التواجد في الحرم.
لكن هناك تعسفاً إدارياً تحت مسميات مرنة مثل "الإخلال بالأمن العام" أو "التحريض" أو "مخالفة الأنظمة".
النتيجة:
هذا ليس عدلاً، هذا احتكار للقرار الديني بغطاء سيادي.
ثالثاً: التجارة المقدسة – أرقام تصعق العقل
لنكن واقعيين: الحج لم يعد مجرد عبادة.
إنه موسم اقتصادي ضخم تديره جهات شبه حكومية وشركات خاصة قريبة من القصر.
المشكلة ليست في الربح المباح، المشكلة أن الحج أصبح سوقاً احتكارياً، يُمنع فيه الحاج العادي (خاصة من الدول الفقيرة) بسبب غلاء التكاليف، بينما تحصل الوفود الرسمية والساسة على تأشيرات مجانية أو مدفوعة بـ"خدمات سياسية".
رابعاً: مأساة فلسطين – ممنوع الدعاء، ممنوع العلم
من أكثر الصور صدمة: منع الحجاج من الدعاء للنصر على الاحتلال، ومنع رفع علم فلسطين، واعتقال من يهتف لغزة أو القدس.
في مكان هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، وفي وقت تتوحد فيه الأمة خلف قضية واحدة، يتحول التعاطف مع المظلومين إلى جريمة.
بل إن هناك من يصف الحرم المكي بأنه صار "فرعاً من الموساد" – في إشارة إلى التوافق الصارخ بين سياسات المنع السعودية والمصالح الإسرائيلية.
بينما تسمح إسرائيل لليهود بالدعاء لجيشها في حائط المبكى، يمنع في مكة الدعاء لنصرة فلسطين.
هذا التناقض ليس دينياً، بل هو سياسي بامتياز.
خامساً: الحل الوحيد – تدويل إدارة الحج
إذا كان الحج فريضة إلهية على كل مسلم قادر، وإذا كانت الكعبة ملك الله وليست ملك عائلة أو دولة، وإذا كان لا يحق لأي حاكم أو نظام أن يمنع مسلماً من الحج بسبب رأيه أو انتمائه أو جنسيته… فالحل المنطقي الوحيد هو:
تدويل إدارة الحج تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي أو هيئة دولية مستقلة
ماذا يعني هذا التدويل؟
1. إنهاء الاحتكار السعودي لمنح التأشيرات والتصاريح.
2. وضع ميثاق حقوق الحاج يضمن عدم التعرض له بسبب سياسي أو فكري.
3. تشكيل لجنة قضائية دولية للنظر في قضايا المنع والاعتقال.
4. إدارة مالية شفافة لإيرادات الحج، تُصرف على الحرمين والحجاج أنفسهم، وليس في صفقات السلاح أو الدعاية السياسية.
5. ضمان حرية الشعائر والدعاء بكل أشكالية ما لم تتحول إلى عنف أو تخريب.
اعتراضات متوقعة وردود عليها:
|
الإعتراض |
الرد |
|
"السعودية صاحبة السيادة على الحرمين" |
السيادة على الأرض، وليست على الدين. الكعبة ملك للأمة الإسلامية، والسعودية مؤتمنة عليها، لا مالكة لها. |
|
"التدويل يعني تدخل أجنبي" |
لا، التدويل إسلامي عبر منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة، والمرجعية فيها علماء وفقهاء، وليس قوى أجنبية. |
|
"السعودية تخدم الحجاج أفضل من غيرها" |
الخدمة ممتازة لكنها مشروطة بولاء سياسي. لا قيمة لخدمة فيها انتقاص للكرامة والإنسانية. |
الخاتمة: بين الخدمة والاستغلال
ليس المطلوب هدم ما بنته السعودية من بنية تحتية وتنظيم للحج. المطلوب هو فصل السياسة عن الدين، و تحييد الحج عن الصراعات، و إنهاء عصر العقاب الجماعي والفردي عبر التأشيرات والاعتقالات.
الحج حق للمسلم الفقير والغني، العربي والعجمي، المؤيد والمعارض، الداعم والناقد.
طالما بقي الحج رهينة عائلة أو حكومة، ستتكرر فضائح المنع والاعتقال، وسيبقى أكبر تجمع إسلامي مسرحاً للإقصاء بدل الوحدة.
حان الوقت لتقول الأمة بصوت واحد:
"الكعبة لله (عز وجل) وليس ملك آل سعود، الحج والعمرة حق كل مسلم وأن يدخلها ويغادرها بأمان مهما أختلف فكرياً وسياسياً مع عائلة آل سعود، والحل الوحيد تدويل إدارة الحج ورفع تسلط ونهب آل سعود عن مكة المكرمة والمدينة المنورة."